منذ أن ضرب وباء كورونا الجديد "كوفيد 19" الصين وانتشر منها الى بقاع العالم، بدأنا نسمع ونقرأ عن إكتشافات لعقاقير ضد هذا الوباء أو لقاحات تصنع هنا أوهناك، مما خلق ويخلق أملا حقيقيا في نفوس الناس، ثم لا يلبث هذا الأمل أن يتلاشى وينحسر حتى تعاد الكرّة من جديد ويعود الأمل معها.

هذا لا يعني بأن لا توجد بحوث مكثفة في هذا المجال ولا يعني بأن المختبرات الطبية مقصرة في عملها من أجل خلق عقار مناسب أو لقاح ناجع للتصدي لهذا الوباء القاسي والخطير. غير أن هناك حقائق أولية لابد من كشفها ومعرفتها أولا كي لا يحصل الخلط في الفهم فيستفيد منه أصحاب الأهداف والأجندات الخاصة حينما تبقى الرؤيا غبشة وغير واضحة.

من أولويات الأمور التي يجب معرفتها هو أننا نستطيع محاربة الوباء بطريقتين: الأولى وهي الأكفأ والأهم، هي صناعة لقاح "مصل" ناجح يتصدى للجرثوم "بكتريا أو فايروس" المسبب للمرض كي يحمي الناس منه. هذا اللقاح هو عبارة عن مادة بيولوجيّة تمثل مادة الجرثوم تعطى أو تزرق في جسم الإنسان من أجل تحفيز الجهاز المناعي فيه كي يبدأ بصنع المضادات الجسمية والمسمّاة بـ"الغلوبيولين المناعي" أو الـ "Immunoglobulins"، حيث ستتصدى للجرثوم المقتحم لجسم الإنسان لاحقا وتدمره.

مادة الجرثوم هذه إما أن تكون جراثيم حقيقية مضعفة أو ميتة أو مصنعة من مواد بروتينية تطابق الصيغة البروتينية للجرثوم المقصود. عملية صنع اللقاح تمر بمراحل طويلة ألخصها بما يلي: إكتشاف الصيغة الجينية للجرثوم، صنع اللقاح المناسب له، تجريب اللقاح على الحيوان، تجريب اللقاح على الإنسان "المتطوعين"، دراسة فعالية اللقاح الحقيقية، دراسة المضاعفات والآثار الجانبية الحاصلة في جسم الإنسان جراء تعاطي اللقاح، بعد التأكد من نجاح اللقاح وخلوه من الآثار الجانبية الخطيرة، يطلب الإذن الرسمي بتصنيعه وتسويقه من السلطات الصحيّة، ثم يتم بعد هذا إنتاجه وعرضه في الصيدليات والمستشفيات. هذه الخطوات الحصينة تتطلب فترة زمنية تتراوح بين ستة شهور الى أكثر من سنة كاملة!. أي لا يمكن للقاح أن يتوفر لعامة الناس قبل هذه الفترة الزمنية المحددة والمطلوبة قسرا.

كلما تعلن المختبرات نجاحها في خطوة من خطوات صنع اللقاح، يتبادر الى أذهان الناس المتعطشة للأخبار بأن اللقاح صار جاهزا ومتوفرا وهذا غير صحيح. قد تستفيد بعض الحكومات من هذا الفهم الخاطىء للناس من أجل تهدئة الشعوب الخائفة من هذا الوباء من جهة، والناقمة على حكوماتها التي لم تتعامل بالشكل الصحيح والناجع في التصدي للوباء ضمن المبادئ الأولية المطلوبة والموصى بها من جهة أخرى!.

اللقاح إن توفر فهو لن يستخدم لعلاج من أصيب بالمرض، فهو ليس عقار يشفي المرضى، انما هو وسيلة لمنع العدوى وصد المرض. أي أن المستفيد من اللقاح هم الأصحاء الذين لم يصابوا بالوباء بعد، بعبارة أخرى اللقاح يمنع المرض ولا يشفيه!. تماما عكس الدواء الذي يكون فعله بالعكس، فهو يشفي المرضى من مرضهم ولكن لا يستطيع منع العدوى من الوباء.

من أهم العقارات أو الأدوية التي تداولتها وسائل الإعلام والتي جربت بالفعل على بعض المرضى منذ بداية الوباء في الصين هي عقار الـ "كلوروكوين " وقرينه الآخر "هايدروكسي كلوروكوين". كلاهما يعتبر عقارا فعالا لمرض الملاريا وقد أستخدم منذ القدم لهذا الوباء. أجرى معهد "ليوبولد العالمي للأمراض المتوطنة" في مدينة أنتويربن البلجيكية إختبارات أخرى تحرى فيها عن أثر هذا العقار في علاج الأمراض الناشئة عن فايروسات الكورونا والأيبولا وغيرها. حيث تبيّن ومن خلال الأبحاث بأن هناك فعالية لهذا الدواء ضد هذه الفايروسات خارج الجسم، غير أن التجارب لم تكن كافية لمعرفة تأثيرها الحقيقي ضد الفايروسات داخل الجسم. كما أجرت مختبرات البحوث تجارب أخرى إستنتجت منها فعالية هذا العقار في علاج بعض أمراض التهابات المفاصل وأمراض المناعة الذاتية حيث كانت النتائج واعدة في ذلك.

بعد تجربة الصين لهذا الدواء على مرضاها في معالجة الوباء لم ترد إستنتاجات واضحة تؤكد صلاحيّة هذا الدواء أو فعاليته الحقيقية ضد كوفيد 19 بعد، رغم أن هناك معلومات مسربة تقول بأن هذا العقار قد يخفف من شدة المرض ولكن ليس هناك ما يؤكد بأنه قادر على شفائه. مهما يكن من أمر، فالجهات الصحية العالمية تنظر بترقب كبير للإستنتاجات الصينية بهذا الصدد والتي ربما ستصدر لاحقا.

الضجة الإعلامية الكبيرة بشأن هذا العقار في كثير من دول العالم قد لا تتناسب مع جوهر الحقيقة، حيث قد تختبىء خلف هذه الضجة دوافع سياسية أو إقتصادية أو نفسية أو غيرها. كيف نستطيع تفسير التهليل والتبشير بالعلاج وكأنه المنقذ والمخلص من الوباء دون المعرفة الحقيقة والمستندة على قواعد علمية إحصائية تشير الى فعالية هذا الدواء وقابليته على شفاء المرضى!؟. ثم كيف نفسّر إيعاز بعض الدول لمصانع الأدوية بإنتاج كميات هائلة من هذا الدواء قبل أن نعرف حقيقة فعاليته وصلاحيته في شفاء المرضى!؟.

ان من بدأ بتبرير صلاحيّة هذا الدواء قبل الأوان سيمضي، دون شك، قدما في تبرير نتائج إستعماله على المرضى حتى ولو خالفت الحقيقة!. علينا أن ندرك هذه الحقائق والتحقق منها قبل التطبيل لنتائج وفعالية هذا الدواء المكلف ماديا وربما المضر صحيّا إذ أن إستخدامه لفترات طويلة قد يؤدي الى آثار جانبية قد يكون بعضها مؤذيا، كأذى في شبكيّة العين والذي قد يصل حد العمى! فهل النتائج ستبرر الوسيلة!؟.

أهم الأمور التي يجب أن تثبت كحقائق هي أن المرضى بوباء كوفيد19 ينقسمون الى النسب التالية حسب أعراضهم وشدة مرضهم، قبل إستخدام العلاج المقترح وهي: 80 بالمئة من المصابين لا يحتاجون علاجا إنما يعانون فقط من أعراض بسيطة لا تحتم عليهم الرقود في المستشفيات. 15 بالمائة من المرضى تتطلب حالتهم الرقود في المستشفى لمدة تسعة أيام على الأقل من أجل المراقبة وعلاج الأعراض المرضية الحاصلة لديهم، كإعطاء الأوكسجين أو المضادات الحيوية أو غسل الكلى أو غيرها حسب حاجة المريض، بعدها يمتثلون للشفاء التام ويغادرون المستشفيات. 5 بالمائة من المصابين فقط يحتاجون عناية مركزة وتكون حالتهم خطيرة حيث يتوفى منهم ما يقارب النصف.

إن استخدم علاج "الكلوروكوين" أو رديفة "الهيدروكسي كلوروكوين" فعلى المراقب أن يشاهد إختلافا مميزا وحقيقيّا في هذه النسب، فإن لم تحصل فوارق محسوسة على هذا النحو، فالإستنتاج سيكون واضحا بأن الدواء غير فعال لهذا الوباء!. هذا الإستنتاج مطلب ضروري لأن إستخدام هذا العقار لمرضى حالتهم الصحيّة أصلا خطيرة وتحميلهم آثار جانبية إضافية أخرى بسبب الدواء، قد لا يكون منطقيّا ومقبولا. فعلى المستشفيات التي أستخدمت هذا العقار كعلاج روتيني للوباء عليها أن تظهر نتائجها كي يتم مقارنتها مع النتائج المعروفة بدون إستخدام هذا العقار، كي يستطيع المراقب أن يحدد فعالية الدواء المزعوم قبل إستخدامه عشوائيا فتكون المضرات أكبر من الفوائد!.

من الأدوية التي لا يجب إغفالها والتي من الممكن إعطاءها لمن يبدي أعراضا خطيرة للمرض هو المضادات الجسمية "الغلوبيولين المناعي" للفايروس المقصود، وهذه المواد تستخلص عادة من بلازما دم المرضى الذين أصيبوا بفايروس كوفيد14 وتعافوا منه، حيث تستخلص مادة الغلوبيولين المناعي وتزرق للمرضى الجدد خطيري الأعراض كي تساعد المريض على التصدي والتخلص من الفايروسات المهاجمة. ربما تكون صعوبة إستحصال الغلوبيولين المناعي من المرضى المتعافين والتكلفة الباهظة الملازمة لذلك عقبة هامة إمام إستخدام هذا كوسيلة روتينية متاحة في العلاج.

ملخصا لما جاء أستطيع أن أقول: بأن اللقاح والعقار شيئان مختلفان، فاللقاح يمنع المرض ولا يشفيه والعقار يشفي المرض ولا يمنعه، وبتوفرهما معا يتم التصدي للوباء والتخلص من آثاره. العقار يتطلب البحث والدراسة كي تتأكد فائدته في الإستعمال، واللقاح يتطلب الصبر والانتظار من أجل ساعة الوصول وكلاهما غائب عن الحضور حتى هذه الساعة، ومن يدعي بوجودهما أو وجود أحدهما في الوقت الحاضر هو صانع للوهم!.

* أخصائي علم الأمراض-بروكسل

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

امير محمد فتحي
مصر
محتاج دكتور تركيب ادويه ودكتور استشاري لبعض المعلومات في تركيب الدواء2020-04-06