تتعامل الرأسمالية مع العلوم الطبية باعتبارها سلعة مربحة للغاية. فهي من جهة تقوم بحماية براءات الاختراع فيها بهدف حماية أرباح المصنّعين، ومن جهة ثانية تستسهل الموافقة على إنتاج الأدوية من دون التأكّد من فعالية الأدلة العلمية وذلك أيضاً بهدف حماية أرباح مصانع الدواء. هذا ما حصل تحديداً في إنتاج أدوية الزهايمر التي تبيّن أنها غير فعالة بعد أكثر من 16 سنة على إنتاجها

في عام 2006، صدرت ورقة بحثية أعدّها بروفيسور علم الأعصاب سيلفان ليسني، وعالمة الأعصاب كارين آش، وكلاهما من فريق أبحاث علم الأعصاب في جامعة «مينيسوتا». أظهرت النتائج أن زيادة في بروتين «الأميلويد» في الدماغ مرتبط بمرض الزهايمر (هو تأكيد لفرضية قديمة). واستندت مئات الدراسات اللاحقة على هذه الفرضية العلمية، وصمّم أكثر من 100 دواء من أصل 130 دواء مخصص لعلاج الزهايمر، بالاستناد إلى هذه الفرضية. الكل كان سعيداً، وأصبح ليسني وآش من نجوم علم الأعصاب، إلى أن نشرت مجلة «ساينس» في تموز الماضي، تحقيقاً يشكّك بنتائج هذه الفرضية ويشير إلى نوع من الاحتيال جرى بموجبه السطو على 16 سنة من التمويل الحكومي والخاص بما يفوق 44 مليار دولار.

لمَ تطلّب الأمر 16 عاماً حتى يجري تأكيد نتائج الدراسة؟ ما تأثير النموذج الرأسمالي الهادف إلى مراكمة الثروة على جهود الأبحاث الطبية وعلى عمالقة شركات الأدوية؟ والأهم، ما النتيجة المترتبة على المرضى؟

يُعد مصطلح «الخرَف» (Dementia)، مظلة تضّم مجموعة واسعة من الأعراض أكثرها شيوعاً مرض الزهايمر. وبحسب المنظمة الدولية لمرض الزهايمر، في أحدث تقرير لها نُشر في عام 2020، فإنه يقدّر عدد الأشخاص المصابين بالمرض بأكثر من 50 مليون شخص حول العالم. وتتوقع أن يتضاعف هذا العدد تقريباً كل 20 عاماً، ليصل إلى 82 مليوناً في عام 2030، و152 مليوناً في عام 2050. وستكون معظم الزيادة في البلدان النامية. علماً بأن 60% من المصابين بالخرف يعيشون بالفعل في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وبحلول عام 2050 سترتفع هذه النسبة إلى 71%.

سوق بهذه الضخامة، دفع مراكز الأبحاث والتطوير الخاصة إلى تخصيص تمويل لصنع العلاج قيمته المتراكمة منذ 1995 تبلغ 42.5 مليار دولار، بحسب ما ورد في مقال علمي نُشر على موقع «مجلة مرض الزهايمر». كما أن المعاهد الوطنية للصحّة في الولايات المتحدة «NIH»، خصّصت دعماً للأبحاث ذات الصلة بناء على نتائج ورقة ليسني وآش، بتمويل تراكم من عام 2006 لغاية عام 2021 ليبلغ 1.6 مليار دولار، أو نحو نصف ميزانية الـ«NIH» لأبحاث مرض الزهايمر.

غير أن حجم السوق يشمل أكلافاً غير ظاهرة ناتجة مما يصيب المريض وأقاربه، مثل حالات القلق أو الاكتئاب نتيجة رعاية شخص مصاب بالخرف، فضلاً عن تحوّل العائلات إلى تقليص الإنفاق أو استخدام المدخرات لإعالة أحبائها، وتدنّي جودة الحياة للأشخاص المصابين بالخرف والقائمين على رعايتهم... لكن في المجمل، تشير التقديرات إلى أن الكلفة العالمية تبلغ 1 تريليون دولار، علماً بأن ورقة بحثية نشرتها مجلة «لانست» في عام 2019، تقدّر العبء الاقتصادي العالمي القائم على تبعات مرض الزهايمر بنحو 2.8 تريليون دولار، وأن يبلغ 4.7 تريليون دولار في عام 2030، و8.5 تريليون دولار في عام 2040، و16.9 تريليون دولار في عام 2050.

بهذه الخلفية اندفع صانعو الدواء حول العالم إلى إنتاج أدوية لعلاج الزهايمر تستند على فرضية علمية لم يتم التثبّت منها علمياً وفق الأصول. وعلى مدى 15 عاماً لم تظهر شكوك بهذه الأدوية أو بالفرضية العلمية التي انتجتها، رغم أن الأدوية لم تكن فعالة، إلى أن انكشف الأمر في تحقيق أطلقه عالم الأعصاب والطبيب، ماثيو شراغ، للتحقيق في ادعاءات بأن أحد الأدوية المنتجة حديثاً تحت الاسم التجاري «Simufilam» (من إنتاج شركة «Cassava Sciences») غير فعّال. شراغ، كشف قبل عام لمجلة «ساينس» نتائج التحقيقات، ما دفع «ساينس» للاشتراك معه في تحقيق يحفر أعمق وصولاً إلى الدراسة الأساسية التي استند إليها لإنتاج أكثر من 100 دواء من أصل 130 دواء خُصّصت لعلاج الزهايمر منذ صدور الورقة البحثية التي أعدّها ليسني وآش ونُشرت في مجلة «نايتشر» في عام 2006. فقد دعمت هذه الورقة، فرضية «بروتين أميلويد» وارتباطه بالإصابة بمرض الزهايمر. لاحقاً استندت الكثير من الأوراق البحثية على نتائج دراسة ليسني وآش، واعتمدت جميعها كمرجع لدى صانعي الأدوية من أجل إنتاج العلاج بناء على هذه الفرضية العلمية. غير أن التحقيقات التي أجراها شراغ، كشفت بأن هناك مئات الصور الشعاعية في دراسة ليسني وآش، ربما تم التلاعب بها.

إذاً، الأدوية لم تكن فعالة، لكن استمرّ صانعو الدواء في إنتاجها اعتماداً على فرضية ليسني وآش. هذا الأمر ليس حدثاً استثنائياً في العالم النيوليبرالي حيث أصل المشكلة يكمن في «أزمة تكرار التجربة» (replication crisis). فعلى مر العقدين المنصرمين، اكتشف الباحثون أن الكثير من النتائج البحثية في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والطب والاقتصاد، لا تصمد عندما يحاول باحثون آخرون تكرارها. بمعنى أن نتائج دراسة معينة، عندما يتم تكرارها من قبل باحثين آخرين، لا تأتي بنفس النتيجة. في تقرير نشره موقع «VOX» عام 2020، يشير إلى جهود دولية بذلت عام 2015 لإعادة تجربة 100 دراسة نفسية، نجح 39 منها فقط. ثم انطلق جهد دولي كبير في عام 2018، لإعادة إنتاج أكثر الدراسات البارزة، ليتبين أن 14 من أصل 28 نجح تكرارها فقط. كذلك، قامت مجلة «نيتشر آند ساينس» بين عامَي 2010 و2015، بمحاولة تكرار 21 دراسة تجريبية منتقاة بشكل منهجي في العلوم الاجتماعية، ليتبين أنه يمكن إعادة إنتاج 13 من أصل 21 دراسة فقط. شغل هذا الأمر بال الأوساط العلمية والحكومية، لدرجة أنه عام 2019، حاول الجيش الأميركي بناء برنامج حاسوبي «يميّز الهراء في دراسات العلوم الاجتماعية».

تعود جذور هذه المشكلة إلى 3 أسباب رئيسية: أولاً، ثقافة النشر العلمي نفسها، والتي تمنح امتيازاً للدراسات والاكتشافات الجديدة، في حين أنها توفر مساحة صغيرة نسبياً لنشر الدراسات المكرّرة. وثانياً، إن الحوافز المباشرة لتكرار عمل الباحثين الآخرين، بما في ذلك التمويل قليلة جداً. كما أن صعود أسهم شركة أدوية بناءً على نتائج دراسة إيجابية، يجعل تلك الشركة متحيّزة للنتائج.

من أشهر الأمثلة التي تستخدم للدلالة على هذه القضية، هي الدراسة اليابانية التي صدرت عام 1981. إذ أظهرت وجود ارتباط بين التدخين السلبي وسرطان الرئة. وخلصت إلى أن زوجات المدخنين الشرهين لديهن ما يصل إلى ضعف خطر الإصابة بسرطان الرئة مقارنة مع زوجات غير المدخنين، وأن الخطر مرتبط بالجرعة (ارتبط التدخين بالذكور في ما مضى). بعدها، قامت شركات التبغ بتمويل باحثين أكاديميين لإنشاء دراسة تدحض هذه النتائج. لا بل تدخلت شركات التبغ في كل خطوة من خطوات العمل المموّل منها، حتى أنها صاغت أسئلة البحث، وصمّمت منهجية الدراسة وجمع البيانات وتقديمها، وتدخلت في كتابة المنشور النهائي. لكنها أبقت مشاركتها خفية لعقود. السبب الثالث، خاص أكثر، وهو يعود إلى العلاقة بين مجتمع الباحثين أنفسهم؛ إذ إن تكرار دراسة من قبل باحثين لزملاء لهم هو أمر غير مرغوب فيه، بل يشبه الأمر أن تشي بأصدقائك. كما أن ذلك الفعل لن يمنحهم أي إضافة تجعل منهم نجوماً بعكس الدراسات الجديدة.

من الأمثلة على تدخل شركات الصناعة في الأبحاث العلمية، صناعة السكّر التي اكتشف أخيراً أنها في الستينيات دفعت أموالاً للعلماء في جامعة «هارفارد» لتقليل الارتباط بين السكّر وأمراض القلب. بل عملت على تحويل اللوم من السكر إلى الدهون باعتباره المسؤول عن وباء أمراض القلب. كما موّلت شركتا «كوكا كولا» و«مارس» بحثاً جامعياً حول النشاط البدني لتحويل الانتباه بعيداً عن ارتباط منتجاتهما بالسمنة.

يُقدّر العبء الاقتصادي العالمي القائم على تبعات مرض الزهايمر بنحو 2.8 تريليون دولار

ويتساءل بعض الخبراء منذ ذلك الحين عما إذا كانت هذه المعلومات المضلّلة قد أدّت إلى أزمة السمنة التي تشهدها الولايات المتحدة اليوم.

السؤال الذي تثيره مسألة التحقيقات بشأن فرضية «بروتين أميلويد» أن كل هذه المليارات ذهبت هباء لأن البحث العلمي انشغل بفكرة خاطئة طيلة تلك السنوات. وبحسب رالف نيكسون، بروفيسور الطب النفسي وبيولوجيا الخلية في جامعة «نيويورك لانغون هيلث»، والذي كان يدرس الأسباب المحتملة الأخرى للألزهايمر: «لقد كان الأمر جذاباً للغاية باعتباره الحل السحري... كان الاستثمار في هذه الفرضية ضخماً لدرجة أنه أدّى إلى استبعاد أي فكرة أخرى». فعلى أرض الواقع، ما زالت هذه الفرضية هي المهيمنة وشركات صناعة الأدوية تنتظر نتائج تجارب ثلاثة أدوية أخرى لخفض «الأميلويد»، من «Eli Lilly» و«Roche» و«Eisai»، فإذا فشلت جميعها، لن يعود هناك مؤيدين لفرضية «بروتين أميلويد» ما سيقلّص التمويل الخاص والحكومي، في انتظار فرضية بديلة.

في الـ14 من تموز الفائت، أضافت مجلة «نيتشر» ملاحظة على الدراسة بفرضية «الأميلويد» المنشورة عام 2006، تقول التالي: «لقد تم تنبيه محرّري مجلة نيتشر للمخاوف المتعلقة ببعض البيانات الواردة في هذه الورقة. تتحرّى نيتشر في هذه المخاوف، وسيتبعها رد تحريري آخر في أقرب وقت ممكن. في غضون ذلك، يُنصح القراء بتوخّي الحذر عند استخدام النتائج الواردة فيه».

ما الذي نعلمه عن مرض الزهايمر، من يصيب وما هي عوارضه؟

- هو مرض تنكسي عصبي يتميز ببداية خادعة وتطور تدريجي للخلل الإدراكي، وتأثيره على الوظائف اليومية الشائعة والأعراض العصبية والنفسية. من الواضح أنه السبب الأكثر شيوعاً لتطور الخرف - ويسمى أيضاً خَرَف الزهايمر - وبالتالي فهو سبب 50 إلى 60% من جميع حالات الخرف. إن هذا المرض يرتبط بتراكم بروتينات «بيتا أميلويد» ما بين الخلايا العصبية و«تاو» داخل الخلايا العصبية في الدماغ.

من الناحية السريرية، يتجلى عادةً في شكل تأثير واضح على الذاكرة قصيرة المدى، وبدرجة أقل، يؤثّر على المجالات المعرفية الأخرى مثل اللغة أو الوظائف التنفيذية أو الوظائف أو الممارسة البصرية المكانية. 80% من المرضى يصابون بهذا المرض ما بعد عمر الـ70سنة، بمعنى أنه نادراً ما يصيب الأشخاص ما دون عمر الـ60 سنة.

لا يزال من غير الواضح ما الذي يبدأ بالضبط عملية التنكس العصبي. ومع ذلك، هناك اتفاق عام على أن تراكم «بيتا أميلويد» في الدماغ هو سمة شائعة مبكرة نسبياً للمرض. وأظهرت العديد من الدراسات أن هذه العملية تبدأ قبل ظهور الأعراض السريرية الأولى بسنوات عديدة. كما أنه في وقت لاحق، لوحظ فرط في مستوى «تاو» وتلف في الخلايا العصبية، والذي يتجلى من خلال زيادة مستوى «تاو» في السائل الشوكي.

تعليق على تحقيق مجلة «ساينس»؟

- برأيي يجب تأكيد ما وجده ماثيو شراغ، عبر عدّة دراسات لاحقة. قد يكون شراغ مخطئاً أو على صواب، لذا يجب الانتظار للتأكد أكثر من نتائجه لا سيما بأنه توجد الكثير من المراجع الموثوقة تؤكد ما وجدته دراسة عام 2006.

هل حصول «تزوير» في نتائج الأبحاث الطبية أمر شائع؟

- هناك الآلاف من النتائج المنشورة التي عمّمت نتائج خاطئة. وهذا أمر شائع للأسف في مجال العلوم، خاصة أخيراً، وغالباً ما تكون هذه المقالات منشورة في مجلات غير ذي قيمة، أي ليس لها عامل تأثير. أما بالنسبة إلى المجلات الموثوقة، فيوجد رقابة أشدّ على ما يُنشر. رغم ذلك، يمكن لبعض العلماء تمرير أفكار مغلوطة. مع الأسف هناك دائماً مجال للتزوير والكذب. أما أكثر ما يثير قلقي، هو التعليم، خصوصاً إذا تبيّن أن ما كشفته «ساينس» قد أثبت بشكل نهائي، سيكون بمثابة كارثة علمية. لأن لو فرضنا أننا ندرّس معلومات مغلوطة بناءً على مراجع مغلوطة، فطلابنا سيبنون أبحاثهم وأفكارهم بناءً على تلك المعلومات، وفي نهاية المطاف سيكون المرضى هم المتضرر الأكبر.

اضف تعليق