كل يوم تظهر لنا موجة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا تكاد تنتهي ارتدادات الموجة الأولى، تأتي الأخرى وقد تكون اقوى بكثير منها، من ناحية التعاطي معها والتفاعل الجماهيري من قبل المستخدمين بمختلف مستوياتهم الثقافية ومؤهلاتهم العلمية، حتى صارت الشبكات الاجتماعية مكانا لعقد الاجتماعات الافتراضية التي تتناول ما يستحق التناول وما سواه.

إذا اردت ان تعطي رأيك في قضية ما يجري النقاش عليها، قد لا تسلم من سهام الانتقاد، اما إذا تعرضت في طرحك لرمز من رموز جهة معينة، فقد تخرجك جهة من الجهات من ملتك، عبر توجيه جيوشها الالكترونية للرد عليك، ومحاورتك بأسلوب الجاهل لا أسلوب يحتكم الى العقل والمنطق، وقد تضطر بعد هذه محاولات الاغتيال الكلامي الى حذف المنشور وتفضيل السكوت فقد يصل الامر الى التهديد المباشر وربما يصل الى حد القتل.

الكثير من الشخصيات الإعلامية وغيرها تتعرض لجملة من الهجمات لمجرد انها تناولت قضية تمس جهة حزبية لديها نفوذ كبير وتحكم واسع في المال العام والسلطة، فتجد النقاشات والحوارات حامية الوطيس ولا فائدة منها سوى مهاترات كلامية، ويبقى المستفيد الوحيد من كل ما يدور هو صاحب الحزب او الزعيم الذي يحرك جمهوره بتغريده.

فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أكثر تأثيرا وعرضة من وسائل الاتصال التقليدية، فبها وقع الكثير فريسة حملات التسقيط التي تقودها جماعات مدفوعة الثمن، واتفتح باب النقاشات حول هؤلاء الأشخاص الذين لا ذنب لهم، غير انهم أصبحوا هدفا واضحا للجيوش التي تديرها جهات معلومة.

في أفضل التقييمات للخطاب الذي يدور في أروقة مواقع التواصل الاجتماعي، نجده لا يحمل الكثير من وجهات النظر الإيجابية، فأغلب ما يدور عبارة عن نقاشات سطحية، لكنها على الرغم من بساطتها تجد الكثير مقاد للاشتراك فيها، وابداء الرأي بعيدا عن المعرفة والطرح السديد.

في الفترات الماضية انقاد المجتمع بفئاته المختلفة الى مواقع التواصل الاجتماعي، وترى ابسط الاحداث يحظى باهتمام كبير يفوق المستوى العام للظاهرة او الحادثة، وبالنتيجة تجد الجميع داخل في حوارات لا طائل منها، فتجد العديد من الزوايا الشخصية الساخرة تارة والجادة تارة أخرى.

العالم الافتراضي بالصيغة الحالية شوه معالم الحوارات بين الافراد وخلط الأوراق وردم الفجوات بين الحق والباطل، وترك الجيوش الإلكترونية التابعة لأهل السلطة والنفوذ أن تحتل مساحتها وتؤثر خرابا ودمارا وعنصرية وحقدا، الأمر الذي غيب جوهر تلك المواقع وتحوير وظيفتها الترفيهية الى وسيلة بأيدي الأحزاب المتناحرة لإبادة متعددة منها سياسية واجتماعية.

المقلق بالفعل في الوقت الحالي ان العالم الافتراضي، هو الوسيلة الفعالة والمجانية للهروب من القيود، من قمة الهرم، أي السلطة صاحبة المتابعة الفعلية للتصرفات الاجتماعية ومحاصرتها بالشكل الذي يضمن عدم استشراء ازمة من الازمات، او ظاهرة من الظواهر، الى جانب الوقوف بوجه المدونين المؤثرين في المجتمع على مستويات عدة.

وبعيدا عن المشادات الكلامية والتجاذبات التي تحصل على مواقع التواصل الاجتماعي، فأن ما يدور على تلك الشبكات، يؤشر الى انعدام الحد الأدنى من أخلاقيات التخاطب، وتحديدا حول القضايا الحساسة والمهمة التي تقود الى مؤشرات وانحدارات خطيرة، تستوجب الإصلاح والمعالجة وتحتاج الكثير من الوقت لتغيير هذ الثقافة عبر خطوات مدروسة.

الفترات الماضية وما حملته من اثقال كثيرة تركت رواسبها، ومن المحتمل ان تتفاعل بعض العوامل السالفة، وتكون منطلقا لجولة مقبلة من جولات التراشق، اذ يعتمد ذلك على إيجاد ارضية اجتماعية خصبة، ما يؤدي الى خروج هذه المنازلات من عالمها الافتراضي إلى صفوف الرأي العام، لتقطع مفهوم التعايش والاحترام والقبول بالآخر، بما يعزز الانقياد التام لشبكات التواصل الاجتماعي.

اضف تعليق