بقلم محمد السيد علي

قبل أكثر من عامين، استيقظ العالم على تفشِّي جائحة "كوفيد-19"، التي تشير التقديرات "المعلنة" الصادرة عن جامعة "جونز هوبكينز" الأمريكية إلى أنها أصابت نحو نصف مليار شخص وأودت بحياة أكثر من ستة ملايين.

لكن دراسة نشرتها دورية "ذا لانسيت" –في وقت مبكر من صباح اليوم "الجمعة"، 11 مارس- حذرت من أن "العدد الحقيقي للوفيات الناتجة عن الإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجد قد يبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المُعلن في سجلات الوفيات الرسمية".

وتُقدم الدراسة أول تقديرات تمت مراجعتها من قِبل الأقران للوفيات الزائدة بسبب جائحة "كوفيد-19" على مستوى العالم في 191 دولة على مدار عام، وتحديدًا في الفترة من 1 يناير 2020 وحتى 31 ديسمبر 2021.

إحصائيات الوفاة

وتُعد إحصائيات الوفاة أمرًا بالغ الأهمية في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالصحة العامة، وتختلف معدلات الوفيات من وقت إلى آخر ومن مكان إلى آخر، ويزداد الأمر أهميةً في ظل تفشِّي جائحة "كوفيد-19".

وفي حين أن عدد الوفيات الرسمي المُعلن بسبب الوباء خلال مدة الدراسة كان 5.9 ملايين شخص، فإن الدراسة الجديدة "تقدر حدوث 18.2 مليون حالة وفاة زائدة خلال الفترة نفسها، ما يشير إلى أن التأثير الكامل للوباء ربما كان أكبر بكثير من المُعلن".

من جهته، يشدد كريستوفر موراي -أستاذ ورئيس قسم علوم المقاييس الصحية بجامعة واشنطن ومدير معهد القياسات الصحية الأمريكي، وأحد المشاركين بالدراسة- على أن "معدل الوفيات المفرط بكوفيد-19 هو المقياس الأكثر قابليةً للمقارنة والأكثر دلالةً لتأثير الوباء".

يقول "موراي" في تصريحات لـ"للعلم": إن فهم التبايُن في معدل الوفيات الزائدة عبر البلدان يمكن أن يساعدنا على استنتاج السياسات التي تُنفذها الحكومات، والتي كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على عدد الوفيات نتيجة الجائحة، لكن اللافت للنظر أنه كان هناك الكثير من الوفيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أكثر مما تشير إليه الأرقام الرسمية المُعلنة، لقد كان للوباء تأثير كبير في جميع المناطق.

ووفق الدراسة التي حملت كثيرًا من الأرقام الصادمة، فإن الوفيات الزائدة -الفرق بين عدد الوفيات المُسجلة من جميع الأسباب والعدد المتوقع بناءً على الاتجاهات السابقة- هي مقياس رئيسي للعدد الحقيقي للوفيات بسبب الوباء، وفي حين كانت هناك عدة محاولات لتقدير الوفيات الزائدة بسبب الوباء، إلا أن معظمها كان محدودًا في النطاق الجغرافي بسبب توافُر البيانات.

ويُرجع الباحثون هذا التفاوت الكبير إلى أسباب عدة، أهمها "نقص التشخيص بسبب نقص الاختبارات والمشكلات المتعلقة بالإبلاغ عن بيانات الوفيات، والتمييز بين الوفيات الناجمة مباشرةً عن كورونا المستجد وتلك التي حدثت كنتيجة غير مباشرة للوباء".

تحليل البيانات

استندت الدراسة في أرقامها إلى بيانات أسبوعية أو شهرية عن الوفيات من جميع الأسباب في 2021 و2020 وحتى 11 سنة سابقة لـ74 دولة و266 ولاية ومقاطعة من خلال عمليات البحث في المواقع الحكومية وقاعدة بيانات الوفيات العالمية وقاعدة بيانات الوفيات البشرية ومكتب الإحصاء الأوروبي، وتم استخدام البيانات لتقدير الوفيات الزائدة بسبب الجائحة، بما في ذلك المواقع التي لا تتضمن تقارير أسبوعية أو شهرية عن بيانات الوفيات.

ولتقدير الوفيات الزائدة، استعان الباحثون بوسائل تحليل البيانات التي تعتمد على النمذجة التنبئية، للتغلب على حقيقة أن "سجلات الوفيات غير مُكتملة في جميع أنحاء العالم"، واستهدفوا من وراء ذلك التعرف على معدل الوفيات الزائد بالمناطق والبلدان، والفترات التي لم تتوافر فيها معطيات الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب.

واستندت تلك النماذج التنبئية إلى 15 متغيرًا ساعدت على إجراء هذا التحليل، تتضمن المتغيرات المشتركة المتعلقة بجائحة "كوفيد-19" مثل انتشار الأمصال ومقاييس صحة السكان ومؤشر الجودة والوصول إلى الرعاية الصحية.

ويُقدر معدل الوفيات الزائدة بـ120 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة على مستوى العالم، وتشير التقديرات إلى أن 21 دولةً لديها معدلات أكثر من 300 حالة وفاة زائدة لكل 100 ألف من السكان، كما تشير التقديرات إلى أن معدلات الوفيات الزائدة قد اختلفت بشكل كبير وفق البلد والمنطقة.

مصر

فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد حل اليمن في المرتبة الأولى من حيث معدل التقديرات غير الصحيحة للأعداد؛ إذ بلغ عدد الوفيات المعلنة 1980، في حين بلغت الوفيات الزائدة التي قدرتها الدراسة 65600، وهي أكثر بنحو 33 مرة من العدد المُعلن، وحلت أفغانستان في المرتبة الثانية، بـ7360 وفاة مُعلنة مقابل 192 ألف وفاة قدّرتها الدراسة، وهي أكثر بنحو 26 مرة من العدد المُعلن، وجاء السودان في المرتبة الثالثة؛ إذ أحصى 3330 وفاة مُعلنة، في حين بلغ عدد الوفيات التي قدّرتها الدراسة 83600، وهي أكثر بنحو 25 مرة من العدد المُعلن.

وجاءت مصر في المرتبة الرابعة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث بلغ عدد الوفيات المعلنة خلال فترة الدراسة 21800، في حين قدرت الدراسة عدد الوفيات بين المصريين بـ265 ألفا، وهو أكثر بنحو 12 مرة من العدد المُعلن، وحلت مصر في المرتبة الخامسة عربيًّا بعد كلٍّ من الصومال (معدل تفاوت بلغ أكثر من 66 مرة) واليمن (معدل تفاوت بلغ أكثر من 33 مرة) والسودان (معدل تفاوت بلغ 25.12 مرة) وجيبوتي (معدل تفاوت بلغ أكثر من 20 مرة) في التفاوت بين الأعداد المعلنة ومقدار الوفيات الزائدة.

وتلاها المغرب في المرتبة الخامسة بـ14800 وفاة مُعلنة، مقابل 157000 وفاة مُقدّرة، بأكثر من 10 أمثال العدد المُعلن أيضًا، وحلت في المرتبة الـ21 والأخيرة في الترتيب دولة الكويت بـ2470 وفاة مُعلنة، مقابل 3560 وفاة مُقدّرة، بنسبة خطأ في التقدير بلغت 1.44 فقط، وقُدر معدل التفاوت في الإمارات العربية المتحدة بـ4.32 مرات، والمملكة العربية السعودية بـ3.7 مرات.

المستوى العالمي

أما على المستوى العالمي، فقد جاءت بوليفيا في المرتبة الأولى في نسب التقديرات غير الصحيحة لوفيات "كوفيد-19"؛ إذ توفي فيها عدد أكبر بـ734 مرة من العدد المُعلن، في حين جاءت بلغاريا في المرتبة الثانية بـ647 مرة، تليها إستونيا في المرتبة الثالثة بنحو 634 مرة من العدد المُعلن.

وعلى مستوى المناطق، كانت أعلى معدلات الوفيات الزائدة المُقدرة في منطقة الأنديز في أمريكا اللاتينية (512 حالة وفاة لكل 100 ألف من السكان)، وأوروبا الشرقية (345 حالة وفاة لكل 100 ألف)، وأوروبا الوسطى (316 حالة وفاة لكل 100 ألف)، وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (309 حالات وفاة لكل 100 ألف)، وأمريكا اللاتينية والوسطى (274 حالة وفاة لكل 100 ألف).

وتشير التقديرات إلى أن العديد من المواقع خارج هذه المناطق لديها معدلات عالية مماثلة، بما في ذلك لبنان وأرمينيا وتونس وليبيا، والعديد من المناطق في إيطاليا، وعدة ولايات في جنوب الولايات المتحدة.

ومع تسجيل 5.3 ملايين حالة وفاة مُقدّرة، كان لجنوب آسيا أكبر عدد من الوفيات الزائدة المُقدّرة بسبب الوباء، تليها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (1.7 مليون) وأوروبا الشرقية (1.4 مليون).

وعلى المستوى القُطري، سُجل أكبر عدد من الوفيات الزائدة المُقدرة في الهند (4.1 ملايين)، والولايات المتحدة الأمريكية (1.1 مليون)، وروسيا (1.1 مليون)، والمكسيك (798 ألفًا)، والبرازيل (792 ألفًا)، وإندونيسيا (736 ألفًا)، وباكستان (664 ألفًا)، وقد تكون هذه البلدان السبعة مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات المُقدرة عالميًّا الناجمة عن الوباء على مدى 24 شهرًا، وفق الدراسة.

الإبلاغ الدقيق

من جهته، يؤكد "هايدونج وانج" -أستاذ الصحة العالمية المساعد بقسم علوم المقاييس الصحية بجامعة واشنطن، والباحث الرئيسي للدراسة- أن البيانات التي رصدتها الدراسة تكشف أن الخسائر الحقيقية للوباء أعلى بكثير مما تشير إليه وفيات "كوفيد-19" المُعلنة.

يقول "وانج" في تصريحات لـ"للعلم": نظرًا إلى خطورة الوباء وسرعة انتشاره، تأتي أهمية الإبلاغ الدقيق وفي الوقت المناسب عن بيانات الإحصاءات الحيوية للسكان (بيانات متراكمة تجمعها الدول عن المواليد الأحياء والوفيات والهجرة ووفيات الأجنة والزواج والطلاق)؛ إذ إن العديد من بلدان العالم ليس لديها نظام فعال للتسجيل الحيوي، ما يعوق تقييم أعباء المرض، يضيف "وانج" في حديثه لـ"للعلم": الدراسة الحالية شملت كلا الجنسين مجتمعين، ولم نتطرق إلى تصنيفات تتعلق بعوامل مثل العمر، ونخطط لتوسيع نطاق تقييمنا وفق العمر والجنس بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.

اضف تعليق