لا تزال نوستالجا ماضٍ جميل تدفع الإنسان المغربي الأصيل للدفاع عن اصالته وموروثه الحضاري. تعبر به نوستالجا بهاء الإبداع وجمال التحدي بين ضفاف الفايسبوك والتويتر وما شابههما دون أن يجرفه نهر الرقابة على الأنفاس. إنه زمن التواصل الإجتماعي الذي دخلت فيه دولنة المعلومة إلى غرفة الإنعاش حيث الروح ستعود إلى اصحابها صناع الحدث على أرض الواقع.

من بين القضايا التي أبدع في ترويجها الإنسان المغربي الأصيل هذه الأيام قضية التشابيه العلوية التي كانت لا تخلو منها بيوت المغاربة إلى سبعينيات القرن الماضي. بدأت تندثر شيئا فشيئاً بعد منع طال ترويجها، ومد وهابي ترعاه الدولة السعودية وتساعدها عليه الدولة المغربية يرى فيما يرى أن تشابيه الأنبياء وأهل البيت بدعة وكفر وضلال.

تشابيه كتب لها في مرحة ما قبل الإنقراض أن تعود بقوة إلى البيوت وشاشات الحواسيب بفضل ثورة التواصل الإجتماعي التي إستقل بفضلها الإنسان المغربي عن الإستعمار الإعلامي الخاضع لما يمليه ثمن البترول ومزاج اوباما وهوايات ساركوزي. التشابيه العلوية عبارة عن رسوم أبدعها المغربي المولع بالعشق جسدت الإمام علي والحسن والحسين وأحياناً جسدت بعض الأنبياء. وعدم وجود تشبيه مغربي يجسد فاطمة الزهراء في اعتقادي يرجع إلى التقديس الخاص الذي تحظى به السيدة الزهراء والذي يوجد تفصيله في بحث "الخصائص الزهرائية في الثقافة المغربية". في هذا المقال نبين نسبة التشابيه العلوية وعلاقتها بدين الدولة المغربية من جهة وبالشعب المغربي وذاكرته من جهة ثانية.

مالكية الدولة والتشابيه

من المشهور في مذهب المالكية وهو الأكثر تساهلاً -بين المذاهب السنية- في قضية التصوير تحريم تصوير الإنسان. ويشتهر في ذلك قول ابن العربي بأن الإجماع قائم على أن تصوير ما له ظل حرام. ورد في موطأ مالك تأييده للحديث الذي يقول بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، وورد فيه أيضاً قوله بأن تصوير ذي الروح حرام مطلق وأن تصوير الحيوان (ما بالك بتصوير الإنسان) حرام من الكبائر سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، سواء كان ببساط أو درهم أو ثوب وأما تصوير صورة الشجر ونحوها فليس بحرام. (1)

وهذا من جملة التناقضات التي تحاصر صناع القرار الفعلي في المغرب. فمن جهة يدعون الشعب عن طريق الخطب والشعارات إلى الحفاظ على مذهب مالك، ومن جهة أخرى تجدهم لا علاقة لهم بما يميز مالكاً من آراء فقهية. ويخالف دين الدولة المغربية مالكاً في هذه النقطة بدءًا من صور بطاقات التعريف والجوازات ووصولاً إلى السينما والتلفاز. ولا يعارض دين الدولة المغربية من الصور والتشابيه سوى ما يشمون فيه رائحة مولاي إدريس والتي هي نفس رائحة التشيع. وقضية التشابيه العلوية تعد من أبرز مصاديق نجاة التراث الإدريسي من إعصار محمد بن عبد الوهاب القادم من مملكة الرمال والحامل لرياح الخشونة والتطرف.

التشابيه كتعبير عن إسلام متنور وثقافة التسامح

يرى الباحث والأكاديميُّ الإسباني إفيسْ كونزالِيسْ كويجانُو، عن مجموعة البحث والدراسات حول المتوسط والشرق الأوسط، المعروفة اختصارًا بـ"جريمُو" أن المغاربة لمْ يعودُوا يفهمُون الدين على نحو متنور كما دأبُوا على أنْ يفعلُوا في سبعينات القرن الماضِي وثمانينياته وأن التسامحُ الذِي كانَ يرفلُ فيه المغرب نقصَ منسوبه. الباحث الإسباني حذر من مغبة تراجع الإسلام المتنور الذِي عرف عند المغاربة ليحلَّ مكانه فهمٌ آخر متطرف للدِّين وتعاليمه، قائلًا إنَّ الصور التي كانت تجسدُ أنبياء ورسلا بيعت بالأمس في شوارع المغرب دون أدنى مشكل، وعلى مقربة من المساجد، فيما لمْ يعد من الممكن اليوم تخيل مكان لها في مدينة مغربية بسبب "سريان ثقافة تحرمُ التجسيد".(2) الباحث يعد من جملة المنبهرين بإنبعاث ثقافة التشيع التي أكد عدد من المستشرقين الذين درسوها (من خلال النموذجين الفاطمي والإدريسي المؤثرين في الثقافة المغربية) بأنها ثقافة تسمح بالتعدد على عكس ثقافات موازية قامت على أساس قمع وإستئصال المخالف.

ثقافة التشابيه والرسوم إرث إنساني

أثبت عدد من الباحثين من خلال علم الآثار أن الرسوم والتشابيه سبقت الكتابة والقراءة. (3) ويرى عدد آخر أنه الرسوم والتشابيه شكلت الحجر الأساس للممارسة الفنية. (4) وإزدهار الرسوم والتشابيه عند عموم الشيعة دليل على وجود قدر مهم من العقلانية في دروبهم الفقهية، بالإضافة إلى وجود فهم كبير لديها للإنسان وللحضارة. وتقتضي المسؤولية تجاه هذا الإرث الإنساني المغربي أن يتم الحفاظ عليه والبحث في الإبداعات المتعلقة به وما تحكيه من ظروف دينية وسياسية نفهم من خلالها التاريخ المغربي فهما صحيحاً.

هذا عوض إصدار مذكرة متخلفة كتلك التي اصدرها وزير الأوقاف السابق العلوي المدغري، جرى تعميمها على الناشرين من أجل وقف تداول تلك الرسوم في نهاية الثمانينيات بعد أن وصفها بأنها من خصوصيات الثقافة الشيعية.(5) جناية المدغري هذه منعت فناً من الفنون المغربية الأصيلة من الإنتعاش، لكن النتيجة العكسية التي لم تكن في حسبانه هي أن منع الدولة للرسوم والتشابيه بحجة شيعيتها يعد التصرف الوحيد من طرف الدولة المغربية الحديثة الذي اقرت من خلاله أن الثقافة الشيعية موجودة لدى الشعب المغربي وأنها عازمة على محاربة ثقافة المغاربة استجابة لأهواء أغنياء الخليج.

يعتبر الإرهاب الديني الذي ظهر في المغرب من بين نتائج محاربة هذا المظهر من مظاهر الحضارة المغربية وإقتباس أنماط متطرفة من الخليج خاصة من السعودية، أكان ذلك عن طريق كتيبات تباع وتفرق بطريقة منهجية منذ بداية الثمانيات أم عن طريق الفضائيات المتطرفة وخطب وزارة الأوقاف في العقد الأخير.

لا سبيل لمغرب متطور ينعم بالسلم والأمان والرفاهية والمكانة المحترمة بين الدول إلا عن طريق إحترام المغاربة بمختلف خصوصياتهم العقائدية والثقافية تحت راية المواطنة الجامعة التي تحميها دولة الإنسان. ذلك لأن طريق فرض المذهب المالكي أو الدين بالقوة سوف يؤدي حتماً إلى إنهيار الدولة بذرائع دينية. ولا بد للدولة أن تستغل الغنى الثقافي المتنوع في المغرب واستثماره كنموذج للتعايش السلمي والحوار والتسامح بدلاً من السعي لفرض هيمنة فكر واحد ضيق كضيق مصالح أصحابه.

.............................
1- موطأ الإمام مالك، دار القلم - دمشق، الطبعة: الأولى 1413 هـ - 1991 م، تحقيق: د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة , ج 3 ص 379.
2- جريدة هسبريس, 01 غشت 2015.
3- Tversky, B (2011). "Visualizing thought". Topics in Cognitive Science 499–535.
4- Walker, J. F; Duff, L; Davies, J (2005). "Old Manuals and New Pencils". Drawing- The Process. Bristol: Intellect Books.
5- الحرة، 26 نومبر 2010.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0