العفن الفكري ليس قدرًا محتومًا، بل حالة اجتماعية أو فردية يمكن معالجتها بالإرادة، والمعرفة والانفتاح. فالعقل كالأرض، إن تُرك بلا عناية؛ نبت فيه العشب الضار ورعت فيه الحشرات، وإن زُرع بالوعي أثمر فكرًا حيًا ومتجددًا ويسعى لبناء الفرد والمجتمع، والرهان الحقيقي ليس على كثرة المعلومات، بل على جودة التفكير...
أصل مصطلح "العفن الفكري" أو "تعفن الدماغ" (Brain rot) يعود لعام (1854م)، حيث أن أول من استعمله الفيلسوف والكاتب الأمريكي (هنري ديفيد ثورو) في كتابه "والدن" لانتقاد التراجع الفكري وتفضيل السطحية، وقد اشتهر المصطلح حديثاً لوصف التدهور العقلي الناتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي التافه، ونقد السطحية في التفكير ونبذ التفاهة واللامبالاة(1)، وقد أطلق عليه بعض علماء النفس بمصطلح (تآكل الدماغ).
فالعفن لا يصيب الجدران وحدها، بل قد يتسلل إلى العقول حين تُغلق نوافذها، وهو حالة من الجمود والتعصب والانغلاق، يفقد فيها الإنسان قدرته على النقد والتجديد واستدعاء حصيلته اللغوية السابقة، ويستبدل الحوار بالإقصاء، والتفكير بالتقليد الأعمى، أو يضطر إلى تعليق أفكاره على شماعة الآخرين فيجتر ما يقدِّمونه بطريقة التدوير المقيت، وعلى الرغم من أنَّه مرض غير مرئي، لكنه أشد فتكًا من كثير من الأزمات؛ لأنه يصيب الوعي قبل أن يصيب الواقع.
أسباب العفن الفكري أو (تآكل الدماغ)
لهذا الخمول مجموعة من الأسباب التي بها تحصَّل هذا الانغلاق النقدي أو النشوز الثقافي الذي تعوَّد الدماغ ترتيبها وإطلاقها إذا حان الإيعاز له بانَّ الأمر يتطلب إطلاق عياراته النقدية وأفكاره المخزَّنة، ومن هذه الأسباب:
1. غياب الثقافة النقدية: الثقافة النقدية هي مدارسة دورية يُمارسها الناس يوميَّا بشعور أو من دون شعور، فحين يُربّى الفرد على التلقين لا على السؤال، وعلى الحفظ لا على الفهم، تتكون عقلية تخشى التفكير الحر، إذ المدرسة التي لا تسمح بالجدال تصنع عقلًا يخاف المراجعة، والتوقف عن المدارسة النقدية تؤدي إلى العفن الفكري.
2. التعصب والانغلاق: يُعد الانطواء أو تحديد المسار في جهة معيَّنة من المجازات المحددة لفكر الفرد، فالتعصب لفكرة أو مذهب أو جماعة يجعل الإنسان يرى العالم من زاوية واحدة، ومع الوقت تتحول الفكرة إلى "مقدّس" لا يُناقش، ولا يُفاتش، لا يقبل بالرأي الآخر، فيتعطل العقل عن أداء وظيفته الرئيسة وهي: التحليل الواقعي والتمحيص والتدقيق.
3. الخوف من التغيير: طبيعة الإنسان تخشى التغيير المفاجئ، والتغيير يُقلق من اعتاد الثبات على أسلوب أو منهج معيَّنٍ، فبعض الناس يفضّلون الأفكار القديمة، حتى لو كانت غير صالحة أو مُتعبة أو مُملَّة، لأن الجديد يفرض عليهم إعادة التفكير، وهذا جهد لا يرغب الجميع في تحمله أو تَقَبُّل فكرته.
4. العزلة الثقافية: في كثير من الأحيان ينعزل الفرد عن المجتمع لأمور متعددة مثل: الانقطاع عن القراءة، وضعف الاطلاع، والاكتفاء بمصادر محدودة للمعلومة، يؤدي إلى تضييق الأفق، والعقل الذي لا يتغذى بأفكار متنوعة، يضعف تدريجيًا.
5. التأثير الإعلامي الموجَّه: طبيعة الإعلام يزوي الأفكار إلى مصالح خاصَّة يريده لها، فالإعلام المنحاز أو غير المهني قد يرسّخ أفكارًا أحادية الاتجاه، ويعيد إنتاج الصور النمطية، مما يعزز التبسيط المخل ويغلق باب الحوار، وهذا ما يُضعف الذاكر والدربة الفكرية.
ثانيًا: نتائج العفن الفكري
لكلِّ حدث اجتماعي أو نفسي يرتبط بحياة المجتمع نجد آثاره تطفو على صفحات الواجهة الرئيسة للناس، والعفن الفكري حاله حال المفاهيم الأخرى له آثار مباشرة تظهر على الظواهر الاجتماعية، منها:
1. انتشار التعصب والصراع: حين يرفض الأفراد الاستماع لبعضهم، تتحول الخلافات الفكرية إلى نزاعات اجتماعية، ونشوب التشتت الاجتماعي.
2. تعطّل الإبداع: الإبداع يحتاج إلى عقل حرّ. أما العقل المتحجر الناجم عن العفن الفكري؛ فلا ينتج إلا تكرارًا لما سبق؛ واجتراراً لما يلفظه الآخرون.
3. الراديكالية الاجتماعية أو تراجع المجتمعات: الأمم التي لا تجدد أفكارها تتراجع حضاريًا؛ لأن الفكر هو المحرك الأول للتقدم، وسبب تراجع الشعوب (المسماة بالنامية) هو العفن الفكري بشكل رئيس.
4. ضعف القدرة على حل المشكلات: النشوز الثقافي والانغلاق الفكري يُزعزع الثقة بين الأفراد ممما يصعب حل المشكلات مهما كانت صغيرة، فالعقل المنغلق يعجز عن رؤية الحلول المتعددة، فيتوقف عند أول عقبة.
ثالثًا: معالجات العفن الفكري
يستطيع الفرد أن يعالج الأسباب الآنفة بمجموعة من الومضات كالآتي:
1. ترسيخ ثقافة السؤال: تتفتح الأذهان بطبيعة الأسئلة وتكرارها؛ لذا عُدَّ السؤال من ركائز الفلسفة، ويجب أن يكون السؤال ليس تمردًا، بل بداية الوعي، بالإضافة إلى التشجيع على النقاش، وتعليم مهارات التفكير النقدي، فهما يساعدان على كسر الجمود، لأنّ الجمود من مولدات العفن الفكري ومن مسبباته التي من واجب الإنسان التخلص منه.
2. الحوار المثمر: من الحوارات ما يكون مثمرا كما منها ما هو عقيم، فيجب أن يُفعِّل الفرد الحوارات المثمرة لتكون الأجواء الحوارية من أجل الوصول إلى الحقيقة أو الفهم لا لغرض الجدال (الديالكتيكي) الذي ينشب عقبه الخلاف والقطيعة، والاختلاف في الرأي لا يعني العداء، فالحوار مع من نختلف معهم يوسّع مداركنا، ويجعلنا أكثر توازنًا في الحكم وعلى الآخر أن يتقبل النقاشات بروح طيِّعة لا متزمِّتة.
3. القراءة المتنوعة: السوشيال ميديا ألغت الكثير من القراءة المتأنية والاطلاع التدبري والنقاش الذاتي بسبب بث المعلومات المتنوعة بشكلٍ مكثَّف مما يُشغل العقل ويعطل الإدراك، حيث يتصفح الفرد كثيراً دون أن يستفيد من تصفحه شيئاً بسبب الأيقونات المتعددة والمعلومات المكثَّفة التي تتراكم في الهارد العقلي فلا يستوعبها، لذا للتخلُّص من هذا العفن الفكري يجب: تنويع مصادر المعرفة التي تثري العقل بطريقة بطيئة، وتوجيه القراءة في موضوع بعد آخر، ليكشف له تعدد الزوايا؛ وكذلك يحتاج القراءة في الفلسفة والتاريخ والعلوم والآداب لتوسّع أفق التفكير.
4. مراجعة الذات: يحتاج الفرد بين الحين والآخر أن يُراجع نفسه، لأنَّ الإنسان لا يخلو من السقوط في الردى وهو يواجه مطبات الحياة المتتالية، والاعتراف بإمكانية الخطأ فضيلة فكرية، المراجعة الدائمة للأفكار تحمي العقل من التحجر، وتنقله إلى الانفتاح وتقبل الآخر، بالإضافة إلى الإصلاح الذاتي من طريق نقد الآخرين له.
5. إصلاح المنظومة التعليمية: الحصيلة اللغوية والمعرفية التي يحصل عليها الإنسان في مسيرته الحياتية تُعدَّ اللبنات الأساسية لبناء شخصيته، وللتعليم الأثر البالغ في صقل مواهبه وبناء شخصيته، فإصلاح التعليم ضرورة لا بدَّ منها، ونقل التعليم من أسلوب التلقين إلى أسلوب التحليل والتفاعل هو خطوة أساسية في بناء عقل نقدي متوازن.
الخاتمة
بهدف إيضاح الرؤية وجدنا أنَّ العفن الفكري ليس قدرًا محتومًا، بل حالة اجتماعية أو فردية يمكن معالجتها بالإرادة، والمعرفة والانفتاح والتدريب. فالعقل كالأرض، إن تُرك بلا عناية؛ نبت فيه العشب الضار ورعت فيه الحشرات الضارة، وإن زُرع بالوعي أثمر فكرًا حيًا ومتجددًا ويسعى لبناء الفرد والمجتمع، والرهان الحقيقي ليس على كثرة المعلومات، بل على جودة التفكير.



اضف تعليق