ربما لا يحتاج الإنسان في نهاية عمره إلى قائمة طويلة بما امتلكه، وإنما إلى قدر أقل من الندم، وعدد أكبر من القلوب التي لم يؤذها، وحقوق لم يأخذها، وأمانات لم يخنها، وأثر طيب يستطيع أن يتركه خلفه. عندها فقط يصبح متاع الدنيا قليلاً في حجمه، كبيراً في معناه...
في غرفة صغيرة، جلس رجل أمام أوراق كثيرة جمعها طوال سنوات. عقود، حسابات، معاملات، صور لمناسبات قديمة، وأشياء كان يظن في وقت ما أنها ستمنحه شعوراً بالأمان. كان قد أمضى جزءاً كبيراً من عمره في العمل حتى يمتلك أكثر، وفي تأجيل أشياء كثيرة إلى وقت لاحق: زيارة شخص يحبه، جلسة طويلة مع أبنائه، راحة كان يحتاجها، وحتى بعض الأسئلة التي كان يخشى أن يسألها لنفسه. وحين هدأ كل شيء من حوله، اكتشف أن الأشياء التي جمعها تستطيع أن تملأ خزانة، لكنها لا تستطيع أن تملأ العمر الذي مضى.
ربما لهذا تأتي الآية القرآنية بهدوء شديد: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. لا تقول الآية إن الدنيا بلا قيمة، ولا تطلب من الإنسان أن يترك عمله أو أسرته أو طموحه، وإنما تعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية. متاع الدنيا موجود، ونحن نحتاج إليه ونفرح به ونسعى إليه، لكنه قليل إذا قورن بما يتصوره الإنسان عنه حين يصبح المال والمنصب والامتلاك معياراً وحيداً للنجاح.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المتاع إلى غاية نهائية. عندها يستطيع الإنسان أن يبرر لنفسه أشياء كثيرة؛ يعمل أكثر مما يحتمل، ينافس أقرب الناس إليه، يؤجل حياته إلى المستقبل، يقيس قيمته بما يملكه الآخرون، ويعيش في خوف دائم من فقدان ما جمعه. وقد يصل إلى لحظة يكتشف فيها أن حياته أصبحت مشروعاً لإدارة الممتلكات والسمعة والمكانة، بينما تراجعت أشياء أكثر بساطة وأهمية: صحته، علاقاته، راحته، ضميره، والوقت الذي لن يستطيع استعادته مهما امتلك.
نحن لا نعيش خارج هذه المفارقة. يكفي أن ننظر إلى حياتنا اليومية لنجد كم من الأشياء التي كانت تبدو ضرورية قبل سنوات أصبحت اليوم بلا معنى. هاتف كنا ننتظره بشغف، ملابس كنا نعتقد أنها ستمنحنا حضوراً مختلفاً، وظيفة كنا نظن أنها نهاية الطريق، مبلغ من المال كنا نراه ثروة، أو إعجاب من الآخرين بذلنا من أجله جهداً كبيراً. بعض هذه الأشياء تحقق فعلاً، ثم سرعان ما اعتدنا عليها وبدأنا نبحث عن شيء آخر. كأن النفس البشرية تعرف كيف تحول الإنجاز إلى نقطة انطلاق لمطاردة جديدة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نملك؟ وإنما: ماذا يفعل ما نملكه بنا؟ هل يمنحنا قدرة أكبر على الحياة، أم يجعلنا أكثر خوفاً من فقدانه؟ هل المال يمنح الأسرة أماناً، أم يحول صاحبَه إلى شخص لا يجد وقتاً لأفرادها؟ هل المنصب فرصة لخدمة الناس، أم يصبح سبباً للتعالي عليهم؟ هل الشهرة تجعل الإنسان أكثر حضوراً، أم تجعله أسيراً لنظرة الجمهور؟ الأشياء نفسها قد تكون نعمة حين توضع في مكانها، وقد تتحول إلى عبء حين تصبح هي التي تحدد قيمة الإنسان.
وتأتي عبارة «والآخرة خير لمن اتقى» لتضع معياراً آخر أمام هذا الاندفاع. التقوى هنا ليست كلمة معلقة في الوجدان، وإنما اختبار يومي لطريقة استخدام الإنسان لما لديه. كيف يتصرف عندما يستطيع أن يظلم ولا يراه أحد؟ ماذا يفعل عندما يكون المال أمامه والطريق إلى أخذه غير مشروع؟ كيف يستخدم نفوذه حين يكون قادراً على تجاوز حق شخص أضعف منه؟ وما الذي يفعله عندما يستطيع أن يربح على حساب كرامة إنسان آخر؟
في هذه اللحظات تحديداً تتغير قيمة الأشياء. المال الذي جمعه الإنسان قد ينتهي، والمنصب قد يزول، والاسم الذي كان يملأ المجالس قد يختفي، أما الطريقة التي تعامل بها مع الناس فتترك أثراً مختلفاً. قد ينسى الناس مقدار ما امتلكته، لكنهم يتذكرون أنك وقفت معهم في لحظة صعبة، أو أنك حفظت حقهم حين كان بإمكانك أخذه، أو أنك لم تستغل ضعفهم. وربما لا يتذكر أحد هذه التفاصيل، لكنها تظل جزءاً من الحقيقة التي عاشها الإنسان عن نفسه.
وهنا تصبح الجملة الأخيرة في الآية شديدة العمق: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. الفتيل شيء بالغ الصغر، وقد يبدو في الحسابات البشرية أقل من أن يلتفت إليه أحد، لكن القرآن يستعمله للدلالة على أن العدالة الإلهية لا تهمل شيئاً من حق الإنسان. وهذا المعنى يلامس وجعاً إنسانياً قديماً: كم مرة شعر شخص أن جهده ضاع؟ كم مرة رأى من ظلمه يواصل حياته كأن شيئاً لم يحدث؟ كم مرة نام إنسان وهو يشعر أن أحداً لم يرَ تعبه أو يسمع شكواه؟
قد لا يحصل الإنسان دائماً على حقه بالطريقة التي يتوقعها، وقد تتأخر العدالة في الدنيا، وقد تمر بعض المظالم من دون اعتذار أو اعتراف. لكن الإيمان بأن الإنسان لا يظلم «فتيلاً» يغير علاقته بالألم. ليس معناه أن يتخلى عن المطالبة بحقه، أو أن يقبل الظلم، وإنما يعني أن يعرف أن قيمة ما حدث له لا تتوقف على اعتراف الآخرين به. هناك ميزان آخر لا تحكمه العلاقات والمصالح والنفوذ، ولا تضيع فيه التفاصيل الصغيرة التي عجز البشر عن إنصاف أصحابها.
ومن هنا تصبح الآية أيضاً تربية على عدم الظلم. فالإنسان الذي يعرف أنه لن يُظلم فتيلاً، عليه أن يتذكر في الوقت نفسه أنه لا يملك حق ظلم الآخرين ولو في شيء صغير. ربما يكون الظلم أحياناً كلمة، أو تأخير معاملة، أو استغلال منصب، أو تجاهل عامل، أو أخذ حق شريك، أو تشويه سمعة إنسان، أو حرمان شخص من فرصة لأنه لا يملك الوسيلة للدفاع عن نفسه. الأشياء التي تبدو صغيرة في نظر صاحب القوة قد تكون كبيرة جداً في حياة من وقع عليه أثرها.
وهذا يعيدنا إلى معنى «متاع الدنيا قليل». فحين يعرف الإنسان أن ما في يده مؤقت، يصبح أقل حاجة إلى استخدامه لإثبات تفوقه. المال يصبح وسيلة، والمنصب مسؤولية، والعلم أمانة، والعلاقات مساحة للمحبة، والنجاح فرصة لصنع أثر يتجاوز صاحبه. عندها لا يعود السؤال عن مقدار ما جمعناه في نهاية الطريق، وإنما عن الطريقة التي استخدمنا بها ما مر بين أيدينا.
وربما يحتاج الإنسان أحياناً إلى أن يتوقف عن مطاردة المزيد ويسأل نفسه أسئلة محرجة وبسيطة: ماذا خسرت وأنا أحاول أن أربح؟ من الأشخاص الذين كان ينبغي أن أكون أقرب إليهم؟ ما الأشياء التي أجلتها سنوات حتى أصبح الوقت نفسه هو المشكلة؟ كم مرة تنازلت عن مبدأ لأن المكسب كان مغرياً؟ وإذا اختفى المال والمنصب والاسم الذي يعرفني به الناس، ماذا سيبقى مني؟
هذه الأسئلة لا تدعو إلى الزهد في الحياة بمعنى الانسحاب منها، وإنما إلى استعادة التناسب. أن يعمل الإنسان، ويكسب، ويبني، ويخطط، ويستمتع، ويطمح، مع معرفة أن هذه كلها أجزاء من الحياة وليست الحياة كلها. فالإنسان الذي يضع الدنيا في حجمها يستطيع أن يستفيد منها أكثر؛ لأنه لا يصبح عبداً لها. يستطيع أن يخسر شيئاً من دون أن يخسر نفسه، وأن ينجح من دون أن يتضخم، وأن يمتلك من دون أن يتحول إلى حارس خائف لما يمتلكه.
في النهاية، قد تكون الحكمة الأكثر قسوة في الحياة أننا نعرف قيمة كثير من الأشياء بعد أن تفقد قدرتها على العودة. نعرف قيمة الوقت عندما يمضي، وقيمة الصحة عندما تتراجع، وقيمة بعض الأشخاص بعد غيابهم، وقيمة السنوات حين ندرك أننا أنفقناها في أمور لم تكن تستحق كل ذلك القلق.
لهذا تبدو الآية أقرب إلى مرآة منها إلى موعظة: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. إنها تضع أمام الإنسان سؤالين متلازمين: ماذا تفعل بما تملك ما دمت تعرف أنه زائل؟ وكيف تعامل الآخرين ما دمت تؤمن أن حقوقهم لا تضيع، حتى لو كانت في حجم فتيل؟
ربما لا يحتاج الإنسان في نهاية عمره إلى قائمة طويلة بما امتلكه، وإنما إلى قدر أقل من الندم، وعدد أكبر من القلوب التي لم يؤذها، وحقوق لم يأخذها، وأمانات لم يخنها، وأثر طيب يستطيع أن يتركه خلفه. عندها فقط يصبح متاع الدنيا قليلاً في حجمه، كبيراً في معناه، وتصبح الحياة فرصة لصناعة ما يبقى بعد أن ينتهي ما لا يبقى.



اضف تعليق