لقد دأبت المجتمعات في تجاربها التاريخية على ان يكون لهم علماء وحكماء وقادة روحانيون يشكلون بالنسبة لهذه المجتمعات مرجعية دينية واجتماعية وأحيانا سياسية. وكل المجتمعات كانت تخضع الى هذا المعيار قبل استحداث نظام الدولة الحديثة وجهازها المؤسساتي، وقد لعبت تلك المرجعيات دورا مهما في حمل هذه المجتمعات على السير باتجاه القيم والسلوك الذي انجزته المبادئ والافكار التي تتأسس حولها مرجعية هؤلاء الحكماء من العلماء والقادة الروحانيين لهذه الامم.

وقد افسحت هذه المجتمعات مجالاتها العامة بل وحتى مجالاتها الخاصة لوظائف مرجعياتها ونشاطات قياداتها، بعد ان اسلمت لها طوع القياد على إثر تجارب عاشتها هذه المجتمعات واقتنعت بسلامة البنية الداخلية لهذه المؤسسة الدينية الاجتماعية، وان بدت احيانا تخالف تصورات وتطلعات جماهير هذه المجتمعات، لكنها لم تؤثر على سياق العلاقات التقليدية بين هذه المجتمعات ومرجعياتها.

وقد استمرت هذه العلاقات في المجتمعات التي يطلق عليها التقليدية، وتتصف تلك المجتمعات بقوة النسيج الاجتماعي وتداخل العلاقات فيها ضمن حميمية دينية واجتماعية كانت واحدة من أبرز وظائفها هي التكافل الاجتماعي بين افراد ومجموعات هذه المجتمعات التي وصفت ايضا بالقديمة. وتعود جذور هذه الحميمية الى التضامن الاسري والتكافل الاجتماعي والتي بدورها حافظت على هذا النسيج المجتمعي، الى الدور الذي مارسته هذه المؤسسات الدينية والاجتماعية. لكن منطق التأثير الذي اتبعته هذه المؤسسات بتركيبتها الفردية من العلماء والحكماء والقادة الروحانيون هو الكاريزما التي بدأ يستشعر بها المجتمع تجاهه، فأورث هذا القبول والاستجابة في المجتمع لمحفزاتهم تجاه القيم والمبادئ التي رشحت عن رؤيتهم وتقييمهم وسلوكهم.

وصناعة الكاريزما ليست بالأمر الاعتباطي والمصطنع وانما يكشف بأول اساس له في التطابق بين المبادئ والسلوك والتماثل التام بين القول والعمل. وهي عملية ترجمة للمبادئ وتجسيد النظري في الواقع العملي. هنا تدخل مفاهيم الزهد والايثار والتجرد عن المنافع العابرة ومفهوم المصلحة العامة او الصالح العام يدخل بقوة في نظام حياة العلماء والحكماء وعنه ترشح بقوة صورة الكاريزما.

وسائل بناء الكاريزما

مما لا شك فيه ان هناك وسائل عديدة في بناء الشخصية الكاريزمية. واذا اردنا ان نختصرها فإنها مجمل الرياضات التي تمارسها تلك الشخصية في طور الاعداد والتكوين. لكن الموقف الحاسم فيها هو (الزمن) او فلسفة الزمن في حياة اولئك العظماء. ونستطيع ان نقول ان سر تميزهم هو اداء الزمن في حياتهم وانطباق استثماره بشكل كلي في كل واردة وشاردة في سياقات اهتماماتهم وهي تتشكل بإيحاء من مبادئهم فالزمن بالنسبة لهم فرصة، لكنها ليست فرصة وقت فحسب بل فرصة وجود او فرصة الوجود بامتياز خاص. واعتقد ان الكاريزما تتأسس في قيمة الزمن بالنسبة للشخصية التي تمتلكها وفي الكاريزما او في مفهومها تنبني السلطة الروحية.

ان مراجعة بسيطة في تاريخ الكاريزما نجد ذلك الجد الخالص في استثمار الزمن فالزعماء الروحانيون - الكاريزميون – يعتبرون الزمن هو النسخة الوحيدة او الفرصة التي لا تتكرر في بلوغهم الروحي نحو الله تعالى. واستطيع ان افسر مفهوم الدنيا الوارد في الروايات الاسلامية او التصورات الدينية الاسلامية افسره بالزمن. لان ما يسمى الدنيا او يعرفها دينيا – اسلاميا – ان لها بدء ومنتهى وانها فانية غير باقية وهي الشروط التي ترافق الزمن في فهمه العام وهي تفسر الحرص الديني على عدم التفريط به لأنه اذا غادر الانسان ومضى فانه لن يعود.

يقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام: (اغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب) وهو يمثل الفرص في الدنيا بحركة السحاب في مرورها نحو الفناء، والزمن لا يخرج في مفهومه الوجودي عن الحركة، بل ان الزمن يعرف من خلال الحركة وهكذا نجد ان الزمن وعمقه كامن او باطن في قول امير المؤمنين عليه السلام.

ويقول الامام علي الهادي عليه السلام: (الدنيا سوق ربح فيها اناس وخسر فيها اخرون) والسوق لا يقوم الا وفق زمن خاص به موسمي او يومي والربح والخسارة فيه مقترنين بزمن البيع وزمن الشراء. وهكذا نجد ذلك التضمين الدقيق في قول الامام عليه السلام للزمن في الدنيا. فالزمن هو معيار كل التحولات نتيجة الحركة وهو معيار تفوق هذه التحولات -الربح او ارتدادها– الخسارة.

انه الزمن الذي طبعت فكرته فلسفة الوجود بشقيه العام والخاص وقد درسته الفلسفة في اوائل انبثاقها لدى الاغريق الاوائل ولازالت إشكالية الزمن تمتحن العقل البشري وتمخضه الى هذا اليوم، وهكذا يبدو الزمن مهما واساسيا في الوجود بشقيه العام والخاص.

وعلى مستوى الوجود الخاص بالزمن بالنسبة للعلماء والحكماء فانه كان مندوحة العلماء والحكماء، وطريقة تعاملهم الفائقة مع الزمن في وجودهم الخاص، هو الذي أكسبهم ذلك الموقع المركزي في حياة مجتمعاتهم وتلك الزعامة الروحية التي اصطبغت بالكاريزما، وهي ترسم لهم صور الهيبة والقداسة في النفوس.

الزمن المثال في بناء الكاريزما

أما المثال الذي نكرسه في بحثنا حول وسائل بناء الكاريزما وطريقة التعامل مع الزمن في تفوق تحولاته، فانه الزمن الخاص بالسيد المرجع محمد مهدي الشيرازي رحمه الله تعالى، انه انشغال فائق بالزمن واشتغال كبير عليه.

وقد تحريت عن سيرته في زمنه في كتاب صديقنا الاستاذ الدكتور خالد العرداوي في دراسته القيمة عن السيد الشيرازي- الفكر السياسي عند السيد محمد مهدي الشيرازي- فقد تناول سيرته العلمية بشكل يستوعب أهم المراحل فيها وسأبدأ في تفاصيل يومه في بدء رحلته العلمية فقد كان يمر خلال يومه بـ "27" درسا علميا بين طالب في درس أو أستاذ في درس وبحسب وقته "زمنه" بدءً بعد صلاة الفجر حيث يلتقي وطلاب حلقته التي تتلمذ على يد والده السيد مهدي الشيرازي ويتم تذاكر دروس الامس من أجل حفظها وفهمها، وتستمر المباحثة والدرس الى طلوع الشمس، ثم يستأنف السيد رحمه الله رحلته في الدرس بعد وجبة إفطار، ويستمر به الدرس الى وقت -زمن- صلاة الظهر، وتكون حصصه خمسة الى ستة دروس، ثم بعد صلاة الظهر يكون وقت –زمن– المباحثة والمذاكرة في دروس الصباح لذلك اليوم الى وقت –زمن– صلاة المغرب، وبعد إداء صلاة المغرب والعشاء يباشر بتدريس بعض الدروس للطلبة المبتدئين وتكون خمسة أو أربعة دروس. ونلاحظ هنا ان معيار الزمن لديه هو أوقات الصلاة مما يضفي نوعا من القداسة على تلقي العلم الديني الذي لا يتوقف طلبه أو التزود منه في اليوم الخاص بالسيد الشيرازي إلا حين ارتفاع الآذان مناداة للصلاة حتى إذا عاد الى البيت أمضى وقتا –زمنا– من الليل لمراجعة ودراسة ما تلقاه من أصول ودروس العلم الديني.

إنه يوم –زمن– حافل بهذا العلم الالهي وتمر كل أيامه بهذا الجدول في سعيه الى الله تعالى، وهذا اليوم هو نموذج سنيه، وسنيه تلك نموذج عمره، وعمره ذلك نموذج زمنه، وزمنه هذا نموذج زمن العلماء والحكماء والزعماء الروحانيين الذين تتأسس الكاريزما في شخصياتهم.

فلا غروان تشف سيرته عن ذلك العطاء من الروح والعلم والخلق الرفيع الذي طالما سمعت عنه وحكاه لي المقربون منه.

فأول بادرة زمن العلم والحكمة هي الخلق الرفيع بعد العلم الفقهي الكبير الذي ناله وتمخضت عنه تلك القائمة الطويلة من الكتب والمؤلفات فضلا عن الوعظ والارشاد وقد تجاوز عدد مؤلفاته الالف كتاب وقد احصاها بعضهم الى (1200) كتاب واحصاها اخرون فوجدوا انها تجاوزت (1565) كتاب وقد بلغت موسوعته الفقهية (160) جزء في أكثر من سبعين ألف صفحة.

وقد استنتج بعض الباحثين عن جرد مؤلفاته وكتبه واعدادها فوجد انها تعادل تأليف كتابين في شهر واحد من عمره الذي بلغ 75 عاما (رحمه الله تعالى).

لكن هناك خصيصة اخرى بالزمن الخاص بالسيد الشيرازي (رحمه الله) وهي انه كان يجافي النوم ويحاول ان يستغل ساعاته او زمنه في القراءة والدرس، فليس هناك اضيع للزمن الكاريزمي من النوم. فقد روي انه لا ينام في يومه أكثر من اربع ساعات وتلك طريقة في استغلال الزمن في حياة العلماء والحكماء. وقد بلغ استغلال الزمن لديه انه اذا انتابه الارق في ليله فانه يسارع الى اشتغاله بالكتابة حتى يهاجمه النوم، فيدع الورق والقلم ويقول (رحمه الله تعالى) ان ذلك الامر قد يتكرر في الليلة الواحدة. وينقل عنه ان الكتاب والقلم لا يفارقه لا في سفر ولا في حضر. وتعكس اعداد كتبه وموضوعاتها حافظة قوية والتي اكدها بعض الباحثين واعتبرها عاملا مهما يقف خلف قدرته على الكتابة والتأليف. وكذلك مطالعاته المتنوعة ذات الاغراض المتعددة.

وشخصيا استأنس في كتاباته بذلك الانس الروحي والاشتياق الى السمو في المعاني الخالدة في الدين، فإنها دثار وشعار مؤلفات السيد الشيرازي (رحمه الله تعالى).

ينبغي ان اقول ان قمة الاحساس بالزمن الفائق في المبدأ والمنطلق عند العلماء والحكماء هو العرض للجوهر الروحاني المتصل بحقيقة الوجود فالوجود الالهي في اعماق العلماء والحكماء ينتج زمنا خاصا للجوهر الروحاني المتجرد عن كل ما يحول او يعبث في استغلال الزمن واستثماره، انه فرصة مغتنمة وسوق رابحة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2