إذا كان لنا في البدء من تحديد لدلالات الألفاظ، فإن كلمة تجديد عند المرجع الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي تختلف عن استخداماتها في المنظومات الفكرية الأخرى، وحتى لو يستخدم الإمام هذه اللفظة بعينها فإنه ناظر إلى جملة مضامين سعى لها في حركته التغييرية، وطرحها كجزء أساسي وأصيل من فكره الإسلامي التغييري؛ لهذا يمكننا أن نضع أيدينا على مجمل المقصود بهذه اللفظة من خلال المرور على ملامح نظرية التغيير لدى الإمام(قدس سره)..

فالإمام الشيرازي في مجمل كتبه ومحاضراته، افترض وجود واقع ونظرية وتطلع إلى إحداث تغيير في هذا الواقع باتجاه التطابق مع النظرية. وهذا الأمر يحيلنا تلقائياً لتصور طبيعة النظرية المتحركة التي تدعو الواقع للحركة باتجاهها باستمرار، والفارق بين النظرية الإسلامية وسواها من النظريات هو في طبيعة الحركة؛ فالنظريات الأخرى تفترض فضاءً مفتوحاً بلا حدود وأطر يمكن للواقع أن يتحرك خلالها، بينما تكون النظرية الإسلامية متحركة ولكن بالاستناد إلى أسس وقواعد وحدود؛ ففي جميع الصور هنالك حركة لكن مع فارق أن الحركة غير محددة بأكثر من تصورات الإنسان ورغباته ومصالحه التي يدركها مباشرة بالنسبة للنظريات غير الإسلامية، وهي ليست كذلك في النظرية الإسلامية التي تتحدد بالشريعة الإسلامية، ولا تستطيع السير إلا في أطرها.

وهكذا فإن معنى التجديد هو عملية متصلة لا تعرف التوقف في النظرية الإسلامية، لتحتفظ بالمصالح وتتجنب المفاسد طبقاً لضرورات حركة الواقع ولوازمه، وهو أيضاً معنى التجديد الديني على الخصوص؛ فالدين عبارة عن النصوص الشرعية التي يفترض فيها الحضور الدائم خلال مساحة شاسعة من الزمان والمكان، ولا يعقل أن يكون حضورها فعالاً دون أن تواكب التطورات التي تحصل في الواقع الاجتماعي والسياسي. وبغير هذه الصورة فإن الانفصال والتقاطع بين الأحكام الشرعية والواقع سيؤدي إما إلى حبس الواقع في إطار الشريعة، إذا كانت غير قادرة على المواكبة لجمودها وعدم قابليتها لإفراز الجديد والإتيان به، أو إلى انفلات هذا الواقع عنها والسير بمفرده بعيداً عنها، وحيث إن الشريعة قادرة على تقديم الأحكام والقوانين والصيغ دون الإخلال بالثوابت، فهذا يفترض وجود أطر واسعة لا يمكن للواقع أن يعبرها، كما أن هذه الأطر لا تؤدي إلى حبس الواقع وتقييد حركته وإعاقته عن التقدم.

الضرورات والمبررات

قد تكون المبررات منحصرة - غالباً - في التقاطع بين الواقع السياسي والاجتماعي وبين النص الديني، وهذا التقاطع إن كان وجد كحالة حية، فإنه ليس بالضرورة نابعاً من نفس النص، بما هو نص، بل قد يكون ناشئاً عن بعض التفسيرات التي تدين بها بعض الفئات، وبغض النظر عن كون هذا التفسير صحيحاً أو غير صحيح، بل يكفي أنه متبنى من قبل هذه الفئة أو تلك. وإلى هذا الأمر يعود التعدد الذي نراه ماثلاً في الأديان والمذاهب؛ فكل رأي اعتقادي حي قادر على خلق قناعات لدى المؤمنين به خاصة، فيجعلهم يتبنونه باعتباره النموذج الأسمى والأكثر تمثيلاً للنصوص الدينية الأصلية. وهذه القضية تبدو واضحة بالنسبة لأكثر الديانات؛ وهذا معناه أن التجديد ليس قدراً حتمياً لكل دين، بل قد لا يكون ضرورياً في أحيان كثيرة، وإذا ضربنا مثالاً بالدين الإسلامي، فإنه قد لا يحتاج إلى استخدام لفظ التجديد إطلاقاً، لو أن الأمور سارت سيراً صحيحاً تبعاً لمعطيات النص الذي ينطوي بصورة تلقائية على قابلية لإطلاق حركة الواقع. فطالما بقي الترابط بين النص والمجتمع قائماً، فإن الحركة تتواصل في كليهما، ولا يحدث التعطيل إلا في حال الانفصال والتباعد، غير أن الذي حدث هو الانفصال، وهذا الأمر جر الكثير من السلبيات التي كانت إشكالية التجديد إحداها، والتي برزت كصورة ملحة في القرون المتأخرة، وكثر البحث حولها لدى المفكرين الذين كان الإمام الشيرازي (قدس سره) أحدهم.

الإمام الشيرازي والتجديد

لقد أدرك الإمام الشيرازي منذ فترة مبكرة من حياته إشكالية التجديد، وتجلت لديه على شكل شقين؛ الأول هو استعادة الأبعاد المهجورة للنص، والثاني هو ضرورة اكتساب الجواهر المتضمنة في متون الوحي لأشكال معاصرة في عين الحال التي تتم فيها المحافظة على جوهر الوحي. فالمطلع على حياة الإمام الشيرازي يرى استشعاره (قدس سره) ومنذ فترة مبكرة خطورة التحولات الاجتماعية والاقتصادية السياسية التي حدثت أثناء الحرب العالمية الثانية، ونظر إلى هذه الفترة على أنها كانت آخر محطات الانسلاخ عن ملامح الحياة الإسلامية الموروثة، إذ صار التغريب يزحف بسرعة لم يسبق لها مثيل في المجتمع العراقي الذي كان ينظر إليه الإمام الشيرازي كدالة تعكس مستوى التحولات الآخذة في التسارع في العالم الإسلامي باعتباره مركزاً دينياً عالمياً(1).

ولهذا فإن نزعة الإمام التجديدية تشكلت في هذه الفترة، وأمام مشهد التحولات المتسارعة التي كان العالم الإسلامي فيها هو الخاسر الأكبر؛ الأمر الذي دفع الكثير من المفكرين للخوض في هذا المضمار، وكان الإمام الشيرازي أحد أبرز أولئك الذين كانوا يتهيؤون لطرح أفكار تجديدية، نستطيع ونحن نقف على بعد مسافة أكثر من نصف قرن أن نلمح تراكمات الفكر الذي كونه الإمام منذ تلك اللحظات وحتى أوان رحيله في السنة الماضية، على شكل معالجات لكافة جوانب الواقع الاجتماعي، تاركاً لنا عشرات الكتب التي تتراوح بين المعالجات البسيطة والمعالجات الفقهية العلمية المعقدة التي يتم فيها استنباط الأحكام الخاصة بالقضايا المستجدة والمعاصرة، ففي ذلك كله يستند الإمام الشيرازي إلى المنهج المعروف في الحوزات العلمية أي منهج الاستنباط الفقهي المستخدم تاريخياً عند المجتهدين.

المنهج أولاً

الإمام في كل ما طرحه إنما توصل إليه بواسطة المنهج العلمي المتداول في الحوزات العلمية، فإذا علمنا (إن المشكلات التي تعترض عملية تحول الاجتهاد إلى واقع عملي تختص بالمنهج أولاً) (2) فهنا سيلوح لنا الفرق بين الإمام الشيرازي وبين سواه حينما اعتبر أن منهج الاستدلال الفقهي لا يضيق بأي موضوع مهما كان هذا الموضوع وبذلك قام بتوسيع دائرة البحث الفقهي حيث كان الفقه لدى أغلب الفقهاء مقتصراً على الموضوعات التقليدية التي ظلت الحوزة العلمية تتناولها خلال عصور متمادية ولا ترى في ما سواها من العلوم الأخرى علاقة بعلوم الحوزة. وهذا بحد ذاته يدل أولاً على أن الإمام نجح في الحفاظ على الأصالة لأنه أعاد كل شيء إلى منهج أصيل ومعترف به، وثانياً أنه نجح في عملية التجديد إذ جعلها شاملة للحياة بجميع أبعادها.

هذا المنهج في التجديد ليس حالة مظهرية بل ينطوي على عنصر في غاية الأهمية إذ لم يعد بالنسبة للإمام أي شيء خارج دائرة الدين بصورة عملية فكل مظهر من مظاهر الحياة يمكن تناوله بأساليب الدين ومناهجه البحثية وهذا البعد في منهج الإمام يأتي كرد على المنهج التجزيئي الذي حاولت الثقافات المتغربة أن تجعله سائداً لفرض الانفصال بين الدين والحياة. ويلاحظ أيضاً أن العلماء المسلمين السابقين كرّسوا نوعاً من الانفصال بصورة عملية وإن كانوا لا يعترفون بهذا الانفصال اعتقادياً لكن عندما تأتي الممارسة العملية فإنهم يضعون الكثير من العلوم خارج دائرة اهتمام الحوزة، من هنا فقد أقدم الإمام الراحل (قدس سره) على تحويل الإيمان بشمول الدين لكافة وقائع الحياة إلى ممارسة عملية وقام بإدخالها ضمن الأبحاث في الحوزة العلمية والأهم في هذا المضمار قيامه بممارسة البحث والتأليف في جميع هذه العلوم باستخدام أسلوب الاستنباط حتى بالنسبة لما يعرف في الأدبيات المعاصرة بالأفكار حيث يجد المفكر نفسه حراً أكثر من سواه في التحليق والطيران بأي اتجاه يريد.

هذا الأمر التفت إليه الإمام الشيرازي وكذلك سعى إلى وضعه في دائرة الاستنباط الفقهي وصار يتناوله بنفس المنهج دون أن يخل بحرية الفكر المطلوبة؛ إذن بإمكان العالم والمفكر أن يطرح ما يشاء ولكن عليه في النهاية أن يبرهن على أطروحاته بالصورة العلمية المعترف بها؛ فسوف لا يكون كافياً الاقتصار على القناعات الخاصة المبرهنة بحسب المناهج الأخرى. وعلى هذا الأساس فإن الإمام أخرج الفكر الإسلامي بمجموعه من أسر المناهج غير الإسلامية وأعاده إلى أصالته المفقودة؛ لهذا وحسب معرفتي الشخصية أن الإمام كان يطلب من أنصاره ومريديه أن يستندوا في آرائهم إلى المنهج العلمي المعروف في أوساط الحوزة العلمية.

إذن فالإمام استطاع أن يحافظ على أصالة المنهج دون أن يضحي بحرية الفكر؛ فكل إنسان له القدرة والأهلية سيكون قادراً على طرح الفكر الجديد إذا استطاع أن يقطع الأشواط التأهيلية ثم بعد ذلك استطاع أن يبرهن على قوة وصحة أفكاره وفق المنهج المعترف به فلا يوجد حجر على الأفكار ولا تقليد ولا جمود بل توجد ساحة رحبة فيها فضاء واسع قادر على استيعاب التنوعات والاجتهادات.

وعلى هذا فإننا وضعنا أيدينا على الأرضية التي أقام عليها الإمام الشيرازي منهجه التأصيلي التجديدي، والتي انطلق منها ليواجه كافه أبعاد الحياة سواء الدينية منها أو الدنيوية مع أن التحليل الدقيق لما ذهب إليه الإمام يدل على أنه عملية تجديد دينية لأن الدين بالأصل شامل كامل، وأن خروج جوانب كبيرة من الحياة عن دائرة الدين بصورة تدريجية وغير محسوسة إنما جاء نتيجة لممارسة بعض السلطات لعملية فصل غير معلنة وتحت تهديد السلاح مقروناً بتقديم ذرائع تتلبس بلباس الشرع والدين؛ لذا فإن منهج التجديد الديني سوف لا يعني أكثر من استعادة الأصالة وإن هذه الاستعادة للأصالة ذات جوانب نظرية وأخرى عملية كما أنها ليست استعادة للماضي أو عودة له بل الاحتفاظ بجوهر الإسلام، ولا مانع من أن تتخذ هذه الاستعادة أشكالاً معاصرة، إذ هي ليست عبادة الأشكال القديمة أو إيقاف لعجله الحياة عند نقطه زمنية معينة، بل هي النفوذ إلى جوهر الدين ومواقفه من الحياة وإعادة إنتاج كل ذلك بقوالب معاصرة ومقبولة.

أهمية المنهج الشيرازي

إذا عدنا قليلاً إلى الوراء فسنرى أن لافتات التجديد تضم بين طياتها عدداً كبيراً من الاتجاهات لا من حيث المنطلقات فحسب بل من حيث النتائج التي كانت ستؤدي إليها فيما لو تم تطبيقها؛ فالمعروف أن أولى الاتجاهات التجديدية التي انطلقت كانت محفزة بدوافع الهزيمة وتبناها عدد من الباحثين (فجاءت دعوة هؤلاء الباحثين صريحة تارة ومستترة تارة أخرى تطالب بتجاوز الموروث العقائدي للأمة وإقصاء الشريعة واستبدالها بالقوانين الأوروبية الحديثة وشدد هؤلاء على التبشير بنموذج لفهم جديد للدين يفضي في خاتمة المطاف إلى نفي الدين واستبعاده من حياة المسلمين وصياغة بديل فكري مشوّه ربما يشبه في شيء من ملامحه صورة الدين غير أنه لا يجسد محتواه وأهدافه الكبرى في تحرير الإنسان وهدايته) (3).

غير أن هذه الدعوة صارت تتعدل بمرور الوقت ويضاف إليها بعض ملامح الأصالة لكي لا تؤدي إلى النتيجة المعروفة وهي تحويل الدين إلى هيكل فارغ من المضمون، ليصبح مجرد طقوس لا أهمية لها؛ ولهذا انفرز تيار آخر يؤمن برفض كل أشكال التجديد، وتيار يؤمن به بدرجات متفاوتة قد يصل في حالاته القصوى إلى طمس روح الشريعة ومسخ العقيدة) (4).

ومن هنا تبرز أهمية المنهج إذ لا يكفي للإنسان أن يدعي أنه أصيل وأنه يحاول التجديد دون أن يضر بالأساسيات، فهذا قد يكون فاقداً للمصداقية خصوصاً أننا نرى دعاة التجديد يضعون أيديهم على بعض الملامح في الدين ويقولون إن هذا الملمح يدخل في ضرورات التجديد، ويأتي آخرون ويشيرون إلى ملمح آخر ويقولون مثل ذلك؛ وبالتالي فإننا نحتاج إلى معيار للفرز بين التجديد الهدّام وبين الأصالة السكونية التي تكرّس التخلّف وتتعبد بالبقاء في حياض القديم، ثم للفرز بينهما وبين التجديد البناء. وهذا لا يتحقق إلا بوجود منهج، وبمقدار ما يكون هذا المنهج معبراً، عن الأصالة فهو أصيل، وبمقدار ما هو معبر عن ضرورات الحراك الاجتماعي، وقادر على تحقيق النهوض فهو مجدد إذ لا يمكن لنا أن نغير بعض الملامح أو بعض الأحكام مستخرجين إياها من خاصرة العصر لنكون مجددين، أو نحتفظ ببعض الملامح القديمة لنكون أصلاء، فكثير من الموروث لا يمتّ إلى أصل الدين بصلة بل هو من الزوائد التي ألحقت به في عصور التخلف والانحراف، بينما تتنافى حقيقتها مع روحه وجوهره؛ وبالتالي فإن التعصب لهذه المظاهر سيكون تعصباً للموروث وليس للدين؛ إذاً فالأصالة لا تعني سوى استعادة الأبعاد الغيبية بغض النظر عن كونها موجودة في حضارتنا المعاصرة أو غير موجودة، وربما وجدت عند حضارات أخرى من قبيل قيمة العدالة أو الحرية وهكذا يتقلص مفهوم الدين المجدد والأصيل إلى حدود ضيقة جداً لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال فحص المدعيات فحصاً موضوعياً عبر فحص المنهج؛ فبمقدار ما يكون المنهج صائباً تكون النتائج المستخلصة بواسطته صائبة أيضاً، ونحن حين نصل إلى أحكام الشريعة التي هي أهم ما يمكن للمسلم الاهتمام به بواسطة المنهج الحوزوي، فبطريق أولى أن نطمئن إلى ما نستخلصه بواسطة هذا المنهج من المسائل الأخرى.

الإمام الشيرازي، ودون أن يطيل البحث في التنظيرات المتعلقة بهذه القضية، شرع بتطبيق المنهج وعلى ضوئه نراه يتمسك أحياناً بشكل كامل ببعض المراسم التي يرى سواه أنها لم تعد ملائمة للعصر الحاضر، بينما يذهب إلى تبني الديمقراطية وهو أمر يضع الداعين إليها عند البعض موضع النقد؛ لأنها من مظاهر الحياة الغربية لكن الباحث المنصف حين ينظر إلى فرادة المنهج فإنه لا يماري في النتائج، كما أن سوء الفهم الحاصل لدى البعض ناشئ عن القراءة السطحية لمؤلفات السيد الشيرازي؛ ولذلك زعم البعض منهم أن السيد يجمع بين المتناقضات، وهؤلاء طبعاً يفوتهم اكتشاف السبب، ألا وهو المنهج؛ فالمنهج هو الذي يفرز النتائج، ولو فرضنا جدلاً أن المنهج تغير، فإن النتائج ستتغير حتماً، وهذا من الأمور المعروفة، وهو يفرض على الجميع محاكمة المناهج قبل محاكمة النتائج.

النتائج والتفاصيل

يترتب على ما ذكرنا أن تكون لعملية التجديد الديني لدى الإمام الشيرازي ملامح خاصة تختلف عنها عند الآخرين، ويمكننا الإشارة إلى عدد من هذه الملامح كما يلي:

1- العقيدة.

2- العلاقة مع بقية المسلمين.

3- العلاقة مع غير المسلمين.

4- النظام السياسي.

5- النظام الداخلي للمؤسسة الدينية.

6- طبيعة الأحكام الفقهية.

هذه العناصر ليست هي كل ما يميز منهج الإمام الشيرازي (قدس سره) بل إنها الملامح الأبرز لمنهجه، ففي كل مفردة من هذه المفردات تكمن أهمية التغييرات غير المحسوبة من خلال منهج ديني معترف به ورصين ومجدد.

العقيدة

يعتبر البحث في العقيدة الدينية من أهم المباحث وأقدمها، وهو من العناصر التي فرضت نفسها منذ مطلع تاريخ الإسلام؛ فكان من الضروري البحث في هذه المادة لإثبات العقيدة في مقابل العقائد الأخرى، كما أنه من الضروري مواصلة البحث لإثبات عقائد كل مذهب في مقابل المذاهب الإسلامية الأخرى. وقد تطورت هذه المباحث؛ إذ كلما زاد الاحتكاك نشأت إشكالات جديدة، لكن الملفت أن الدعوة إلى مراجعة العقيدة جاءت في فترة متأخرة وتحت ذريعة (الدفاع عنها وتنقيتها من المفاهيم والسلوكيات التي تناقض مبدأ التوحيد).

ثم تطورت الدعوات وانتشرت واتسع العمل على مراجعة هذا الجانب من العقيدة أو ذاك، وهو ما يمكن النظر إليه كحركة داخل المذاهب الإسلامية؛ الأمر الذي خلق بدوره تعدداً إضافياً كثّف من التمزقات الموروثة.. كل ذلك جاء تعبيراً عن شعار فضفاض اسمه التجديد.

أما بالنسبة للإمام فإنه تبعاً لمنهجه الذي يؤكد على تكامل العقيدة الإسلامية ونضجها مما يجعلها في غنى عن أي تجديد يتجاوز المظاهر والشكليات وأدوات التوصيل؛ ولهذا فإنه مقتنع قناعة تامة بأن مشكلة العقيدة - إن كانت هنالك مشكلة - فإنها تكمن في أراجيف المرجفين وقصور أدوات التوصيل والتبليغ. ولعلاج هذه القضية فإنه دعا أنصاره إلى عرض الإسلام عرضاً جيداً والأخذ بكافة السبل المتاحة والممكنة وأكد على المعاصرة منها كالتلفزيون والإذاعة والإنترنت والصحيفة والمجلة، فضلاً عن الأساليب المألوفة أي المنبر والشعائر والمناسبات، فإذا ما تمت الاستفادة من هذه الوسائل جميعاً في عرض العقيدة الدينية، فإن ذلك كاف لإحداث تغييرات على صعيد عالمي واسع النطاق؛ لأن كمال الدين وعظمته سيؤدي إلى انتماء الآخرين إليه بمجرد اطلاعهم على تعاليمه الراقية وعقائده المتينة المنسجمة مع الفطرة والعقل. وهذا سيؤدي بطريق أولى إلى التصاق أتباعه به والاستماتة في الدفاع عنه.

وهذا ما أشار إليه الإمام في كتابه (الغرب يتغير) مبيناً كل هذه الحقائق، كما أنه أثبت ذلك بصورة عملية عندما دخل في حوارات مع بعض غير الملتزمين دينياً ونجح في إقناعهم بالعودة إلى الدين، وكذلك بعض العلمانيين الذين اقتنعوا بتبني الإسلام، وبعض أصحاب الديانات الأخرى. وتفاصيل ذلك موجودة في كتاب (حوار مع الشيوعيين) وكتاب (هكذا أسلموا).. وذلك ما يعطي لإيمان الإمام بقوة العقيدة وتكاملها مصداقية قاطعة؛ فنلاحظ تمسكه الشديد بالمذهب بجميع أبعاده، ورفضه لأي تنازل لما رأى فيه من قدرة على مواكبة التطورات والسير مع كافة المستجدات بلا أي تعثر أو تلكؤات.

والنتيجة أن السيد يرى كمال العقيدة الإسلامية في إطارها العام، وكمالها أيضاً في إطارها المذهبي الخاص. وهذا يقودنا تلقائياً إلى البحث في العلاقات؛ إذ إن هذا الإقرار بكمال العقيدة قد يعني التقاطع مع الآخرين، لكن ذلك ليس صحيحاً، كما سيأتي.

العلاقات

تنقسم العلاقات إلى نوعين: الأول هو العلاقة مع بقية المسلمين، والثاني هو العلاقة مع بقية الديانات أو غير الملتزمين. وهنا يؤمن السيد بأن التطبيق الأمين والالتزام الصارم بالعقيدة سيؤدي إلى علاقات سليمة؛ إذ إن جوهر العقيدة الإسلامية هو الإيمان بحرية الإنسان ومسؤوليته. وهذا هو عين الشكل المعاصر الذي نشاهده في الأنظمة المتقدمة، من حرية الاعتقاد والتدين وحرية الإيمان وممارسة الشعائر، وما سوى ذلك من لوازم. وقد أشار الإمام الشيرازي بصورة واضحة في كتابه (إذا قام الإسلام في العراق) إلى هذه القضية مؤكداً على أن القانون الإسلامي يحاسب كل إنسان حسب عقيدته وما يرد فيها من قانون وليس تبعاً للقوانين التي ترد في العقائد الأخرى. وهذا أحد أهم ما ترمي إليه الدعوات التجديدية ويكون الفرق بين هذه الدعوات وبين ما يذهب إليه الإمام هو أن الإمام يصل إلى هذه الحرية من طريقها الشرعي الذي استنبطه حسب قواعد الاستنباط المعروفة، وعليه فإن العلاقة ستكون علاقة تعايش، وليست علاقة صراع؛ فكل مسلم يمارس عقيدته دون أن يعني ذلك تقاطعاً مع بقية المسلمين، ونفس الشيء بالنسبة لبقية الديانات غير الإسلامية؛ إذ إن الإمام أكد على أن العلاقة الشرعية مع بقية الديانات هي أيضاً علاقة تعايش وليست علاقة صراع.

النظام السياسي

وما ذكرناه كله يتوقف تحقيقه طبعاً على تنظيمه بواسطة نظام سياسي يؤمن بالتعايش ويطبق العقيدة الإسلامية تطبيقاً أميناً. وهنا ينحصر التطبيق العملي في إنتاج نظام قادر على استيعاب التنوعات، ويرفض بتركيبته الأساسية أي شكل من أشكال التمييز. ولحل هذه المشكلة دعا السيد الإمام إلى تطبيق النظام الإسلامي الذي يستطيع وحده أداء هذا النمط من الحفاظ على الحريات؛ فالنظام الإسلامي السياسي عند الإمام ليس مجرد شكل من أشكال الإدارة الاجتماعية بل هو أيضاً ضمانة من ضمانات التطبيق الصحيح، وهو بالتالي سيشكل عنصر التجديد الهام؛ لأنه هو الذي سيحقق روح الدين الإسلامي وفي نفس الوقت يمكن له أن يأخذ بالأشكال المعاصرة من قبيل فصل السلطات، وبناء الدولة الدستورية وما سوى ذلك من المعالم الأخرى للديمقراطيات المعاصرة.

ولكي لا يقع الإمام في مطب التغريب فإنه جعل النظام مؤسساً على شكل أصيل من أشكال الإدارة متمثلاً بأطروحته المعروفة وهي أطروحة شورى الفقهاء.

شورى الفقهاء

آمن الإمام الشيرازي بأن صياغة الحوزة العلمية في قالب تنظيمي معاصر ضرورة تمليها الوقائع المعاصرة، ولهذا اختار الصيغة التي تجمع بين الأصالة والجوانب الإيجابية الموروثة في النظام التقليدي والتي تتمثل بأجواء البحث الحر التي يتمكن العلم فيها من ممارسة دوره بحرية مطلقة ثم يقدم آراءه إلى الناس الذين هم بدورهم أحرار في القبول بتقليده أو تقليد سواه، لكن المشكلة التي كانت تواجه هذا النظام هي عدم وجود مؤسسة تقدم للمجتمع الشكل القيادي الموحد الذي يمنع التمزق؛ ولهذا فإن الإمام الشيرازي قدم هذا الشكل بحيث تتحول الحوزة إلى مؤسسة قيادية تحافظ على الحرية، في الوقت الذي تساهم بشكل موحد ومنظم في قيادة المجتمع وهذا هو التجديد الذي يصح أن يوصف بهذا الوصف لأنه لا يأتي من خارج السياقات المعروفة والمفروغ من صحتها ولا يأتي للتضاد معها أو إلغائها والقفز عليها كما أن التجديد الآخر الذي يجعل من هذه المؤسسة ذات طابع تجديدي يأتي عبر تنوع الموضوعات التي تعالجها وطبيعة الأحكام التي تنتهي إليها الحوزة بشأن هذه الموضوعات.

طبيعة الأحكام:

إن أهم تجديد نادى به الإمام الشيرازي ونفذه بنفسه هو في هذه الناحية حيث قام (قدس سره) بمعالجة كافة جوانب الحياة من خلال المنهج العلمي الحوزوي، وهو غاية في التجديد بالنسبة للعصر السابق حيث غلب على الحوزة الانغلاق على الفقه والأصول، وعدم الاعتناء ببقية العلوم، فيما عدا ما يرتبط بهذه العلوم، من قبيل علم الكلام أو علوم اللغة؛ ولذلك فإن هذا التوسع وإن كان يأتي كعملية تطبيق للدين في صوره الأصلية إلا أنه بالنسبة للعصر الحاضر يعد نقلة هامة خصوصاً إذا نظرنا إليها كخطوة رائدة يمكن أن تتكامل، فإنه بلا شك ستؤدي إلى تغيير هائل في المجتمع، مثلما أدى انسحاب هذه العلوم من الحوزة إلى خسارة هائلة وتراجع.

الخاتمة

في النهاية فإن التجديد الديني بالصورة التي عرضناها لدى الإمام الشيرازي (طاب ثراه) يعد عملية متكاملة تبدأ من المنهج ثم تتسع لتضع تصوراً نهضوياً لكافة أبعاد الحياة يحتفظ بالأصالة ولا يضحي بالتجديد. وبالطبع فإن كل شيء متوقف على منح هذه الأطروحة فرصة التطبيق الذي هو المحك النهائي لإثبات أي مدعى ونظرية.

* مقال نشر في مجلة النبأ، العدد 69-ذي القعدة 1423/كانون الثاني 2003

...................................
الهوامش:
(1) الاجتهاد والتجديد: إبراهيم العبادي، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت ط1 ص23.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) الفكر الإسلامي الجديد.. ملامح وقضايا: زكي الميلاد، مجلة الكلمة، العدد 23، ص18.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14