إن الصراع يتجه نحو إعادة تعريف الهوية وفق مفاهيم الإسلام السياسي العابرة للدولة، مقابل محاولات ترسيخ هوية وطنية جامعة. وبين هذين المسارين، يبقى العراق في حالة شدٍّ مستمر. هكذا تمضي الرياح في مركب الهوية العراقية، وسط عاصفة إقليمية مفتوحة، حيث تتجدد السلطة بقدر ما يتجدد السؤال عن الهوية...

قد يبدو العنوان تقليديًا لمضمونٍ شائك، تمامًا كما يبدو تكليف مرشحٍ من خارج الأحزاب لرئاسة الحكومة المقبلة خطوةً غير مألوفة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالات في جوهرها.

واقع الحال، تُعرَّف هوية الإنسان بالانتماء، وفق ميثاق الأمم المتحدة يقوم على أرضٍ ذات حدودٍ معترف بها، وسلطةٍ تمارس السيادة عليها. هكذا كرّس المنتصرون في الحرب العالمية الثانية هذا التعريف لضمان الاستقرار الدولي. غير أنّ هذا المفهوم لم يصمد أمام وقائع التاريخ في منطقتنا، منذ اتفاقية سايكس بيكو حتى يومنا هذا.

في استحضار التراث، كان الانتماء للأرض والعشيرة هو الأساس. ثم جاءت وثيقة (المدينة المنورة) التي أرست مفهومًا مدنيًا للسلطة، قائمًا على التعاقد السياسي، وليس الانتماء القبلي.

لكن هذه الهوية سرعان ما تراجعت أمام صعود قوى جديدة، من البرامكة إلى السلاجقة، وصولًا إلى سقوط بغداد على يد هولاكو، لتدخل المنطقة في دورةٍ جديدة من صراع الهويات.

وعادت الجغرافيا لتتقاسمها ثلاث قوى حضارية: الروم، الفرس، والعرب، بينما غابت الهوية الرافدينية الجامعة، رغم إرث الحضارة السومرية والحضارة البابلية والحضارة الآشورية. ثم تعاقب النفوذ بين الصفويين والعثمانيين، وصولًا إلى الاحتلال البريطاني، الذي أعاد تشكيل الهوية السياسية تحت عنوان الثورة العربية، بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق.

وكما يقول ابن خلدون: "عمران البلدان من عمران السلطان"، فإن الحدّ الفاصل بين هوية الانتماء التقليدية، وهوية الدولة الحديثة، يتمثل في الاعتراف الدولي بالسلطة والسيادة ضمن حدودٍ محددة.

في المقابل، نشأت الدولة الوطنية الحديثة، التي تتعامل مع محيطها وفق مصالحها، لا وفق الانتماءات العابرة. وقد مرّ العراق بتحولات أيديولوجية متعاقبة: من المدّ الشيوعي بعد 1958، إلى القومي، وصولًا إلى مرحلة ما بعد 2003.

السؤال الأهم: ما هي الهوية الوطنية في عراق اليوم؟

يمكن مقاربة الإجابة من خلال قراءة استطلاعات الرأي، مثل تلك التي تنظم من قبل الشركة المستقلة.. التي تُظهر تداخلًا في الانتماءات: بين العربي، والمذهبي، والقومي الكردي، في ظل غياب هوية جامعة راسخة.

في حين ينص دستور 2005 على أن العراق دولة اتحادية، تُشرّع قوانينها وفق ثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن الواقع يكشف عن تناقضات عميقة.

كيف تحوّلت هذه التناقضات إلى منظومة محاصصة، تنتج طبقة من "أمراء الإقطاع السياسي"؟

لست بصدد المباهلة.. ، لكن يمكن التوقف عند ظاهرة تكليف مرشحٍ من خارج الصف الأول للأحزاب. هذه الخطوة، في ميزان التحليل، تعكس أزمة ثقة داخل البنية السياسية نفسها.

ووفق معادلة هذا المقال، فإن هذا الاختبار يؤكد أن نموذج "عراق واحد وطن الجميع" لا يزال هشًّا، بسبب ضعف القرار السيادي، وتداخل الصراعات الإقليمية، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.

في ضوء ما تقدم، ما هي هوية الصراع في عراق الغد؟

الإجابة، باختصار، أن الصراع يتجه نحو إعادة تعريف الهوية وفق مفاهيم الإسلام السياسي العابرة للدولة، مقابل محاولات ترسيخ هوية وطنية جامعة. وبين هذين المسارين، يبقى العراق في حالة شدٍّ مستمر.

هكذا تمضي الرياح في مركب الهوية العراقية، وسط عاصفة إقليمية مفتوحة، حيث تتجدد السلطة بقدر ما يتجدد السؤال عن الهوية.

اضف تعليق