مقدمة عقائدية

القرآن الحكيم فيه خُلاصة تجارب الأنبياء والمرسلين جميعاً (صلوات الله عليهم) من نبي الله آدم (ع) حتى رسول الله الخاتم محمد بن عبد الله (ص)، ولمَنْ تأمله وتدبَّر في آياته كل العلم والهُدى والنور، فهو يُغني عن غيره وكل الكتب لا تُغني عنه، قال ربنا سبحانه يصف حال رسوله نوح (ع) أطول الناس عمراً، وأكثرهم عناءً ودعوة إلى الله، حيث لبث في قومه حوالي ألف سنة يدعوهم إلى عبادة الله الواحد القهار: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (هود: 40)

فالقليل كانوا ثمانية فقط وقيل ثمانين، وحتى أن ربع أولاده (كنعان) أصابه الغرق، وهذه الحقيقة تؤكدها الآيات الكريمة حيث تقول عن آل داوود: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)

ورسول الله (ص) لم يكن بدعة من الأنبياء والرسل الكرام، حيث لبث ثلاثة عشر سنة في مكة المكرمة ولم يؤمن معه إلا القليل النادر، ومن هؤلاء القليل كان الصحابي الجليل عمار بن ياسر الذي كان لديه وسام الشهادة الأولى في سبيل الله والعقيدة لأن والديه الكريمين كانا أول الشهداء في مكة بقصَّة خالدة ما زالت تحكي ظُلم طغاة قريش وقسوتهم، فعذبوا على الإسلام أشد العذاب وأُلبسوا أدراع الحديد، ثم صُهروا في الشمس على أن يتركوا الإسلام وهم يأبون ذلك، وكان رسول الله يمرُّ عليهم بالأبطح وهم يُعذبون في رمضاء مكة فيقول: (صبرا آل ياسر موعدكم الجنة) فكانت سمية أول شهيد في الإسلام طعنها أبو جهل بحربة فقتلها، ثم قَتَلَ زوجها ياسر، فكان إيمان ياسر وأهله من الصلابة حيث صبروا تحت التعذيب القاسي جداً إلى أن أثاروا عجب الطاغية أبو الجهل فقتلهما حنقاً وحقداً وغيظاً.

يقول ابن الأثير: "وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره أخرى وبالتغريق أخرى، فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمداً وتقول في اللات والعزى خيراً، ففعل، فتركوه، فأتى النبي، (صلى الله عليه وآله)، يبكي. فقال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئناً بالإيمان. فقال: يا عمار إن عادوا فعد، فأنزل الله تعالى: (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) (النحل: 106)؛ فشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وقُتل بصفين مع علي (ع) وقد جاوز التسعين، قيل بثلاث، وقيل بأربع سنين".

عمار عربي في الصميم

قالوا في نسب عمار هو عربي صميم ينتهي إلى قحطان فهو: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس ــ وهو زيد ــ الذي تتفرع منه قبيلة عنس بن مالك ــ وهو مذحج ــ الذي تنتمي إليه القبيلة المشهورة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

فهو عربي قحطاني مذحجي جاء والده ياسر مع أخويه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة للبحث عن أخيهم عبد الله، فرجع الحارث ومالك وبقي ياسر في مكة، ولأن طغاة قريش وجبابرتها لا يرحمون الفقير المستضعف والمسكين الغريب، ولذا تحالف ياسر مع أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ليحميه، وتلك عادة العرب في حينها، وكانت سمية أمة لأبي حذيفة فزوجها من حليفه ياسر فأنجبت منه عماراً، فلم يكن عمار عبداً لبني مخزوم لكي يعتقه أبو حذيفة بل كان حليفاً لهم، والذي يدحض قولهم هذا هو نسبه العربي الأصيل يقول في ذلك الأستاذ قيس العطار: (إن إعتاق أبي حذيفة لعمار مما لا وجه له، لأن عماراً لم يكن رقاً ولا كان أبوه رقاً، بل صرّحوا بأنه عربي صميم، ومجرد تزويج أبي حذيفة أمته سمية لياسر لا يجعل من أولاد ياسر عبيداً لأبي حذيفة، لأن العرب إنما تسترق بالأسر والسبي، أو بشراء شخص ما وهو عبد للغير، وعمار لم يكن أحد هذه الأقسام).

وهذا ما دفع العلامة السيد صدر الدِّين شرف الدِّين أن يُعنون كتابه (حليف مخزوم؛ عمار بن ياسر)، ولكن هذه الفُرية جاءت لانتقاص عمار ولا سبيل لهم إلى ذلك، فنسبوه إلى الرِّق، ولكن التحقيق يدحض كل قول من المؤرخين الذين أرادوا أن يحطُّوا من شأنه لولائه ونُصرته لأمير المؤمنين الإمام علي (ع) في كل مراحل حياته حتى شهادته التي كانت فيصلاً بين الهُداة والبغاة الطغاة، كما يعترف التاريخ ولا يستطيع أن يُنكر المؤرخون.

عمار يدخل الإسلام مبكراً

كان عمار من أوائل المسلمين، لأنه لما سمع بخبر الدَّعوة الشريفة جاء إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم فأسلم، وكانت دار الأرقم هي (دار الإسلام) لأن مَنْ كان يُريد اعتناق الإسلام يأتي إليها، ولما رجع عمار إلى البيت وأخبر والديه فأسلما لله، ويصف السيد محسن الأمين حال المسلمين الأوائل مع طغاة قريش فيقول: (وقد كثرت الروايات حول فنون عذاب المخزوميين لأسرة ياسر، ونجد إشارات متعددة في أغلب كتب التاريخ فقد ذكر اليعقوبي: كان المشركون يخرجون هذه الأسرة المؤمنة إذا حميت الظهيرة ويأخذون منهم مأخذاً عظيماً من البلاء، يعذبونهم برمضاء مكة وأخذت قريشاً ياسراً وسمية وابنيهما عمار وعبد الله وبلالاً وخباباً وصهيباً فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ.

ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بأنطاع الأُدم فيها الماء فألقوهم فيها ثم حملوا بجوانبها وربطوا سمية بين بعيرين، وجاء أبو جهل يشتمها ويرفث (يُفحش في القول)، ثم طعنها في قلبها وهي تأبى إلا الإسلام، وقتلوا زوجها ياسراً فكانا أول شهيدين في الإسلام ويبلغ العذاب بعمار إلى درجة لا يدري ما يقول ولا يعي ما يتكلم وروي أنه قال للنبي (ص): (لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ)، فقال النبي (ص): (صبراً أبا اليقظان.. اللهم لا تعذب أحداً من آل عمار بالنار)، ويقال أنه (ص) كان يمر بهم فيدعو بقوله: (صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.. اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت).. وقد لوحظت آثار النار واضحة على ظهر عمار حتى أواخر حياته).

وكثيرة هي الروايات والأحاديث الشريفة التي دلَّت على عظيم إيمان عمَّار، وسموِّ شأنه؛ منها قوله (ص): (دم عمار ولحمه وعظمه حرام على النار)، وقوله (ص): (مَنْ عادى عماراً عاداه الله ومَنْ أبغض عماراً أبغضه الله)، وشهادته (ص) له: (ما خُيِّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما)، وجاء عمار يستأذن يوماً للدخول إلى رسول الله فسمع صوته فقال (ص): (ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب)، وقوله (ص): (ما لقريش ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قاتله وسالبه في النار)، وقوله (ص) له: (إنك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن)، وذكر (ص) الفتنة فقيل له: إذا اختلف الناس فبمَ تأمرنا؟ فقال (ص): (عليكم بابن سمية فإنه لن يفارق الحق حتى يموت)

نعم؛ لقد تشرف عمار بسابقته إلى الإسلام وشهد بدراً وقتل فيها خمسة من رؤوس الكفر وهم: الحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، وعلي بن أمية والحارث بن الحضرمي ويزيد بن تميم وأسر أبا العاض بن نوفل بن عبد شمس زوج السيدة زينب، كما شهد أحداً والخندق (الأحزاب)؛ وكل المعارك التي خاضها رسول الله (ص)، وأبلى فيها بلاءً عظيماً، وكان ممَنْ صلوا إلى القبلتين، وهو أول مَنْ اتخذ من بيته مسجداً للمسلمين، وأول مَنْ بنى مسجداً في الإسلام، كما شارك بعد وفاة وانتقال رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى في حرب المرتدين وقُطعت أذنه في حرب اليمامة، فهو المجاهد الكبير، والمقاتل البطل الذي تشهد له الحروب والمعارك التي خاضها تحت راية الإسلام العظيم.

عمار ركن من أركان الولاء

وكما وقف في طليعة المعارضين لحكومة قريش الأولى التي خرجت من السقيفة المشؤومة، وكما كان من السابقين إلى الإسلام والإيمان فقد كان من السابقين للوقوف ضد جبهة الباطل واللحاق بجبهة الحق المتمثلة بأمير المؤمنين (ع)، يقول أحد الباحثين: "في الحقيقة لقد حاز عمار على منزلة عظيمة عند النبي الأعظم (ص) وأهل البيت الأطهار(ع)، وقد عُدّ من خُلَّص أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وأحد الأركان الأربعة، وقد وصفته مصادر الشيعة بأنه من: (الحواريين)، و(الصحابة)، و(الفقهاء)، و(السابقين)، و(ثقاة أمير المؤمنين) و(أصفيائه) وقائد (شرطة الخميس)، ولذا فاق جميع الصحابة في الفضل والتمسك بأهل البيت والمواساة لهم ظاهراً وباطناً".

ولكن كان لأبي اليقظان موقفاً شهد له التاريخ، وحقد عليه المؤرخون من أتباع السلطة القرشية، وذلك في أعقاب السقيفة المشؤومة، حيث صدع بالحق فقال: (يا معاشر قريش إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا إن أهل بيت نبيكم أولى وأحق بإرثه، وأقوم بأمور الدِّين، وآمن على المؤمنين وأحفظ لملته وأنصح لأمته فمروا صاحبكم ليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ويظهر شتاتكم فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم وعليٌّ من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله فمالكم تحيدون عنه وتغيرون على حقه وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة بئس للظالمين بدلا أعطوه ما جعله الله له ولا تولوا عنه مدبرين ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) (الاحتجاج للطبرسي: ص 78)

هذا الموقف البطولي من سيدنا عمَّار جعله عند كُتاب وأزلام السلطة القرشية (ابن السوداء)، و(عبد الله بن سبأ)، ولصقوا فيه كل ما استطاعوا من فتن العصر الأول، فاخترعوا تلك الشخصية الوهمية ليضحكوا على الأمة الإسلامية، ويُبرروا كل الحروب التي قامت لتأويل القرآن الحكيم كما أخبر رسول الله (ص) وصيه العظيم أمير المؤمنين الإمام علي (ع) بقوله: (تقاتل على التأويل كما قاتلتُ على التنزيل)، وقال: (إنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيّي، يُقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله)، كما أنّه (صلى اللّه عليه وآله) كشف عن هويّتهم، فقال: (هذا واللَّه قاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين بعدي).

بروايات شبه متواترة لا تستطيع رجال السلطة إنكارها، ولذا عمدوا إلى تحريفها، ووضع تأويل بعيد عنهم، فصنعوا شخصية وهمية لا وجود لها ولكن استقوها من شخصية عمار بن ياسر البطل الثابت على الولاية العلوية والمدافع عنها حتى ولو تجاوز التسعين من عمره بل كان يقول: (لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر ــ في البحرين ــ لعلمنا أنا على الحق)

حرب القاسطين في صفين

نأخذها مختصراً من جناب الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) حيث يقول: "لما فرغ أمير المؤمنين (ع) من الجمل نزل في الرَّحبة السادس من رجب، وخطب فقال: (الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل(، ثم وجَّه جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى طاعته، فلما بلغها توقف معاوية في ذلك حتى قدم شرحبيل الكندي، ثم خطب فقال: (أيها الناس، قد علمتم أني خليفة عمر، وخليفة عثمان، وقد قُتل عثمان مظلوماً وأنا وليه، وابن عمه وأولى الناس بطلب دمه، فماذا رأيكم؟).

فقالوا: نحن طالبون بدمه.. فانصرف جرير.. فكتب معاوية إلى أهل المدينة: "أن عثمان قُتل مظلوماً، وعليٌ آوى قتلته؛ فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته، فانهضوا رحمكم الله معنا إلى حربه"، وجاء أبو مسلم الخولاني بكتاب من معاوية إلى أمير المؤمنين (ع) يتهم فيه أمير المؤمنين؛ فلما وصل الخولاني وقرأ الكتاب على الناس، قالوا: كلنا قاتلون ولأفعاله منكرون، فكتب أمير المؤمنين(ع) جواباً له: (وبعد، فإني رأيتُ قد أكثرتَ في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي، ثم حاكم القوم إليَّ أحملك وإياهم على كتاب الله وسنة نبيه (ص)، وأما تلك التي تُريدها؛ فإنها خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرتَ بعقلك دون هواك لعلمتَ أنِّي من أبرأ الناس من دم عثمان، وقد علمتَ أنك من أبناء الطلقاء الذين لا تحل لـهم الخلافة).

ثم جمع معاوية جيشاً لمحاربة أمير المؤمنين علي (ع)، فأجمع (ع) على المسير وحضَّ الناس على ذلك، فكان مما قال (ع): (انفروا إلى بقية الأحزاب أولياء الشيطان، انفروا إلى مَنْ يقول كذب الله ورسوله).

وكتب معاوية كتاباً يعظ فيه أمير المؤمنين (ع) وهذا من عجائب الدهر، ولكن كان ليضحك فيه على أهل الشام الذين ما عرفوا من الإسلام ورجاله إلا معاوية وبني أمية الشجرة الملعونة في القرآن الطلقاء الذين لا تحل لهم إمرة ولا خلافة.

فأجابه (ع) بجواب يطول قال في بعضه: (عظتي لا تنفع مَنْ حقت عليه كلمة العذاب، ولم يخف العقاب، ولا يرجو لله وقاراً، ولم يخف حذاراً، فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة، تجد الله عز وجل في ذلك بالمرصاد).. إلى أن يقول (ع): (فأنا أبو الحسن قاتل جدك عتبة، وعمك شيبة، وأخيك حنظلة، الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي - ومن كلامه فيه - متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين، فالبث قليلاً يلحق الهيجاء جمل، فسيطلبك من تطلب، وتقرب منك مَنْ تستبعد.. وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفتَ مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك، وما هي من الظالمين ببعيد)، وقال أمير المؤمنين(ع): (قاتلتُ الناكثين، وهؤلاء القاسطين، وسأقاتل المارقين).

ثم ركب (ع) فرس النبي (ص) وقصده في تسعين ألفاً، قال سعيد بن جبير: منها تسعمائة رجل من الأنصار، وثمانمائة من المهاجرين، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: سبعون رجلاً من أهل بدر، ويقال: أكثر من مائة، وخرج معاوية في مائة وعشرين ألفاً، يتقدمهم مروان وقد تقلد بسيف عثمان، فنزل صفين في المحرم على شريعة الفرات، ومنعوا علياً (ع) وأصحابه الماء، فأنفذ علي (ع) شبث بن ربعي الرياحي وصعصعة بن صوحان، فقالا في ذلك لطفاً وعنفاً. فقالوا: أنتم قتلتم عثمان عطشاً، فقال (ع): (أرووا السيوف من الدماء ترووا من الماء، والموت في حياتكم مقهورين خير من الحياة في موتكم قاهرين).

وحملا في سبعة عشر ألف رجل حملة رجل واحد ففرق بعضهم وانهزم الباقون، فسيطر علي (ع) على الماء ثم أمر أن لا يمنعوا جيش معاوية من الماء، وهكذا كان رسول الله (ص) حيث أجاز للمشركين في يوم بدر أن يأخذوا من الماء بعد ما منعوه منه، وكان نزول علي (ع) في صفين لليالي بقين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين". (من حياة الإمام علي (ع) السيد محمد الشيرازي: ص101بتصرف)

شهادة عمار فيصل الحق

كانت العيون تنظر إلى عمار بن ياسر في معركة صفين فهو الصحابي الجليل الذي تجاوز التسعين من عمره وفي جعبته العشرات من الروايات التي يرويها بني أمية كمعاوية، ومروان، وعبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يقول لهم: (عمار تقتله الفئة الباغية)، فلما قُتل عمار اهتزَّ جيش الشام كله فتيقنوا أنهم بُغاة على أهل الحق، فقال معاوية لأبيه عمرو: (ألا تنهى عنا مجنونك هذا؟)، ثم قال لأهل الشام: (إنما قتله مَنْ أخرجه) يخدع بذلك أهل الشام". (البداية والنهاية: أحداث سنة سبع وثلاثين)

ومن تلك الجعبة النورانية النبوية، قال (ص): (يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنه مع الحق والحق معه)، وقال (ص): (يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين؛ الناكثين، والقاسطين، ثم تقتلك الفئة الباغية)،

وأوصاه تلك الوصية التي التزم بها عمار بكل أمانة ولم يكن كغيره من الناكثين للعهد قال له (ص): (يا عمار لو سلك الناس كلهم واديا وسلك عليٌّ وادياً فاسلك وادي علي وخلِّ عن الناس إن عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردي؛ يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله).

ونأخذ شهادته حرفياً من ابن الأثير في الكامل في التاريخ، حيث يقول: "خرج عمار بن ياسر على الناس، فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته. وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملاً هو أرضى لك منه لفعلته.. والله إني لأرى قوماً ليضربنكم ضرباً يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل.

ثم قال: مَنْ يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلى مال ولا ولد؟ فأتاه عصابة، فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا اتباعهم وإن قالوا: إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، فبلغوا ما ترون، فلولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان.. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.

ثم مضى ومعه تلك العصابة، فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه مَنْ كان هناك من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المرقال، وكان صاحب راية علي، وكان أعور، فقال: يا هاشم أعوراً وجبناً؟ لا خير في أعور لا يغشى البأس، اركب يا هاشم؛ فركب ومضى معه وهو يقول (ويرتجز شعراً).

وعمار يقول: (تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الأسل، وقد فتحت السماء وتزينت الحور العين. اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه)، وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له: يا عمرو بعت دينك بمصر، تباً لك! فقال له: لا ولكن أطلب بدم عثمان. قال: أنا أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غداً، فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك، لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثاً مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر وأتقى.

ثم قاتل عمار فلم يرجع وقتل.

وقال حبة بن جوين العرني: قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا نخاف الفتن. فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: (تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح من لبن)، وهو الممزوج بالماء من اللبن، قال حبة: فشهدته يوم قتل وهو يقول: (ائتوني بآخر رزق لي في الدنيا)، فأتي بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال: (اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل).

ثم قتل، قتله أبو الغازية، واحتز رأسه ابن حوي السكسكي؛ وقيل قتله غيره".

نعم؛ قتلت الفئة الباغية سيدنا عمار في يوم صفين، التي كانت امتداداً لمعارك بدر، وأحد، والأحزاب، وما هي إلا معركة واحدة بجولات متعددة، فالقيادة النبوية والرسالة واحدة كانت بيد رسول الله (ص)، فصارت بيد ولي الله (ع)، وقيادة قريش كانت بيد أبي سفيان وصارت بيد معاوية، وبقية البيت الأموي الملعون، والأحزاب التي تحالفت مع اليهود ليُطفؤوا نور الله، ويأبى الله إلا أن يُمَّ نوره ولو كره الكافرون، والمشركون، وأهل الفسوق والنفاق الضالون المضلون.

;