عندما يكون خيار السلام بديلاً للعنف، والتعددية محل الاستبداد، واحترام الانسان وحقوقه هي الأساس في التعامل بدلاً من الاضطهاد والحرمان والاستعباد، ستعيش البشرية ومجتمعاتها الإنسانية في بيئة سليمة ملئها الأمان والطمأنينة والتعاون كما يعبر عنها المرجع الراحل الامام السيد الشيرازي (رحمه الله): "من الثمار الإيجابية لإسلوب اللاعنف في الحياة هو انتشار الأمان والطمأنينة والمحبة والتعاون بين الناس"، خصوصاً اذا اعتمدها الانسان "أسلوب اللاعنف" كمنهاج حياة لان: "الثمار الإيجابية التي يجنيها الإنسان من سياسة اللاعنف في حياته هي محبة الآخرين والتفاف الناس حوله".

لقد خلق الله (عز وجل) الأرض وسكانها لهذا الهدف، ولم يكن السبب وراء خلقهم وخلافتهم للأرض واعمارها هو التناحر والقتل والظلم والاستبداد، حتى ان جميع الأديان السماوية حينما تشير الى الخالق فإنها تصفه بالسلام والعدل والرحمن والرحيم، وقد سار على هذا الطريق جميع الأنبياء والمرسلين والصالحين والمصلحين وقدموا النصح بالقول والفعل داخل المجتمعات التي عاشوا فيها وتحملوا مشاق وصعوبات جمة لأنه يتقاطع مع طريق المستبدين من الحكام والسلاطين الذين حاربوا الأفكار التي سعت لإخراج الانسان من بوتقة الظلام والاستعباد والتبعية للمستبد الى نور الحرية والتحرر والسلام والمحبة.

في الوقت الحاضر ومع التطور الكبير في مختلف العلوم أصبح العالم كقرية واحدة لا يمكن فيها فصل احداث الشرق عن الغرب والشمال عن الجنوب، ولان الأسلوب السائد في التعامل هو الاستعلاء والمصلحة والعنف وانعدام العدالة والاستغلال تجد ان العالم أصبح مليء بالعنف والمشاكل العابرة للحدود والمجتمعات، وسبب هذا التعامل باستعلاء واستخدام العنف المفرط وما رافقه من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة ليست الشعوب وانما ما أطلق عليهم الامام الشيرازي بـ"الحكام المزيفون" حين قال: "لا تفكر الشعوب بالاستعلاء، وإنما الذي يفكر بالاستعلاء هم الحكام المزيفون، حيث تتوفر في أيديهم الأموال والأسلحة والسلطة، فيفكرون بالمزيد منها حيث لا رقيب عليهم".

ولم يكتف الامام الشيرازي بالإشارة الى الحكام المزيفين بل شخص ايضاً "زيف الحكام" وطبيعتهم الدكتاتورية في اللجوء الى الأساليب العنيفة لتحقيق المزيد من السيطرة والقوة واستعباد الاخرين: "من طبيعة الديكتاتور دائماً أنه يلتجئ إلى الحرب لأنه بالحرب يظهر نفسيته المستعلية، كما أنه يلتجئ إلى الإرهاب، فيحول بسبب الحرب القوى البشرية من الخدمة البناءة إلى الهدم، كما أنه بسبب الحرب والإرهاب يدخل جماعة كبيرة من الناس إلى العبودية الاقتصادية، وبالنتيجة يهبط بمستوى الملايين من الناس، ويسلب منهم الحرية والرضا المادي، ويزجهم في العجز والفقر والفوضى"، لكنه اكد (رحمه الله) ان الحكم الديكتاتوري الذي بني على العنف وإرهاب الانسان لن يستمر الى الابد ولا بد ان ينتهي في يوم ما: "لا يمكن للحكم الديكتاتوري أن يبقى، لأنه مبني على الإرهاب، والإرهاب لا يمكن أن يدوم"، لأنها سنة الله (عز وجل) وقانونه العادل في الأرض، خصوصاً وان: "القتل والإرهاب يوجب تأليب الأمة ضد الحكم القائم، فإن الناس وإن كانوا ضعفاء والحكم قوي، إلا أن الميزان سينقلب إلى قوة للأمة وضعف للحكم، وحين ذاك يكون السقوط، بل الإبادة الكاملة".

اعتمد الامام الشيرازي سياسة اللاعنف في حياته العملية معتبراً اياها حجر الزاوية في التعامل مع الجميع (الأعداء قبل الأصدقاء) بلا استثناء، لأنه المبدأ الذي اقرته السماء للتعامل مع الانسان، ولأنه الطريق الوحيد الذي يصمد امام جميع المشكلات ومختلف الازمات، ولأنه الأسلوب الذي اثبت نجاحه في انتصار الخير ضد الشر على مر التاريخ، كما خصص الكثير من جهده البحثي والعلمي في تناول كل ما يتعلق باللاعنف وانواعه واسبابه وكيفيه مكافحته وخلق عالم خالي من العنف وقائم على السلام والمحبة والطمأنينة والتعاون بين البشر، وقد اعتبر ان الأساس في سياسة اللاعنف هي "وحدة الإنسانية" التي ستنزع فتيل الاختلافات والصراعات بمختلف اشكالها والتي يرفض الحكام المزيفون قبولها وفق نظرتهم الاستعلائية: "الإنسانية وحدة واحدة، واللازم على الإنسان خدمة الإنسان الآخر مهما كان لونه وعقيدته واتجاهه".

وإذا ما تمكن الانسان من الوصول الى هذا الفهم، وحارب الفكر المستبد والعقائد والأفكار الهدامة التي يحاولون زرعها لتفرقة المجتمعات والشعوب، وتقسيمهم وفق منطق القوة والسلطة، فان الواقع سيكون مختلفاً تماماً عن الواقع الذي نعيشه اليوم: "يجب أن ينظر الإنسان إلى أخيه الإنسان بعين إنسانية، فيساعده بأقصى ما يتمكن، ويخفف عنه المآسي، وينقذه من الأخطار، ومن أشد الأخطار فتكاً على الإنسان والمجتمع العقائد الخرافية والأفكار الهدامة".

لقد آمن الامام الشيرازي ان: "الرفق وعدم العنف أحسن وسيلة لقلع جذور المشاكل الاجتماعية أو التخفيف منها، وأيضاً، تعويق الحركات المضادة أو المعادية"، مثلما آمن بأن: "الإنسان مطوي على أكبر قدر من الطاقات الوثابة، فإذا وجد الحرية الكاملة والظروف المناسبة تقدم تقدماً مدهشاً"، ولا يتحقق هذان العنصران الا من خلال وعي الامة وايمانها بقدراتها على التغيير، لذلك حرص على تربية الامة (المجتمع) وتوعيتها وتقديم النصح والإرشاد لها: "من أهم طرق زوال المستبد، هو تربية الأمة وتوعيتها، ودعوتها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينها تصبح مرصاداً ترصد تحركات المستبد، بدل أن تكون مصفقه له"، واعتبرها كضرورة لمحاربة الفكر الاستبدادي الذي يمتاز بأسلوبه العنيف واضطهاده لكل طبقات المجتمع: "إن من طبيعة الاستبداد اضطهاد كل الطبقات، حتى الطبقة الحاكمة، باستثناء فرد الحاكم"، فضلاً عن بطشه المفرط بمن يتوق الى الحرية: "من أساليب الدكتاتورية تحطيم إرادة أولئك الذين يريدون الحرية، بإلصاق التهم بهم، وقتلهم، وسجنهم، وإبعادهم، ومصادرة أموالهم، وزرع الفرقة بينهم".

والخلاصة فان ما أشار اليه الامام الشيرازي في كتبه ومحاضراته وبحوثه التي تناولت منهاج اللاعنف كانت في غاية الدقة والصواب، وهو المنهاج الذي يحتاجه العالم وكل شعوبه، في الوقت الحاضر، التي وحدتها الإنسانية وفرقتها الخلافات والعنف والاستبداد، ويحتاج هذا الفكر الى تسليط المزيد من الضوء عليه وتطبيقه ليكون بديلاً عن العنف الذي عانت منه مختلف الشعوب وأصبحت الخلافات والنزاعات والحروب هي التي تحكم العلاقة بين المجتمعات الإنسانية بدلاً من التفاهم والسلام والامن والرخاء.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق