لا أحد يتوقع أن تبدأ المشكلة من فنجانٍ صغير، يشرب على عجل، قبل الدواء بدقائق. مشروب يتعامل معه الناس كطقسٍ يومي عابر، لكنه في الحقيقة لاعب خفي يتدخل في حركة الأدوية داخل أجسامنا، يسرع امتصاص بعضها، ويعطل مفعول أخرى، ويرفع من خطورة ثالثة. فجأة يصبح الكافيين بكل بساطته قادرًا على تحويل العلاج إلى عبء...
لا أحد يتوقع أن تبدأ المشكلة من فنجانٍ صغير، يشرب على عجل، قبل الدواء بدقائق. مشروب يتعامل معه الناس كطقسٍ يومي عابر، لكنه في الحقيقة لاعب خفي يتدخل في حركة الأدوية داخل أجسامنا، يسرع امتصاص بعضها، ويعطل مفعول أخرى، ويرفع من خطورة ثالثة. فجأة يصبح الكافيين بكل بساطته قادرًا على تحويل «العلاج» إلى «عبء»، وعلى تغيير نتائج أدوية يتناولها ملايين البشر حول العالم.
في هذا التقرير، نفتح الملف الذي يغيب عن كثيرين: كيف تؤثر القهوة على فعالية أشهر الأدوية؟
من المسكنات التي يشرب الناس معها القهوة بلا تفكير، مرورًا بأدوية الضغط والسكري والربو، وصولاً إلى مضادات الاكتئاب… هنا تكشف التفاعلات التي قد ترفع الجرعة، أو تخفّف المفعول، أو تقود إلى آثار جانبية لا علاقة لها بالمرض نفسه.
هذا ليس تحذيرًا من القهوة، بل محاولة لفهم حدودها عندما تتقاطع مع الدواء؛ فهناك حالات يكون فيها الفنجان ضرورة، وأخرى يتحول فيها إلى خطر صامت.
وفيما يلي أبرز الأدوية التي يُفضّل عدم تناولها مع القهوة:
1_ مسكنات الألم الشائعة
يبدي الكافيين تأثيراً مفاجئاً مع أدوية مثل الإيبوبروفين والباراسيتامول، إذ يمكنه تعزيز فعاليتها بنسبة تصل إلى 10%. ويُرجّح الباحثون أن الكافيين يساعد الجسم على امتصاص الدواء بسرعة أكبر، ويُبقيه في الدم لفترة أطول.
لذلك يمكن تناول فنجان القهوة مع جرعة المسكّن، لكن يُنصح بعدم المبالغة في الكافيين لتجنب آلام المعدة أو زيادة ضربات القلب.
2_ مميعات الدم
وتعمل أدوية مثل "وارفارين" على منع التجلط، بينما يقلل الكافيين سرعة التخثّر أيضاً. اجتماع الاثنين قد يؤدي إلى سهولة النزيف وظهور كدمات.
لذا ينصح بتقليل الكميات إلى الحد الأدنى واستشارة الطبيب. نقلًا عن موقع (العربية نت).
3_ أدوية البرد والحساسية
تحتوي العديد من أدوية البرد والحساسية على منبهات للجهاز العصبي المركزي، مثل السودوإيفيدرين. ولأن القهوة منبهة أيضًا، فإن خلطها مع أدوية البرد والحساسية قد يسبب الأرق والتوتر واضطرابات النوم. كما يجب على مرضى السكري توخي الحذر الشديد عند تناول السودوإيفيدرين والكافيين معًا، إذ تشير الدراسات إلى أن هذا المزيج قد يرفع مستوى السكر في الدم ويزيد من درجة حرارة الجسم.
4_ أدوية الربو
الربو هو حالة تؤثر على الرئتين والممرات الهوائية، مما يؤدي إلى صعوبة في التنفس والسعال المزمن والصفير.
موسعات الشعب الهوائية هي أدوية لعلاج الربو تعمل على إرخاء مجاري الهواء وتسهيل التنفس. تشمل الآثار الجانبية للدواء الأرق، وتسارع نبضات القلب، والصداع، والانفعال.
وفق ما نشره موقع (Verywell) يمكن أن يؤدي الكافيين إلى تفاقم هذه الآثار الجانبية وتقليل كمية الدواء التي يمكن أن تمتصها مجاري الهواء لديك.
تجنب شرب القهوة عندما تحتاج إلى استخدام موسعات الشعب الهوائية.
5_ أدوية الغدة الدرقية
يعد ليفوثيروكسين، العلاج القياسي لقصور الغدة الدرقية، شديد الحساسية للتوقيت، وقد تعيق قهوتك الصباحية ذلك. نشر موقع (الجزيرة نت) تشير الدراسات إلى أن شرب القهوة بعد تناول ليفوثيروكسين مباشرة قد يقلل من امتصاصه بنسبة تصل إلى 50%.
يسرّع الكافيين حركة الأمعاء (حركة الطعام والفضلات عبر الجهاز الهضمي)، مما يقلل من الوقت المتاح لامتصاص الدواء، وقد يرتبط به في المعدة، مما يصعّب على الجسم امتصاصه. تقلل هذه التأثيرات من التوافر البيولوجي للدواء، مما يعني وصول كمية أقل منه إلى مجرى الدم عند الحاجة. هذا التفاعل أكثر شيوعا مع أقراص ليفوثيروكسين، وأقل احتمالا مع التركيبات السائلة.
6_ أدوية السكري
إذا خلطتَ قهوتك بالسكر أو الحليب، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاعٍ حادٍّ في سكر الدم، مما يؤثر على فعالية دواء السكري. قد يُفاقم الكافيين أعراض مرضى السكري.
ذكر موقع (Health) تناول أي مشروب يحتوي على الكافيين، مثل القهوة، قد يرفع مستويات الأنسولين والسكر في الدم. الإفراط في تناول الكافيين قد يُصعّب التحكم في سكر الدم ويزيد من خطر الإصابة بمضاعفات السكري. هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير القهوة على التحكم في السكري.
يُعدّ داء السكري ومرحلة ما قبل السكري من الحالات الشائعة جدًا في الولايات المتحدة. ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن أكثر من 38 مليون شخص في الولايات المتحدة مصابون بداء السكري، وأكثر من 97 مليونًا مصابون بمرحلة ما قبل السكري. ولا يعلم معظم الناس بإصابتهم بمرحلة ما قبل السكري.
7_ مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان
في ما يتعلق بأدوية الصحة النفسية والعقلية، فإن تفاعلاتها مع الكافيين تحمل تأثيرات أكثر تعقيداً مقارنة مع غيرها من الأدوية.
"مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية" SSRIs، من قبيل "السيرترالين" Sertraline و"السيتالوبرام" Citalopram تبقى من أكثر مضادات الاكتئاب شيوعاً، وتستخدم لعلاج الاكتئاب والقلق وغيرهما من اضطرابات نفسية [من طريق زيادة مستويات هرمون السعادة "السيروتونين" في الدماغ]. وتشير دراسات مخبرية إلى أن في مقدور الكافيين الارتباط بهذه الأدوية في المعدة [على المستوى الجزيئي]، مما يقلص من نسبة امتصاصها ويضعف فاعليتها العلاجية.
أما "مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقات" Tricyclic antidepressantأو اختصاراً TCAs [التي تزيد تأثير "السيروتونين" و"النورادرينالين"، علماً أن الأخير يسهم في استنفار الدماغ والجسم للعمل]، مثل "الأميتريبتيلين" Amitriptyline و"الإيميبرامين" Imipramine، فتندرج ضمن الجيل الأقدم من مضادات الاكتئاب، وتعمل من خلال التأثير في مستويات الناقلات العصبية في الدماغ. وعلى رغم فاعليتها المعروفة، أصبح استخدامها اليوم أقل شيوعاً مقارنة مع الأدوية الأحدث مثل "مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية"، نظراً إلى احتمال تسببها بآثار جانبية أكبر وارتفاع الخطر الناجم عن تناول جرعات زائدة.
تحدث عملية تفكيك "مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقات" (TCAs) في الكبد بواسطة "سي واي بي1 أي 2" (CYP1A2)، علماً أنه الإنزيم المسؤول أيضاً عن أيض أو استقلاب الكافيين [بمعنى تفكيكه في الجسم وتحويله إلى مركبات أخرى قابلة للامتصاص والإخراج]. من ثم، يؤدي التنافس بين الدواء والكافيين على هذا الإنزيم إلى إبطاء تفكك الدواء، مما يفاقم الآثار الجانبية، أو يؤخر تخلص الجسم من الكافيين، فيجعلك ذلك تشعر بالتوتر أو الأرق فترة أطول من المعتاد.
وينطبق التأثير نفسه على "الكلوزابين" Clozapine، أحد الأدوية المضادة للذهان التي يفككها الجسم أيضاً [إلى مركبات نشطة أو قابلة للإخراج] بواسطة الإنزيم ذاته. وقد أظهرت إحدى الدراسات أن شرب كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة يرفع مستويات "الكلوزابين" في الدم بنسبة تصل إلى 97 في المئة، مما يزيد من احتمال الشعور بالنعاس والارتباك، أو يفضي في بعض الحالات إلى مضاعفات أكثر خطورة. نقًلا عن (اندبندنت عربية).
8_ أدوية ضغط الدم
تستخدم حاصرات بيتا، مثل بروبرانولول وأتينولول، وحاصرات قنوات الكالسيوم، بما في ذلك فيراباميل، لخفض ضغط الدم المرتفع.
وأشارت جاكوي لي، مسؤولة سلامة الأدوية وصيدلانية المعلومات، إلى أن كليهما يمكن أن يتفاعل مع الكافيين. وحذرت قائلة: "قد يعارض الكافيين تأثيرات حاصرات بيتا ويزيد من ضغط الدم".
بحسب ما نشرته صحيفة (ذي صن) يمكن لحاصرات قنوات الكالسيوم، أن تزيد من تركيز الكافيين في الدم. ونتيجة لذلك، فإن المشروبات مثل الشاي والقهوة والكولا وبعض الأدوية، مثل المسكنات التي تحتوي على الكافيين، يمكن أن تسبب آثارا ضارة عند دمجها مع الأدوية، مثل العصبية أو الأرق.
9_ أدوية القلب
قد يرفع الكافيين معدل ضربات القلب مؤقتا، ويستمر هذا التأثير عادة من 3 إلى 4 ساعات بعد تناوله.
إذا كنت تتناول أدوية تنظّم ضربات القلب غير المنتظمة (اضطرابات نظم القلب)، فقد يعيق ذلك مفعول الدواء.
هذا لا يعني أنه يجب على الأشخاص المصابين بأمراض القلب تجنب القهوة تماما، ولكن يجب عليهم مراقبة تأثيرها على أعراضهم، والنظر في الحدّ من تناولها أو استبدالها بقهوة منزوعة الكافيين عند الحاجة. بحسب ما نشره موقع (الجزيرة نت).
الخلاصة
في النهاية، كشفت بهذا الملف أن القهوة ليست مجرد مشروب روتيني، بل عنصر قادر على تغيير مسار مفعول كثير من الأدوية التي يعتمد عليها الناس يوميًا. بعض التفاعلات تجعل الدواء أسرع تأثيرًا، وأخرى تضعف امتصاصه أو تضاعف آثاره الجانبية، ما يجعل الكافيين طرفًا غير مرئي في نتائج العلاج. لذلك لا يطلب من المريض التخلي عن فنجانه، بل معرفة التوقيت المناسب، والحد المعقول، واستشارة الطبيب عند تناول أي علاج حساس للتفاعل مع الكافيين. فالتوازن بين الدواء والقهوة قد يكون الفرق بين علاجٍ يعمل… وآخر يتعثر دون أن نعرف السبب.



اضف تعليق