إنك إن حكم عليك بالشنق فأنقذك رجل منه فكم تقّدره؟ وألست ترى نفسك رهينة إحسانه ما دمت حيّاً؟.

نعم تراه أنت ويراه كل ذي ضمير!

ثم لنا أن نتساءل: ولم هذا التقدير؟.

والجواب: إن الرجل المنقذ حفظ الشخص المحكوم عليه بالإعدام فله حق الحياة على المحكوم عليه، وحيث ان الحياة أجلّ من جميع النعم فشكر المحسن بها يلزم أن يكون أجزل من جميع أنحاء الشكر. إنّ معنى إنقاذ الحياة أنّ المحكوم عليه رهين إحسان المنقذ في كل لحظة من لحظات حياته ألا يحق له شكره في كل آن؟.

إنّ هذا المنطق الواضح يدل على مدى لزوم الإحسان إلى الوالدين بمقايسة بسيطة، وهي إنّ المنقذ من الإعدام لو استحق كل تجلّة واحترام فالأبوان اللذان سبّبا حياة الشخص من أوّلها إلى آخرها يستحقان أضعاف ذلك الإحسان.

أرأيت الفرق الواضح بين من وهبك داراً وبين من أنقذ دارك من يد غاصب؟.

إنّ الأول أحق بالشكر من الثاني.

وهذا هو الفرق بين من أعطاك حياة وبين من أنقذ حياتك.

ولذا نرى الإسلام ـ الإسلام العظيم العارف بالحقوق ـ يمنح الوالدين قسطاً كبيراً من الإحسان والإكرام، ووجوب الطاعة والإتباع وحتى لو كانا مشركين! والمشرك بنظر الإسلام معلوم حاله ـ وحتى لو جاهدا لإشراك الولد فإن الإسلام لا يمنعهما رفده والتوصية بهما: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً...)(1).

هكذا يقول القرآن الكريم.

ويقول: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)(2).

ويقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا...)(3).

ويقول... ويقول.

وفي الأحاديث كثرة هائلة للتوصية بالوالدين وبرهما والحذر من معصيتهما وعقوقهما.

قال رســـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بـــر الوالــــدين أفـــضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله)(4).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح مرضياً لأبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة)(5).

وانظر إلى هذا الحديث، ومدى اهتمام الإسلام برضا الأبوين:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أُمّك.. قال: ثم من؟ قال: أُمّك. قال: ثم من؟ قال: أُمّك. قال: ثم من؟ قال: أباك)(6).. (وأتاه رجل آخر، وقال: إنّي رجل شاب نشيط وأحب الجهاد، ولي والدة تكره ذلك، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ارجع، فكن مع والدتك، فو الذي بعثني بالحق، لأُنسها بك ليلة، خير من جهاد في سبيل الله سنة..!)(7).

وهكذا يقدر الإسلام الأبوين، ويفضل اُنس الأُم بابنها ليلةً على الجهاد في سبيل الله سنة.. وما هو الجهاد؟ الجهاد الذي يقول فيه الإسلام: (ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي).

لكن من الخطأ أن يظن الظان، ان هذه المقايسة بين اُنس الأُم والجهاد... إنما هي بالنسبة إلى الجهاد الواجب العيني، فإن الواجب العيني لا يسقط بأمر مندوب كاُنس الأم ـ وانما يراد بالجهاد: الجهاد الكفائي! حيث يوجد من فيه الكفاية.

وهل تريد شاهداً لذلك؟.

اقرأ قول الله عز وجل: (قل ان كان آباؤكم.. أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا...)(8).

ويروي الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّه جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، أوصني، فقال: لا تشرك بالله شيئاً، وإن حرّقت بالنار، وعذّبت، إلا وقلبك مطمئن بالإيمان ووالديك.. فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان)(9).

وهنا تنبيه لا بأس بإيراده، وهو: انه ربما يقال: ان المراد بالخروج من الأهل، طلاق الزوجة، لكنه بعيد جدّاً عن مبادئ الإسلام الحكيمة.. وليس في لفظ الحديث الطلاق، وإلا لكان من الممكن ان يقال: وان أمراك بطلاق زوجتك... إذا فالمراد من الخروج عن الأهل: الابتعاد عنهم لغاية.

وروى الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر إليها سرّ بها، وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثم أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها! ثم قامت فذهبت فجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟؟! فقال: لأنها كانت أبر بوالديهما منه)(10).

إنّ الجار يستحق من الاحترام ما لا يستحقه غير العباد.. وهو منطقي في نفسه، بالإضافة إلى إنه متلائم مع طبيعة الإسلام، فإن فاعل المعروف لو رأى من المجتمع: الإحسان، وفاعل المنكر: الإهانة، كان ذلك محفّزاً على فعل الخير والإقلاع عن الشر أكثر فأكثر!

وقيل للإمام الصادق (عليه السلام): (أي الأعمال أفضل؟ قال (عليه السلام): الصلاة لوقتها، وبرّ الوالدين، والجهاد في سبيل الله)(11).

وقال له رجل: (إنّ أبي قد كبر جدّاً وضعف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة؟.

فقال: إن استطعت ان تلي ذلك منه، فافعل، ولقّمه بيدك فإنه جنة لك غداً)(12).

وهل يخص الإسلام برّ الوالدين بما إذا كانا مسلمين مؤمنين؟

كلا! إن الأبوين تحمّلا ما تحمّلا، فليبرّهما، سواء كانا عارفين أم ناكرين.

قال رجل للإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ لي أبوين مخالفين؟ فقال (عليه السلام): برّهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا)(13).

وقال رجل للإمام الرضا (عليه السلام): (أأدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال (عليه السلام): أدع لهما وتصدّق عنهما، وان كانا حيين لا يعرفان الحق، فدارهما. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق)(14).

والإسلام الذي يعتقد بالدار الآخرة، مثل ما يعتقد بالدار الدنيا يرى بر الوالدين بعد مماتهما، مثل ما يرى برهما في حياتهما.

قال (عليه السلام): (ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين ويصلّي عنهما ويتصدّق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببرّه وصلاته خيراً كثيراً)(15).

ثم الدنيا دار مكافأة، فمن عمل عملاً خيراً وشرّاً، عمل به مثله ـ غالباً ـ فمن أحسن إلى أبويه وبرهما، أحسن إليه أولاده وبروه، ومن عقّهما وأساء اليهما تلقّى الكيل بالكيل، والصاع بالصاع.. وهذا ما يمكن للإنسان الفحص عنه فاسأل الآباء؟ فمن قال ـ صادقاً ـ انه بر بوالديه رأيت أولاده يبرونه.. والعكس صحيح.

أليس من الجدير بالإنسان ـ والحال هذه ـ أن يبر بالوالدين رجاء ثواب الآجل والعاجل؟

هذا لمن لا يحفزه ضميره على مقابلة إحسان الوالدين بالإحسان أما من له ضمير نقي ووجدان صحيح فالثواب شيء إضافي حتى انه لو لم يكن لزم عليه الإحسان كفاءً لما أسدى الأبوان إليه من معروف وأتعاب.

أما العقوق فهو بنظر الإسلام من أكبر الجرائم! وكيف لا يكون كذلك والحال إنّه مقابلة الإحسان بالإساءة؟ فعقابه ضعف. إنّه لم يشكر النعم.. ثم قابلها بالكفران.. إنّ الإسلام لا يرضى بعدم الشكر فكيف يرضى بالكفران؟.

وقد نهى الإسلام عن أقل مراتب العقوق وهو كلمة أُف فحرّم أن يقابل الأبوين بهذه الكلمة

(وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفًّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما)(16).

وفي التخصيص بحال الكبر، مع إنّ العقوق محرّمٌ إطلاقاً، بيان نكتة وهي إنّ الكبير لانحراف خلقه ـ كثيراً ما يتطلب فوق حقوقه ويتخاشن بغير حق، فما أجدره بالنهر، وبالكلمة النابية التي توقفه عند حده!

لكن الإسلام لا يرضى بذلك بل:

(قل لهما قولاً كريما) لا هذا فحسب. بل: أجر معهما مجرى المتواضع المتطلب، كما كنت أبان صغرك ونشاطهما (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة...)(17).

أما الأحاديث في باب العقوق فكثيرة كثرة هائلة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كن بارّاً واقصر على الجنة، وإن كنت عاقّاً فاقصر على النار)(18).

ويروي الإمام الباقر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (إياكم وعقوق الوالدين! فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارٌّ إزاره خيلاء إنما الكبرياء لله رب العالمين)(19).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح مسخطاً أبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى النار)(20).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن أبي ـ يعني الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي، والابن متكئ على ذراع الأب! فما كلمه أبي مقتاً له، حتى فارق الدنيا)(21).

ولا بد ان نحمل هذا الحديث على ان الابن كان مصرّاً على هذه الرذيلة وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وعلى أي: فدلالة هذا الخبر على جرم العقوق، كبيرة جدّاً فالاتكاء على ذراع الأب مقت يستحق المقاطعة من الإمام الذي هو معدن اللطف والإحسان فكيف بسائر أقسام العقوق؟.

ومن الناس من يزعم: إنّ العقوق يحتاج إلى لفظ كأن يقول الأب: أنت عاق ولكنه ظنٌ خطأ فإنما العقوق كل ما يؤذي الأبوين وإن تحمّلاه برحابة!

واسمع إلى هذا الحديث:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من نظر إلى أبويه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة)(22).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلا صنفاً واحداً، فقيل له: من هم؟ قال (عليه السلام): العاق لوالديه)(23).

وروي: (إنّ أوّل ما كتب الله في اللوح المحفوظ: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا، من رضي عنه والداه فأنا عنه راض، ومن سخط عليه والداه فأنا عليه ساخط).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كل المسلمين يروني يوم القيامة إلا عاق الوالدين، وشارب الخمر، ومن سمع إسمي ولم يصلّ علي)(24).

والظاهر أنه يراد بعدم الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) تركها تعنتّاً وكبرياءً، فإن الصلاة مندوبة عند المشهور من الفقهاء.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لو علم الله شيئاً هو أدنى من أُفّ لنهى عنه وهو أدنى العقوق ومن العقوق ان ينظر الرجل إلى والديه، فيحدّ النظر إليهما)(25).

وسئل الإمام الكاظم (عليه السلام): (عن الرجل يقول لإبنه أو ابنته: بأبي أنت وأُمي، أو: بأبوي أترى بذلك بأسا؟ فقال: ان كان أبواه حيين، فأرى ذلك عقوقاً، وإن كانا قد ماتا فلا بأس)(26).

وفي حديث قدسي: (بعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لو أنّ العاق لوالديه يعمل بأعمال الأنبياء جميعا لم أقبلها منه)(27).

وهذا الحديث ربما يثير الدهشة ابتداءً، لكن في القرآن الكريم ما يدلّ عليه: (إنما يتقبّل الله من المتقين...)(28) وهل العاق متّق؟ كلا! اذاً لا يقبل الله منه ولو بلغت ضخامة عمله كل مبلغ.

وبعد هذا لنا أن نتساءل: كم من الأولاد يبرّون آباءهم في هذا العصر؟.

والجواب: واحد من مائة.. لم؟ لأن مناهج الغرب تبعث على العقوق إنّ البر من الفضائل الروحية والغرب لا يؤمن ـ عمليّاً ـ إلا بالمادة فكيف يعمل بما للروح من مثل وفضائل؟ وهذا هو سر نضوب الأخلاق ـ بتمام معنى الكلمة ـ عن قاموس الغرب والمستغربين.

* مقتطف من كتاب الفضيلة الإسلامية للمرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي

.............................................
1 ـ سورة لقمان: آية 15.
2 ـ سورة الإسراء: آية 24.
3 ـ سورة النساء: آية 36.
4 ـ جامع السعادات: 2/264.
5 ـ جامع السعادات: 2/264.
6 ـ بحار الأنوار: 74/47، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/264.
7 ـ بحار الأنوار: 74/59 ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/264.
8 ـ سورة التوبة: آية 24.
9 ـ أصول الكافي: 2/158 ـ جامع السعادات: 2/264.
10 ـ بحار الأنوار: 74/55، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.
11 ـ بحار الأنوار: 74/85، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.
12 ـ أصول الكافي: 2/162 ـ جامع السعادات: 2/265.
13 ـ بحار الأنوار: 74/56، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.
14 ـ بحار الأنوار: 74/47، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.
15 ـ أصول الكافي: 2/159 ـ جامع السعادات: 2/265.
16 ـ سورة الإسراء: آية 23.
17 ـ سورة الإسراء: آية 24.
18 ـ أصول الكافي: 2/348 ـ جامع السعادات: 2/262.
19 ـ بحار الأنوار: 74/62، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/262.
20 ـ جامع السعادات: 2/262.
21 ـ بحار الأنوار: 74/64، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/262.
22 ـ أصول الكافي: 2/349، جامع السعادات: 2/262.
23 ـ أصول الكافي: 2/348، جامع السعادات: 2/263.
24 ـ جامع السعادات: 2/263.
25 ـ بحار الأنوار: 74/64، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/263.
26 ـ بحار الأنوار: 74/69، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/263.
27 ـ جامع السعادات: 2/263.
28 ـ سورة المائدة: آية 27.

اضف تعليق