تعد حقوق الإنسان قواعد قانونية وشرعية أمرة تتصل بالقيم الإنسانية الأصيلة والمعايير الأخلاقية الراسخة، تقررت للإنسان ليعيش وفق ما ترسمه من إطار عام وتفاصيل دقيقة، والثابت ان الحقوق والحريات طبيعية وفطرية ولصيقة بشخص الإنسان، وهي مقررة بمقتضى قانون الطبيعة حتى لو تنكر لها الحاكم الدنيوي وانتهكها، فتحت أي ظرف لا يمكن بحال من الأحوال ان يكتسي عمل الحاكم هذا ثوب المشروعية وان وجد النص التشريعي الوضعي الذي يؤيده ويبرر أفعاله السلطوية.

ففي الفكر الإسلامي تعد حقوق الإنسان منحة من الله سبحانه وتعالى للبشر بمقتضى الفطرة لتكون باباً للخير والنفع العام، من حيث إنها ترسم أطر العلاقة مع الحاكم وتضع حدوداً للسلطة الحاكمة في علاقتها بالفرد المسلم من جهة أخرى تؤطر علاقة الفرد بنظيره المسلم لينعم الجميع بالمصالح المشروعة التي أقرها الإسلام.

"فحقوق الإنسان ضمانات قانونية تقرر مصالح معتبرة فردية أو جماعية وتوفر لها الحصانة ضد المساس بها بإجراءات وقرارات الحكومة" ومرد ما تقدم تفضيل الإنسان وتكريمه من الله سبحانه وتعالى عندما خلق الخلق حيث يقول عز من قال "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"، وقد صاغ النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ما تقدم بشكل عملي حين صرح ان "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" وما تقدم يعني الزهد والابتعاد عن المحرمات وعلى رأسها الاعتداء على كرامة وحقوق الأغيار.

وبعد ظهور الإسلام كدين وشريعة قابلة للتطبيق العملي على أرض الواقع بما يحمله من قيم سامية تتصل بالإنسان وحفظ كرامته الأصيلة ورفع الإصر عنه في مجتمع جاهلي لم يألف مثل هذه الممارسات من قبل، ما شكل عامل جذب للكثير من المستضعفين في أصقاع الأرض، إذ ظهر مفهوم ثقافي جديد لحقوق الإنسان متمثل بربط هذه الحقوق بالله سبحانه وتعالى وتصويرها على أنها فرائض يثاب من يحترمها ويعاقب من ينتهكها، إذ تم التأسيس على يد النبي وآل بيته الأطهار وبالخصوص في حكومة الإمام علي (عليه السلام) لمعنى المواطنة بالمفهوم الإسلامي القائم على المساواة التامة والالتزام بروح النص واحترام الأعراف الصالحة التي لا تنتهك البناء المعرفي لعلاقة المواطن المسلم بأخيه المسلم أو بالحاكم المسلم.

ومن ثم أكمل بعض رجالات الدين والعلم المسلمين المسيرة الإنسانية بصيغتها الإسلامية من خلال محاولة عصرنة النص الإسلامي أو قراءته بروح عصرية وعقلية مجددة من شأنها ان تحقق التكامل بين الموروث الثقافي والواقع العملي ومنهم المجدد الإمام الشيرازي رحمه الله الذي اجتهد في حياته على تكريس الفهم الإسلامي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية من خلال التأكيد على ثوابت محدد تتمثل في الاتي:

أولاً: أصالة التكريم الإلهي للإنسان:

فدون هذه الحقيقة لا يمكن الحديث عن حقوق وحريات بل ستكون مجرد أمنيات ونصوص جوفاء خالية من المضمون الحقيقي في التطبيق العملي بدليل ان الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العالمية المتخصصة بمجال حماية الحقوق والحريات ورغم النتاج القانوني الكبير الذي وصلت إليه إلا أنها لم تصل إلى منع الاعتداءات المتكررة على الناس بشتى الوسائل وتحت مختلف الذرائع، فالإنسان كائن خلقه الله وكرمه وجعل منه محور الوجود على الأرض كونه الخليفة الموكول إليه عمران البلاد وإصلاح شأن الكائنات قال تعالى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، والإستخلاف ليس لعامة الناس فقط، بل إن الحاكم هو الأخر خليفة لله بشرط ان يعمل بما يرضي الله تعالى ويحفظ الحقوق ويصون الحرمات قال تعالى "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ".

ثانياً: مبدأ أصالة السلم ونبذ العنف كمقدمة صالحة لحفظ الحقوق:

فالأصل في الإسلام هو السلم والاستثناء هو الحرب كون الأخيرة تمثل حالة طارئة تسببها ظروف قاهرة لا سبيل لردها، فلا يمكن التكهن مقدماً بآثارها المدمرة ولا الانتهاكات التي ترافقها للحقوق الفردية والجماعية، قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" وقال أيضاً في مورد أخر "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا" ومن الثابت عند الفقهاء المسلمون إن السلم حكم أولي وأصل ثابت في الدين فالسلم يحقق أمن البلاد والعباد ويحقق الاستقرار والتنمية بشتى المجالات من هذا انطلق المجدد الشيرازي لدعوة إلى مبدأ اللاعنف كثقافة واجبة على الفرد المسلم في بيته ومجتمعه.

ثالثاً: أصالة الحرية:

فلا يمكن سلب حرية الآخرين أو تقييدها دون مسوغ شرعي وقانوني مستند لضرورة حتمية قال أمير المؤمنين علي عليه السلام "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً" والحرية التي نقصد هي المطلقة عن المحددات غير الشرعية كاللون والجنس والعرق والطائفة ولا يعني ما تقدم ان الحرية مطلقة بلا نطاق زماني أو مكاني بل هنالك محددات موضوعية فضلاً عما تقدم من ضرورة مراعاة ظروف "الزمان والمكان" مثل الامتناع عن إيذاء الغير مطلقاً سواء تمثل الغير بالفرد الآخر أو مجموع الأفراد أو الحيوانات أو الجمادات بل وحتى البيئة بمفهومها المعاصر، أو ان تستغل أجواء الحرية لتقويض أمن واستقرار المجتمع بلا مسوغ شرعي أو ان تكون باباً لمفسدة كإفساد الأخلاق أو انتهاك القيم الروحية والمعنوية للغير ولو كانوا من غير المسلمين.

واليوم ونحن نعيش في ظل حكومات وقواعد قانونية ودستورية تدعو إلى الإسلام سبيلاً بينما يكشف الواقع العملي بعدها عن روح الإسلام وتعاليمه الحقة بعد المشرقين، كما الجماعات الإرهابية التي تبرقعت بالدين وأساءت فهم النصوص الإسلامية لتظهر المسلمين والإسلام بغير صورتهم الحقيقية فما من شك بأننا بحاجة إلى إظهار الصورة الحقيقية الناصعة لرؤية الإسلام والقادة المسلمين الحقيقين للحقوق والحريات ولو نجحنا بذلك سنكون مصداق لقوله تعالى "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" .

لهذا نرى ان لا سبيل أمامنا كمجتمع مسلم ما لم نركز على الإيجابيات ونغادر السلبيات التي ابتلينا بها بسبب ضعاف النفوس، وحتمية إظهار التطبيقات الإسلامية الحقة التي تمثل الوجه الحضاري المشرق للرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار فقد عفا النبي عن أهل مكة يوم الفتح ومنحهم الأمان رغم انهم قاتلوه وقتلوا عمه حمزة عليه السلام وأصابوه بأضرار وجراحات يوم أحد، وتسببوا بمقتل جماعة كبيرة من المسلمين وهددوا المدينة المنورة غير مرة، وقد أوصى الإمام علي عليه السلام بقاتله خيراً حين طلب من الإمام الحسن ان يطيب مأكله ومنامه ولا يضيق عليه.

وأهمية نشر الوعي الإسلامي بالتطبيق العملي للأفكار والمبادئ الإسلامية فقد ورد عن صادق العترة قوله لأصحابه "كونوا دعاة لنا صامتين" ومن الضروري أيضاً فهم الحرية بمعناها الموضوعي حيث يقول تعالى "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" وهذا يعني لا إكراه في الرأي وحرية الضمير، ولابد من التأكيد على أهمية فتح قنوات الحوار الهادئ الهادف إلى التقريب بيت وجهات النظر بالتركيز على المشتركات وترك المسائل الخلافية لأهل العلم بعيدا عن العامة، كما لا يغيب عنا ضرورة مبدأ الشورى كأساس في الحكم ونبذ التعصب والاستبداد بالرأي ما يحقق سعادة الإنسان ويحفظ العقل والنسل ويمنح الجميع الفرصة المتكافئة ليعيشوا بسلام.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق