من بين البحوث والدراسات التي أجريت للتحري عن صفات فايروس كورونا الجديد "كوفيد19" هي تلك التي بينت نقاط القوة والضعف التي يمتلكها الإنسان لمقاومة هذا الفايروس الشرس الذي تبارز رغم تناهيه بالصغر مع أرقى خلائق الله في هذا الكون. تحامل كوفيد19 على الإنسان فاستغل نقاط ضعفه وهاجمها ليبدأ صراعا مريرا معه. نقاط القوة والضعف في ذات الإنسان تتركز في مقدار مناعة الجسم للتصدي لهذا العدو وألخصها بالعوامل التشريحية، الفسلجية، الصحية والدوائية التالية:

أولا: عمر الإنسان، مقاومة الإنسان ضد الجراثيم والأوبئة بشكل عام تتراجع كلما ابتعد المرء بعمره فتبدأ بالضعف المحسوس منذ بداية العقد الخامس من العمر وتتناقص بشكل تدريجي كلما يزداد عمر الإنسان ويتقدم. كوفيد19 يكون أشد فتكا وأكثر خطورة عند كبار السن لأن جهازهم المناعي لا يستجيب بسرعة للطوارئ ولهجمات الكائنات الغريبة المضرة التي تهاجم الجسم كالجراثيم على الأغلب. يستغل هذا الكائن غير الحي المسبب لوباء" كوفيد19" ضعف مقاومة الجسم له فينقض على الخلايا الرئوية ويجعلها تكاثره بكثافة، أي تصنع منه أعداد هائلة من النسخ، حتى تتحطم وتحرر أعداد كبيرة من هذه الفايروسات لتلتهم خلايا رئوية أخرى، مع إطلاق كميات كبيرة من سموم هذا الفايروس التي تنتشر الى سائر أعضاء الجسد.

ثانيا: حالة الإنسان الصحيّة، دون شك مناعة الإنسان تحكمها حالته الصحيّة العامة أيضا، فالأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة تقل المناعة لديهم أمام كوفيد19. المرضى الذين تشملهم الخطورة هم من لديهم أمراض الرئة والتهاباتها المزمنة، والذين يشكون من حالات الربو الشديدة، أو الذين يعانون من أمراض القلب وقصوره، أو السكري والسمنة الشديدة، أو السرطانات بإختلاف أنواعها وأسبابها، أو الذين يصابون بحروق شديدة وجروح عميقة وغيرهم. هناك أيضا من الناس من لديهم نقصا أوليا أو وراثيا في مناعتهم، جميع هؤلاء تكون المناعة لديهم ضعيفة ويكونون عرضة لمهاجمة هذا الفايروس وحصول المضاعفات.

ثالثا: الأدوية، هناك الكثير من الأدوية التي تضعف مناعة الجسم عند إستعمالها وأهمها مركبات "الكورتيزون" التي يستخدمها المريض في الكثير من العلاجات لأمراض الحساسيّة والربو وبعض أنواع السرطانات وبعض الإلتهابات الحادة وفي خلل المناعة الذاتي وغيرها. كما أن عقار "السايكلوسبورين A" مضعف شديد للمقاومة ويستخدم عادة لمن زرعت لهم أعضاء جديدة كي لا يحصل الرفض الجسماني لها. كما بينت الدراسات الجديدة أن أدوية إلتهابات المفاصل مثل الـ "بروفين" وغيره تضعف أيضا مقاومة الجسم إزاء هذا الفايروس. كما أن لأدوية السرطانات كالعلاج الكيمياوي والإشعاعي وبعض المضادات الحيوية تعتبر مضعفات أكيدة للمناعة.

رابعا: حالة التغذية، الغذاء المتوازن عند الإنسان يعتبر حالة ضرورية للحفاظ على مقاومته ضد الأمراض، حيث أن الخلل الحاصل في طبيعة التغذية وتوازنها تجعل الإنسان عرضة للإصابة بالجراثيم على مختلف أنواعها. حاجة الإنسان المتوازنة لكافة أنواع الأغذية من فواكه وخضروات وحبوب وبقوليات وأسماك وغيرها، تعتبر ضرورية في الحفاظ على صحة الإنسان ومقاومته لإحتوائها على الفيتامينات المختلفة وخصوصا مجموعة فيتامينات BوD وA وC، والأملاح الضرورية التي من شأنها تقوية مناعة البشر بشكل عام. كما يحبذ الإمتناع أو على الأقل التقليل من الدهون والسكريات التي لها آثار سلبية على المقاومة.

خامسا: فصيلة الدم، أظهرت الإحصاءات الأخيرة في مدينة ووهان في الصين والتي بحثت في عدد الإصابات بكوفيد19 نسبة الى فصائل الدم، أن حملة فصيلة الدم " O " يقاومون كوفيد19 أكثر من باقي فصائل الدم بنسبة 30 بالمائة، بينما حملة فصيلة الدم " A " تكون مقاومتهم للفايروس أقل بنسبة 20 بالمائة عن سائر فصائل الدم الأخرى. ويعزي العلماء هذه النتائج الى وجود مولودات المضاد "Antigens" على سطوح خلايا الدم التي تستقبل الفايروس وتساعد على ولوجه في الخلايا الأخرى.

سادسا: الجنس، بينت المعلومات الواردة من نفس مراكز البحوث المختصة في شأن كوفيد19 في الصين، بان الذكور يكونون أكثر عرضة للإصابة بهذا الفايروس من الإناث بشكل عام، حيث أثبتت الإحصائيات على المرضى تدعمها التجارب على الحيوانات " الفئران"، بأن الهرمون الأنثوي المسمّى بالـ " إيستروجين" يحمي النساء الى حد ما من كوفيد19، كما بينت بعض الدراسات بأن الكروموسوم الأنثوي "ْX" يلعب أيضا دورا في التصدي المحدود لهذا الفايروس نتيجة لفعالية جين خاص مرتبط به.

سابعا: الثقافة الصحيّة: دون شك الثقافة الصحيّة تلعب دورا هاما في التصدي للأمراض بشكل عام والوباءات بشكل خاص. التقيّد بالتعاليم الموجهة في التصدي للوباء أمر ضروري لا مناص منه، وهذا التقيد والإلتزام يقوم على نحو فردي وعلى نحو مجتمعي يرتبط أحدهما بالآخر. بينت وسائل الإعلام الصحية في كل مكان أهمية مواجهة هذا الوباء على صعيد فردي بتجنب الإحتكاك مع الآخرين، وغسل اليدين مرارا وتكرارا عند لمس أجسام خارج أماكن السكن، وتغطية الأنف والفم بالمناديل أو اليد عند العطاس أو السعال، ولبس الأقنعة والنظارات في الأماكن المزدحمة وغيرها. تصدي المجتمع للوباء أمر أساسي وضروري، حيث أن كوفيد19 مرض مجتمعي بإمتياز، ينقله أفراد المجتمع وينشره جهل المجتمع ويتصدى له وعي المجتمع.

منع أماكن التجمهر والتواجد الجماعي بكل أنواعه هو أمر أساسي وضرورة قصوى، بث المعلومات الصحيحة عن الوباء وإسقاط البدع والضلالات التي يتكاثر تراودها في أوساط التواصل الإجتماعي والتي قد توهم البعض وتخترق أفكارهم. النظافة وتطهير الأجسام والحاجات التي يمكن أن يلتصق بها الفايروس مهمة فردية مجتمعية على حد سواء، حيث أن لهذا الفايروس صفة خاصة وهي إلتصاقه وعيشه لفترات زمنية مختلفة قد تكون طويلة على سطوح الأجسام المختلفة.

ثامنا: الإستقرار النفسي، من مضعفات مناعة الإنسان هي القلق النفسي والوسواس والكآبة والخوف المزمن. ربما ليس من السهل إقناع الناس بالتخلي عن قلقهم في حياة لا تخلو من إرهاصات ودواعي القلق، غير أنه لابد أن يدرك المرء بأن مقاومته للأمراض بشكل عام ولهذا الوباء بشكل خاص تعتمد بشكل ملموس على حالته النفسية وإستقراره.

تاسعا: التمارين الرياضية: التمارين الرياضية وخصوصا في الهواء الطلق ضرورة صحية كي يتسنى للدم التحرك بنشاط وقوة في الأوعية الدموية المختلفة في جسم الإنسان. هذا يعني نشاطا في تزويد أعضاء الجسم بكريات الدم الحمراء والبيضاء والتي من شأنها تنظيف الجسم من الأجسام الغريبة والسموم من جهة، وتزويده بكميات كافية من الأوكسجين وطرح الغازات الضارة منه من جهة أخرى، إضافة الى تنقية النفس من خمولها وكآبتها. كل هذه الأسباب من شأنها تقوية مناعة الجسم وإعانته على التصدي.

عاشرا: الإلتهابات، يعاني الكثيرون من وجود إلتهابات حادة أو إلتهابات مزمنة كإلتهابات الكبد المزمنة في أجسامهم أو غيرها، هذه الإلتهابات قد تكون ناشئة عن بكتريا أو فايروسات أو فطريات أو طفيليات أو ديدان. معالجة هذه الإلتهابات أمر ضروري ومفيد لتقوية مناعة الجسم. ربما تختلف درجات نقص المناعة نتيجة الإصابة بهذه الكائنات غير أن هناك من الفايروسات ما تحطم مناعة الفرد بشكل قاسي وخطير كفايروسات "الإيدز" مثلا.

إحدى عشر: الراحة وعدم الإجهاد، السهر وقلة النوم والإجهاد الجسدي والفكري المستمر تعتبر عوامل مضعّفة للمناعة، فلابد من النوم المبكر الذي من المحبذ ألاّ يقل عن سبع ساعات يوميا لإعطاء خلايا الجسم قسطا ضروريا من الراحة.

أثنا عشر: الأفكار المتطرفة والضارة، كلما تتعرض المجتمعات الى ظروف استثنائية تظهر أفكار وردود أفعال يتطرف بعضها بين التهويل والتهوين ويخرج عن سكة الصالح والمعقول! منذ أن أعلن وباء كوفيد19 ونحن نسمع عن عقاقير وأخبار وأفكار قد تصل حد الضلالة. لم تقتصر هذه الامور على بسطاء المجتمع فحسب، بل إمتدت بعيدا الى بعض من بيدهم مصائر شعوبهم! اتفقت كثيرا بعض الرؤى وخصوصا بين الغربيين على أن وباء كوفيد19 هو ليس أخطر من الإنفلونزا الموسمية الكلاسيكية، ولابد أن يسري بالمجتمع كي تبنى له مناعة مجتمعية "مناعة القطيع"! هذا التوجه وإن كان يخفي تحت جناحه مقاصد سياسية اقتصادية، غير أنه خلق حالة من التهاون والتساهل أمام الإجراءات الأولية الواجب إتخاذها في التصدي للأوبئة.

بنفس السياق أوهمت بعض الجهات المواطنين بإكتشاف أدوية لهذا الوباء وباشرت بنشرها بالإسواق دون معرفة أكيدة بطبيعتها وأثرها على المرض أو مضاعفاتها على جسم الإنسان!.

ثلاث عشر: " عواصف السايتوكين"، تنطلق جزيئات "السايتوكين"، وهي المحفزات المناعية الأولى للجهاز المناعي، بعد مهاجمة البكتريا أو الفايروسات جسم الإنسان. غير أنه في حالات خاصة وخصوصا بولوج مايكروب غريب لا يعرفه الجسم سابقا كما في حالة كوفيد19 حيث يحصل خلل فسلجي يؤدي الى إستمرار إنبعاث هذه المحفزات المناعية بشكل مكثف وفوق الحاجة، مما قد يسبب هذا تلفا شديدا في الرئة أو الكبد أو كلاهما وقد يؤدي الى الموت. هذا يفسّر بعض الوفيات عند من هم في مقتبل العمر بوباء كوفيد19، مما يحتم على الطبيب المعالج الإنتباه وتفادي مضاعفات حصول هذه الحالة قبل أن تحدث أضرارا كبيرة تهدد حياة الإنسان بشكل مفاجىء.

من الفوائد المستقاة من هذه المعلومات هي معرفة الذين هم أكثر عرضة للإصابة بوباء كوفيد19 والأكثر إستجابة لمضاعفاته من جهة، ومن هم الأكثر مناعة والأكبر قدرة للتصدي للمرض والأقل تعرضا للمضاعفات عند إصابتهم به، وذلك من أجل مضاعفة الجهد لحماية الضعفاء وقليلي الحصانة من هذا الوباء ومن مضاعفاته.

* أخصائي علم الأمراض

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3