غزوة مؤتة في 6 جمادى الأولى سنة 8 ه على الروم في الشام

مقدمة

المعروف عن بني هاشم الأكارم أنهم كانوا في قمَّة الكرم والبطولة والشجاعة، ولذا كان رسول الله (ص) إذا أرسل أحدهم في سرية أو بعث كان هو القائد والأمير، فلا يؤمِّر عليهم أحداً من الصحابة حباً وتقديراً واحتراماً لهم، ولكن أتباع السلطة القرشية كانوا يُقدِّمون رجال قريش حتى على رسول الله (ص)، وآراءهم على رأيه المسدد من السماء، فكل عيونهم حولاء أو عوراء باتجاه سادتهم من قريش، دون النظر إلى الله وكتابه ورسوله (ص).

وهذا الداء الوبيل الذي أُصيب به الآخرون من هذه الأمة، إذ" لا بدَّ لمَنْ يُريد الإفادة من كتب التاريخ الإسلامي من أن يفتح عينه ووعيه لكل كلمة منه، فيُطالعها بوعي ويقظة وحذر، يسعى لاستخلاص ما ينسجم منه مع الواقع ويرد ما عداه، مما مال به القائل أو لعبت به الأهواء، ولا سيما ما يتعلق منه بصدر الإسلام، مما يتحكم فيه الهوى المذهبي والتزلف إلى الخلفاء والأمراء والحكام فيذكر الأمر منقطعاً عن علله وعوامله، ومنفصلاً عن أسبابه وجذوره، وذلك بفعل التعصب البغيض، والظلم الكثير فالمؤرخ كان لا يكتب ولا يثبت إلا ما ينسجم مع نفسية الحاكم، ويتفق وقوله، مهما كان مخالفاً للواقع والحقيقة.

بينما مهمة المؤرخ أن يعكس حياة الأمة وما عرض لها من أزمات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وبصورة عامة كل ما مرت به من أوضاع وأحوال، وذلك بدقة وأمانة وليس بخاف ما في ذلك من الأثر الكثير في حياة الأمة ووضعها في الحال الحاضر؛ عقائدياً وعلمياً وأدبياً واجتماعياً، حسب اختلاف الأحداث عمقاً وشمولاً ولا ينفي ترتب هذا الأثر البارز أن يكون الحدث التاريخي قد مرَّ على تاريخه أكثر من ألف عام". (موسوعة التاريخ الإسلام، الشيخ الغروي: ج1 ص4)

ولكنَّهم منعوا الكتابة، بل حرقوا ما كُتب في عهد رسول الله (ص)، كالروايات التي كانت في بيوته وعند أزواجه، ثم مُنعَ الصحابة من الحديث والرواية عن رسول الله (ص) وجاؤوا بكعب الأحبار وعبد الوهاب بن منبِّه، وأبو هريرة الدوسي، وأمروهم أن يجلسوا في المسجد ويُحدِّثوا الناس عن الإسرائيليات، والخرافات، والأساطير التي ما أنزل الله بها من سلطان، واستمرَّ ذلك لقرن ونصف، إلى أن جاء وقت كانت الكتابة ضرورية، فأمر حكام وسلاطين بني أمية بالكتابة ولكن بشرط ألا يُكتب إلا ما يوافق رأيهم، قال المدائني في خبره: وأخبرني ابن شهاب بن عبد اللّه (الزهري)، قال: قال لي خالد بن عبد اللّه القسري (والي العراق): أكتب لي النسب فبدأتُ بنسب مضر فمكثت فيه أياماً، ثم أتيته، فقال: ما صنعتَ؟ فقلتُ: بدأتُ بنسب مضر (نسب الرسول الأكرم)، وما أتممته، فقال: اقطعه - قطعه اللّه مع أصولهم- وأكتب لي السيرة، فقلتُ له: فإنه يمرّ بي الشيء من سير علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأذكره؟، فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم". (الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني: ج 22 ص281)

هؤلاء الذين كتبوا التاريخ، ورووا السيرة الشريفة، فلم يكونوا أُمناء في شيء، فخانوا التاريخ، والسيرة، والدِّين لصالح السلطة، والحكام، وطغاة قريش، ولذا تجد أن أقل ما يمكن أن نعرفه عن أعاظم الصحابة الحقيقيين، وعشيرة النبي المقربين، لا سيما آل أبي طالب (ع)، الذين هم ألصق الناس بالدِّين وبرسول رب العالمين (ص) فحاولوا جهدهم أن يُغيِّبوا أدوارهم من التاريخ لأن السلطة الأموية لا ترغب بالحديث عن آل أبي طالب بغضاً وحسداً وحقداً على علي (ع).

غزوة (سريّة) مؤتة

هذه السرية الهامة جداً والاستراتيجية في السيرة النبوية لأنها أول احتكاك مباشر مع الإمبراطورية الأقوى في ذلك الزمان الرومانية وقيادتها الهرقلية، وكانت خارجة حديثاً من معركة مصيرية مع منافستها الفارسية الكسروية ومنتصرة عليها، واتبع فيها رسول الله (ص) عدة إجراءات لأول مرة يقوم فيها وكان أهمها أن عيَّن القائد للجيش ونائبان له، وهنا جاءت الروايات الرسمية الأموية لتضع (زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة)، إلا أن المنطق الطبيعي أن يكون القائد جعفر لأنه الأشجع والألمع، والأقرب للرسول (ص)، والذي عاد من مهمته إلى الحبشة التي أبدع فيها وكان خير قائد ورائد ولسان عن الإسلام والمسلمين في الحبشة.

وكان من أسبابها؛ أن رسول الله (ص) أرسل الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى ملك بصرى الشام، عرض له عامل الملك شرحبيل بن عمرو الغساني فقبض عليه، وقتله، ولم يُقتَل لرسول الله (ص) رسول غيره، وكان ذلك مخالفاً لكل الأعراف السائدة في ذلك الزمان وحتى يومنا هذا؛ الرسول لا يُقتل، إلا أن شُرحبيل الطاغية أخذته العزة بالإثم فقتله بعد أن علم أنه رسول النبي.

وتزامن ذلك بقتل جماعة المبلّغين الذين أرسلهم رسول الله (ص) إلى أطراف الشام للتبليغ فقبضوا عليهم وقتلوهم وما نجى منهم إلا شخص وبشقِّ النفس وصل إلى النبي (ص) وأخبره القصة فغضب رسول الله (ص) فجمع الناس وأخبرهم، وندبهم لهذه الغزوة، فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجُّرف، فصلّى بهم رسول الله (ص) الظهر، ثم خطبهم وأوصاهم، فقال: (أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة، ولا شيخاً فانياً، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجراً، ولا تهدموا بناءاً).

القيادة هنا كانت لمَنْ، هل كان سيدنا جعفر هو الأول أو زيد بن حارثة؟ وبعدهما ابن رواحة.

سيدنا جعفر هو القائد الأعلى

وهنا نأخذها من سماحة الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "عقد رسول الله (ص) لهم لواءً أبيض ودفعه إلى جعفر، وقال: (إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيّتهنّ أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن فعلوا فاقبل واكفف.. فإن أبوا فادعهم إلى الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم.. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..). (لأول مرة في تاريخ العالم؛ السيد محمد الشيرازي: ج2 ص33 بتصرف)

فالأمر واضح منذ البداية ولكن رواة السلطة جعلوها معقدة ومحورها رجل يهودي فإليك هذه الرواية العجيبة من تاريخ دمشق: " ولم يبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمراء، فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض (فنحص) اليهودي فوقف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قُتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أُصيب عبد الله بن رواحة فليرتضِ المسلمون بينهم رجلاً فليجعلوه عليهم)، فقال النعمان بن مهض: أبا القاسم، إن كنتَ نبياً فسميتَ مَنْ سميتَ قليلاً أو كثيراً أُصيبوا جميعاً، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أُصيب فلان، فلو سمى مئة أُصيبوا جميعاً، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة: إعهد (أوصِ)، فلا ترجع إلى محمد أبداً إن كان نبياً، فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار". (مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: ج1 ص42)

حقيقة عجيبة وغريبة تلك الروايات التي يتناقلها القوم، ليُظهروا رسول الله (ص) بهذه البساطة وقد تصل إلى حدِّ السذاجة، بحيث يُريد أن يُرسل جيشاً لقتال الروم ينتظر اليهودي المجهول الحال ليُعيِّنهم، ثم يصمت رسول الله (ص) وكأنه يُقرر ما يقوله اليهودي، حتى يُملي عليه وعلى أصحابه سُنن اليهود في أنبيائهم، وبعد ذلك يُحرِّض زيد على الرَّفض ويُخبره بمقتله، ولا أحد يردُّ عليه بكلمة، كل ذلك ليُظهروا اليهود في السيرة والتاريخ وأكثر ما حذَّرهم الله في كتابه، والرسول في سنته من اليهود وكذبهم ودجلهم، فتركوا كل شيء وجاؤوا بهم ليُحدِّثوا ما شاؤوا، ومنعوا المسلمين والصحابة من الحديث عن رسول الله (ص).

في أرض المعركة (مؤتة)

ثم يروي سماحة السيد الإمام الراحل عن المؤرخين قولهم: "فلما نزل المسلمون معان من أرض الشام بلغهم أنّ هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من لخم وجذام وبلى وقضاعة مائة ألف أيضاً"، عجيب وغريب من أين لهرقل كل هذا العدد والجيش الذي انتصر به على إمبراطورية فارس العتيدة تعداده سبعين ألف فقط، فلماذا يُحضِّر مئتي ألف لمواجهة ثلاثة آلاف فقط؟

فخافوا وجبنوا وأرادوا أن يرجعوا إلى المدينة لما سمعوا بأن أعداد جيش الروم يفوق عددهم بكثير، إلا أن القادة الأبطال رفضوا وقام عبد الله بن رواحة، وقال: "والله يا قوم إن الذي تكرهونه للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة، وإنما نقاتلهم بهذا الدِّين الّذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنّما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر، وإما شهادة"، هذا هو منطق المؤمن حقاً.

فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيهم الجموع بقرية يقال لها (مشارف)، فدنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس، فتعبّأ المسلمون بعد أن دعوهم إلى الإسلام فأبوا ثم اقتتلوا، فقاتل جعفر والراية بيده قتالاً شديداً، حتى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرس له شقراء فعرقبها ثم قاتل، وكان أول مَنْ عرقب فرسه في الإسلام عند القتال، فقُطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقُطعت يساره، فاحتضن الراية حتى قُتل".

ثم أخذ الراية زيد، ثم عبد الله بن رواحة، فتقدّما بها حتى قُتلا.

ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، الذي كان جديد عهد بالإسلام.

فلما أخذ الراية ناوش القوم وراوغهم حتى انحاز بالمسلمين، وفرّ بهم من الروم، وأنفذ رجلاً من المسلمين يقال له: عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي (ص) ليخبره بالخبر"، وهنا بدأت روايات السلطة القرشية بصناعة البطولات والوهمية، والأبطال الخرافية، فصار خالد الفار من الزحف سيف الله، وقطع سبعة سيوف، أو تسعة في جيش الروم، ويتغنى بها البخاري، وكأن الأمة لا تقرأ ولا تفهم، ولا تعي من تاريخها شيء إلا ما كتبه هؤلاء.

ولهؤلاء نقول: أن كتب السيرة والتاريخ ذكرت أنه قُتل خمسة فقط من المسلمين مع القادة الأبطال، ولم يذكروا إلا شخصاً من الروم قتلوه غيلة في طريق فرارهم فأخذوا سلبه فأخذ القائد الفار خالد نصفه، وعادوا يجرُّون أذيال الخيبة والهزيمة ولذا استقبلتهم المدينة شرَّ استقبال، وهذه رواية الواقدي بحرفها: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الوليد بالناس مُنْهَزِمًا، فَلَمّا سَمِعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِجَيْشِ مُؤْتَةَ قَادِمِينَ تَلْقَوْهُمْ بِالْجَرْفِ فَجَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ فِي وُجُوهِهِمْ التّرَابَ وَيَقُولُونَ: يَا فُرّارُ أَفَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟

وأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ يَقُولُ: مَا لَقِيَ جَيْشٌ بُعِثُوا مَعَنَا مَا لَقِيَ أَصْحَابُ مُؤْتَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لَقِيَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالشّرّ حَتّى إنّ الرّجُلَ لَيَنْصَرِفَ إلَى بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ فَيَدُقُّ عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَيَأْبَوْنَ أَنْ يَفْتَحُوا لَهُ يَقُولُونَ: أَلَا تَقَدّمْت مَعَ أَصْحَابِك؟ فَأَمّا مَنْ كَانَ كَبِيرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله) فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ اسْتِحْيَاءً.

وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَدَخَلَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله) فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: مَا لِي لَا أَرَى سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ؟ آشْتَكَى شَيْئًا؟ قَالَتْ امْرَأَتُهُ: لَا وَاَللّهِ وَلَكِنّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إذَا خَرَجَ صَاحُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ: "يَا فُرّارُ أَفَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟"، حَتّى قَعَدَ فِي الْبَيْتِ".

وفي السيرة لابن كثير عن عبد الله بن عمر، قال: كنتُ في سرية من سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يخجل من تسميتها حتى)، فحاص الناس حيصة وكنتُ فيمَن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: مَنْ القوم؟ قال: قلنا: نحن الفرارون. فقال: (لا بل أنتم العكارون (الكرارون) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين). قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده"، وقال في رواية ابن أبي ليلى: "كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر". (السيرة النبوية؛ ابن كثير: ج ٣ ص ٤٧٠)

ورغم ذلك كله يأتيك البخاري ليروي: أن خالد سيف الله، وقطع تسع سيوف في الروم، دون خجل ولا وجل من محكمة التاريخ، والأمة.

النبي (ص) يبكي جعفراً

في رواية عن أبي عبد الله (ع) قال: بينا رسول الله (ص) في المسجد، إذ خفض له كل رفيع، ورفع له كل خفيض، حتى نظر إلى جعفر يقاتل الكفّار، حتى قتل، فقال رسول الله (ص): قتل جعفر، وكانت كنيته: أبو المساكين).

فلما قتل جعفر بن أبي طالب (ع) دخل رسول الله (ص) على أسماء بنت عميس امرأة جعفر، فقال: أين بنيّ؟ فدعت بهم وهم ثلاثة: عبد الله وعون ومحمد، فمسح رسول الله (ص) رؤوسهم.

فقالت أسماء: إنك تمسح رؤوسهم كأنهم أيتام؟

فقال، وقد دمعت عيناه: يا أسماء ألم تعلمي أنّ جعفراً (رضوان الله عليه) قد استشهد في هذا اليوم، وقد قطعت يداه قبل استشهاده؟ فبكت.

فقال لها رسول الله (ص): لا تبكي فإنّ جبرئيل أخبرني أن الله قد أبدله من يديه جناحين فهو الآن يطير بهما في الجنّة مع الملائكة كيف يشاء.

فقالت أسماء: يا رسول الله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله.

فقام ورقى المنبر وخطب في المسلمين وقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا أنّ جعفرَ قد استشهد، وجعل له جناحان يطير بهما في الجنّة).

ثم إن رسول الله (ص) أمر فاطمة (ع) أن تتّخذ طعاماً لأسماء بنت عميس، وتأتيها وتسلّيها ثلاثة أيام، كما انه (ص) قال لفاطمة (ع): يا فاطمة اذهبي فابكِ على ابن عمّك).

فقال (ص): على مثل جعفر فلتبك الباكية.

فالحقيقة التأريخية واضحة وضوح الشمس أن القادة الأمراء الثلاثة استَشهدوا، وخمسة من أصحابهم ولما وصلت الراية إلى خالد بن الوليد راغ فيها وفرَّ هارباً ولم يُقاتل، ولذا استقبلهم أهلهم في المدينة ذاك الاستقبال المذل، فكيف ساغ للبخاري وأمثاله كل هذا الكذب والافتراء على الله ورسوله ليُثبتوا فضيلة لمَنْ هو خل الوفاض منها، ويسلبوا الفضائل من مجمع الفضائل كلها؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1