يتناول المقال أثر الإخلاص والورع في تكوين القدوة الدينية لدى السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي، ويستعرض شواهد من سيرته ومحاضراته تكشف اتساق العلم والسلوك. ويبيّن كيف يحفظ التحرر من التعلق بالمال والسلطة والشهرة استقلال الرسالة، وكيف يضعف توظيف المكانة الدينية للكسب الشخصي ثقة الناس بالإرشاد، فيما يمتد أثر القدوة...
كان آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقضي ساعات في إعداد خطبة الجمعة. ويروي أخوه السيد مرتضى الشيرازي أن السؤال الذي كان يشغله ليلة الخطبة هو مدى قدرته على أداء رسالة الجمعة والمنبر الحسيني. يكشف هذا التفصيل عن جانب من علاقته بالناس. فقبل أن يتحدث إليهم، كان يفكر في حقهم عليه وفي مسؤولية الكلمة التي ينتظرونها منه. وكان أكثر ذلك الجهد يجري بعيدًا عن أعينهم، وإن وصلت إليهم ثمرته في وضوح الخطاب وصلته بحياتهم.
ومن هذا المشهد يمكن الدخول إلى معنى القدوة في سيرته. فقد اجتمعت في شخصيته، كما تصفها شهادات من عاشروه، عناية بالعلم، وتواضع في المعاملة، وورع في المواقف اليومية، وبساطة في العيش. وتكشف محاضراته، من جهتها، عن اهتمام بتحويل المعاني الإيمانية إلى أفعال ينتفع بها الإنسان في أسرته ومجتمعه. وتتيح قراءة السيرة والكلمات معًا فهم العلاقة بين إخلاص العالم في أداء رسالته وبين الثقة التي تجعل الناس مستعدين للتعلم منه والاقتداء به.
وتزداد أهمية هذه العلاقة حين يدخل المال والسلطة والشهرة في محيط العمل الديني. فلكل منها قدرة على توسيع مجال الخدمة، ولكل منها أيضًا قدرة على التأثير في اختيارات من يتعلّق بها. ومن هنا تنشأ قضية المقال: كيف يحافظ العالم على حرية كلمته، وكيف يظل المال وسيلةً لخدمة الرسالة، وتظل الشهرة أثرًا من آثار وصولها، ويظل التأثير طريقًا إلى هداية الإنسان وإعانته على الإصلاح؟
التفكير خارج المال واستقلال الغاية
التفكير خارج المال هو أن يملك الإنسان معيارًا لقيمة عمله يتجاوز ما يعود عليه منه. فالتعليم يُقدَّر بما يفتح من أبواب الفهم، والإرشاد بما يعين عليه من تصحيح السلوك، والعطاء بما يخفف من حاجة أو يهيئ فرصة. وللمال موقعه في تحقيق هذه المقاصد، إذ يتيح طباعة كتاب، أو إعداد مجلس، أو إيصال المعرفة إلى من يتعذر عليه حضور الدرس. وتبقى الغاية هي التي تحدد أين يُصرف المال وما الذي ينبغي أن يحققه.
ويظهر هذا المعنى في حديث السيد محمد رضا الشيرازي عن الإنفاق. فهو يعيد النظر في معنى الادخار من جهة ما يبقى للإنسان من أثر ما أنفقه. فالحساب المباشر يرى مقدار المال الذي خرج من يد صاحبه، بينما ينظر المنفق أيضًا إلى العمل الذي أتاحه المال والنفع الذي ترتب عليه. وقد يكون بقاء المال في اليد هو الأسهل، لكن إخراجه في موضعه يحقق غاية أبعد من مجرد الاحتفاظ به. وهنا يؤدي الإيمان دورًا في توسيع أفق الاختيار، لأن الإنسان يقدّر ما يبقى من عمله، وإن غاب بعض أثره عن نظره.
وتصف الشهادات الموثقة السيد الشيرازي ببساطة العيش وقلة العناية بجمع المال، وتقرن ذلك باجتهاده العلمي ومحاضراته الأخلاقية. وتكتسب الشهادة دلالتها من اجتماع الأمرين. فبساطة العيش تكشف جانبًا من علاقته بالمكاسب، وبذل الوقت في التدريس والإرشاد يكشف الوجهة التي صرف إليها جهده. وفي هذا الاجتماع يتضح المعنى العملي للزهد، إذ يستطيع الإنسان أن يتخفف من التعلق بما يحصّله لنفسه، وأن يزيد ما يبذله من علم ووقت في خدمة الآخرين.
وعلى هذا الأساس، تتكامل معاني (الإخلاص والتقوى والورع). فالإخلاص يتعلق بالغاية التي يقصدها الإنسان، والتقوى تحفظ حضور هذا المعيار عند الاختيار، والورع يظهر حين يحتاط لحقٍّ يسهل التفريط فيه أو حين يتحرّج من منفعة يخشى أن تؤثر في أداء أمانته. وتبرز صلة هذه المعاني بعضها ببعض عندما تتعارض مصلحة صاحب الرسالة مع حاجة من يستمع إليه. ففي هذه اللحظة يمكن أن يتبين موقع المال والمكانة في قراره، ومقدار ما بقي له من حرية في تقديم ما يراه حقًا ونافعًا.
أسباب الخلط بين الرسالة والمصلحة
في حديثه عن الآخرة، يتأمل السيد محمد رضا الشيرازي رغبة الإنسان في الملك والحكم، ويضع أقصى ما يمكن أن تبلغه السلطة أمام قصر الزمن الذي تستمر فيه وما يصاحبها من خشية الزوال. وتكشف هذه المعالجة جانبًا من أثر التعلق بالمكانة. فحين تصبح المكانة جزءًا مما يستمد منه الإنسان قيمته، ينصرف شيء من جهده إلى حمايتها، وتدخل حسابات بقائها في قراراته. وقد يقع ذلك بالتدرج، من مراعاة ردّ فعل صاحب نفوذ إلى تأجيل كلمة يحتاج الناس إلى سماعها.
وتروي شهادة أخيه السيد مرتضى الشيرازي عن تواضعه مع من يجالسه، في سياق يتناول ما قد ينشأ عن العلم أو السلطة أو الشهرة من شعور بالتفوق. وللتواضع هنا وظيفة تتجاوز حسن المعاملة. فالعالم الذي يقبل السؤال، ويأخذ كلام من أمامه بجدية، ويستطيع مراجعة ما قاله، يحافظ على صلته بأحوال الناس. أما شدة التعلق بالصورة العامة فقد تجعل من السؤال تهديدًا للهيبة، ومن المراجعة كلفةً يتردد المرشد في تحملها. وعندئذ تضيق قدرته على الإصغاء إلى من يخاطبهم، وقد يضعف فهمه لما يحتاجون إليه.
ويؤثر المال من طريق آخر. فقد يبدأ التمويل بتيسير نشاط مفيد، ثم يصبح استمرار النشاط مرهونًا بجهة واحدة تملك أن توقفه أو توسعه. وكلما زاد الاعتماد عليها، اتسع احتمال أن يُحسب موقفها عند اختيار الموضوع أو المتحدث أو الجمهور المقصود. ومحل النظر هنا هو مقدار ما تملكه الجهة المموّلة من تأثير في القرار العلمي والتربوي، وقدرة القائمين على النشاط على الوفاء بغايتهم إذا اختلفت الأولويات. وتزداد أهمية هذا التمييز لأن الخلط قد ينشأ من ترتيب العمل نفسه، حتى مع وجود رغبة صادقة لدى القائمين عليه في خدمة الناس.
ويضاف إلى ذلك امتحان الشهرة والتأثير. ففي النشر الرقمي يسهل أن يعرف المتحدث عدد من شاهدوا حديثه، بينما يحتاج إلى وقت وجهد كي يعرف ما الذي فهموه وكيف انتفعوا به. وإذا قاس نجاحه بما يسهل عده وحده، اتجه اختياره تدريجيًا إلى الموضوعات التي تستدعي استجابة أسرع. وقد يكون الجمهور في حاجة إلى حديث هادئ عن أمانة المعاملة أو إدارة الغضب، بينما يحظى موضوع آخر بإقبال أوسع لأنه أشد إثارة. وتظهر حرية المرشد في قدرته على تقديم الحاجة التربوية، والاستفادة من وسائل الانتشار في إيصالها.
وهكذا يجتمع المال والسلطة والشهرة والرغبة في التأثير عند نقطة واحدة. فكلما أصبح فقدان أحدها أثقل على الإنسان، صار من الأيسر أن تتدخل حسابات الحفاظ عليه في ترتيب ما يقوله ويفعله. والتحرر من أغلال الدنيا في هذا السياق هو أن تبقى للإنسان القدرة على أداء مسؤوليته، حتى حين يكون لبعض اختياراته وقراراته ثمن في المال أو المكانة أو الإقبال.
الورع في استعمال المكانة الدينية
يروي السيد مرتضى الشيرازي أن أخاه السيد محمد رضا الشيرازي كان يتحرّج من حضور مجلس تُذكر فيه غيبة مؤمن. فإذا توقّع أن يتجه الحديث إلى الغيبة، بادر إلى طرح مسألة علمية أو موضوع نافع. وبذلك صان حرمة الغائب وحفظ كرامة الحاضرين، إذ أتاح لهم الانتقال إلى حديث آخر من غير إحراج. وفي هذا التصرف وجه من وجوه القدوة، فقد استعمل مكانته لإصلاح ما يجري في المجلس، وقدّم لمن حضره مثالًا يمكنهم العمل به في مجالسهم.
ويتصل هذا الموقف بما شرحه السيد الشيرازي في حديثه عن الظلم والضغوط التي قد تدفع الإنسان إليه. ومن أمثلته أن يلحّ صديق أو قريب في معرفة سرّ يخص شخصًا آخر، وقد يستاء إذا امتنع صاحبه عن كشفه. وهنا يظهر الورع في صيانة حق الغائب مع تحمّل الحرج الذي قد ينشأ عن رفض الطلب. ففي المجلس يصون الإنسان حرمة الغائب بتغيير مجرى الحديث، وفي العلاقة الخاصة يصون أمانته حين يحفظ سرّه رغم ضغط المقرّبين.
تسليع القضايا الدينية وإخضاعها لمنطق الربح
يبدأ تسليع القضية الدينية حين تُنتقى وتُعرض بحسب قدرتها على جلب العائد المالي. عندئذ يدخل في اختيار موضوع المحاضرة أو المجلس حسابُ ما يجذب الرعاة، وما يزيد المبيعات، وما يمكن تسويقه للجمهور. ويمتد هذا الحساب إلى طريقة العرض نفسها، فيُبرَز من القضية ما يثير الانفعال ويشد الانتباه، ويُهمَل ما يحتاج إلى شرح وتأمل، حتى لو كان هو الأهم في فهمها والعمل بمقتضاها.
وفي حديثه عن دوافع العمل، يضرب السيد محمد رضا الشيرازي مثلًا بولدٍ يزور أباه طمعًا في ماله، وآخر يزوره تقديرًا لمقامه. فالزيارة واحدة في ظاهرها، لكن معناها يتغيّر حين تصبح وسيلةً للحصول على المال. ويورد السيد الشيرازي هذا المثال في سياق شرحه لدافع الإمام الحسين عليه السلام إلى التضحية، مبيّنًا أن غايتها كانت لله تعالى. ومن هنا يمكن فهم الخلل في تسليع المناسبة الدينية نفسها. فقد يبقى اسم المناسبة وتبقى بعض مظاهرها، بينما تتغيّر الغاية التي يُنظَّم من أجلها النشاط. ويظهر هذا التحوّل حين تحدّد فرص البيع ما يُبرز من المناسبة وما يُهمَل، فتُستثمر عاطفة الناس لزيادة المبيعات، ويضيق المجال المخصص لشرح المعنى الذي اجتمعوا لإحيائه.
ويظهر هذا التحوّل، مثلًا، حين تُستثمر عاطفة الناس تجاه مناسبة دينية لتسويق سلع تُقدَّم حيازتها بوصفها علامة على الولاء أو المشاركة. ففي هذه الحال يُحمَّل الشراء معنى دينيًا، وتُستعمل رغبة الإنسان في التعبير عن انتمائه لزيادة المبيعات. وقد يمتد ذلك إلى مضمون المناسبة نفسها، فيستأثر العرض التجاري بالاهتمام، بينما تضيق المساحة المخصصة لفهم دلالاتها الأخلاقية وما تقتضيه من سلوك.
ويمسّ هذا التحول استقلال الخطاب الديني؛ لأن الجهة المنتفعة من رواج القضية تكتسب قدرةً على تحديد ما يُقدَّم منها وكيف يُقدَّم. ومع تكرار هذا النمط، تنال القضايا القابلة للتسويق حضورًا أكبر، وتتراجع موضوعات تمس حياة الناس، مثل الأمانة والعدل وصيانة الحقوق، حين يكون مردودها التجاري أقل. وهنا يتضح أثر التسليع: فهو يعيد ترتيب أولويات الخطاب الديني وفق ما يحقّق الربح، ويغيّر ما يتعلّمه الناس من قضاياهم الدينية وما يحملونه منها إلى حياتهم.
نتائج الخلط وأثر استقلال الرسالة في الثقة
تقوم العلاقة الإرشادية على أن السامع يأتمن المرشد على حاجة قد يصعب عليه أن يعرضها على غيره. وقد يكون موضوعها خلافًا أسريًا، أو حيرة في تصرف، أو قلقًا من قرار. وفي هذه الحالات يتطلع إلى كلمة تراعي ظروفه وتُقدَّم له بأمانة. فإذا اختلطت النصيحة بمصلحة تجارية غير واضحة، أصبح عليه أن يقدّر مقدار تأثير تلك المصلحة في ما يُعرض عليه. وكلما تكرر هذا الالتباس، صار الاطمئنان إلى النصيحة أصعب، حتى حين تتضمن كلامًا مفيدًا.
ويمتد الأثر إلى الخطاب نفسه. فقد يتغير موضوع حديث واحد استجابةً لمصلحة عابرة، ثم يصبح تكرار هذا الاختيار طريقة في ترتيب الموضوعات. وبمرور الوقت تحصل القضايا التي تخدم الانتشار أو تحافظ على التمويل على مساحة أكبر، وتضيق المساحة المتاحة لما يحتاج إلى صبر في شرحه أو يثير اعتراض من يملك نفوذًا. وبهذا يؤثر الخلط في ما يصل إلى الناس من معرفة، كما يؤثر في نظرتهم إلى من يقدمها.
وتكشف محاضرة السيد محمد رضا الشيرازي عن كظم الغيظ كيف يعمل الخطاب التربوي حين يستند إلى تجربة يستطيع الإنسان تصورها. فهو يستحضر موقف الإمام موسى الكاظم عليه السلام ممن أساء إليه، ويتأمل ما يتيحه ضبط الردّ من فرصة للمراجعة، ثم يصل هذا المعنى بالخلاف الذي يقع داخل الأسرة. وبهذا يجد السامع في المثال ما يعينه على فهم لحظة يعرفها من حياته: قد تكون الإساءة الأولى محدودة، ثم يتسع النزاع لأن كل طرف يردّ وهو في ذروة غضبه. وإذا أمكن لأحدهما ضبط استجابته، بقي مجال لفهم ما حدث ومعالجته بعد هدوء الانفعال.
وتوضح هذه الطريقة في التعليم سببًا من أسباب استمرار أثر القدوة. فالسامع يستطيع أن يختبر المعنى في ظرف يخصه، وأن يعيد استعماله كلما واجه موقفًا مشابهًا. وقد يتعلم منه أحد أفراد أسرته طريقة أخرى في الاستجابة، فتتسع دائرة الانتفاع من الكلمة الأولى. وعلى هذا النحو يمكن أن ينتقل أثر المحاضرة من معرفة الفرد إلى سلوكه، ومن سلوكه إلى العلاقة التي يشارك في تكوينها. ويصبح امتداد الرسالة في المستقبل متعلقًا بقدرة الناس على حمل المعنى والعمل به في مواقعهم.
كيف يحفظ العمل الديني استقلال رسالته؟
يورد السيد محمد رضا الشيرازي، في حديثه عن تحويل القوة المعنوية إلى عمل ملموس، مثال رجلٍ كان يتعرّف إلى المناطق التي تحتاج إلى مسجد، ثم يعرض هذه الحاجة على القادرين على الإسهام في بنائه. ودلالة المثال في ترتيب القرار: فقد عرف الرجل حاجة أهل المنطقة أولًا، ثم طلب المال لتنفيذ المشروع. وهكذا أعطت الحاجةُ المالَ وجهته، وأصبح من الممكن تقدير نجاح المبادرة بما وفّرته لأهل المنطقة. ولو بدأ القرار مما يرغب المموّل في دعمه، لأمكن أن تُقام مشروعات تتوافر لها الأموال، وتظل حاجات أشد إلحاحًا خارج دائرة الاهتمام.
ويجري هذا المعنى في تمويل المنبر والمحاضرة والنشر. فاستقلال الرسالة يتوقف على من يملك قرار اختيار الموضوع وصياغته. وتظهر قيمة هذا الاستقلال عندما يحتاج الناس إلى معالجة قضية لا تستقطب الرعاية، أو عندما يقتضي بيانها كلامًا قد لا يرضي الجهة المموّلة. ولهذا ينبغي أن تُعرف حدود الرعاية منذ البداية، وأن يبقى القرار العلمي والتربوي في يد من يتحمّلون مسؤوليته، وأن تكون أوجه الإنفاق واضحة، والإعلانات المصاحبة للمادة الإرشادية مميّزة عنها. بهذه الضوابط تستطيع المؤسسة أن تستفيد من التمويل مع الوفاء بحقّ السامع في كلمة أمينة.
ويكتمل استقلال العمل الإرشادي بقدرته على التعلّم من خبرته ومواصلة الإفادة منها مع تعاقب القائمين عليه. وفي هذا السياق يأتي حديث السيد الشيرازي عن العمل المشترك، إذ يرى أن التعاون يوسّع النظر في المسألة ويحفظ ما يتعلمه العاملون من تجاربهم. ويتضح ذلك حين يسأل مستمعٌ فهم معنى كظم الغيظ عن كيفية تطبيقه في خلاف أسري. فسؤاله يحدّد للمربّي موضع الصعوبة، ويدعوه إلى شرح ما يستطيع الإنسان فعله في لحظة الغضب. وحين تُحفظ هذه الأسئلة ويُتبادل ما تعلّمه المربّون من الإجابة عنها، تصبح خبرة أحدهم متاحة لمن يواجه موقفًا مشابهًا.
نشر الخبرة الإرشادية في تراث السيد محمد رضا الشيرازي
ومن هنا تأتي القيمة التربوية لحفظ تراث السيد الشيرازي. فكما تُعين أسئلة المستمعين المربّي على معرفة المواضع التي يصعب فيها تطبيق القيمة، تُعينه محاضرات السيد وشواهد سيرته على بيان كيفية العمل بها. فإذا أراد، مثلًا، أن يشرح صيانة حق الغائب في مجلسٍ يتجه الحديث فيه إلى الغيبة، أمكنه أن يصل كلام السيد عن حفظ حقوق الآخرين بما رُوي عن مبادرته إلى طرح موضوع نافع يغيّر مجرى الحديث. وبذلك يتعلّم السامع كيف يصون حرمة الغائب مع حفظ كرامة الحاضرين. وهذا ما يمنح جمع المحاضرات بحسب موضوعاتها وقراءتها إلى جانب شواهد السيرة غايته العملية، إذ يضع بين يدي المربّي مادةً يستعين بها في معالجة مواقف يواجهها الناس اليوم.
الخاتمة: ما يبقى من القدوة
تظهر قيمة تجربة السيد محمد رضا الشيرازي في الصلة بين ما كان يعلّمه وما رآه الناس في معاملته. ففي إعداده للخطبة عناية بحق من يسمع، وفي تحويله مسار المجلس صيانة لحق من غاب، وفي دعوته إلى الإنفاق والعمل المشترك توجيه للمال والقدرة نحو حاجات تتجاوز صاحبها. ويكشف اجتماع هذه المواقف عن معنى الإخلاص حين يصبح طريقة في أداء المسؤولية.
ويخلص المقال إلى أن التفكير خارج المال يحفظ استقلال الغاية، وأن الورع يحمي هذا الاستقلال عند الاختبار، وأن اتساق السيرة مع الكلمة يمنح الناس سببًا للثقة والاقتداء. وتزداد أهمية هذه الخصال مع اتساع حضور العالم الديني، لأن المال والشهرة والنفوذ تفتح أمامه إمكانات للعمل، وتزيد في الوقت نفسه من أثر اختياراته فيمن يستمعون إليه. وتتجلى أمانته في مقدار ما يوجه هذه الإمكانات إلى حاجات الناس، وفي مقدار ما يترك لهم من معرفة تعينهم على أن يحملوا مسؤولياتهم بأنفسهم.
وتتجدد دلالة هذا النموذج حين يجد مستمع في حديثه عن كظم الغيظ ما يعينه على إصلاح علاقة، أو يجد مربٍّ في سيرته ما يرشده إلى صيانة كرامة من يعلّمهم، أو يجد قائمٌ على مشروع في كلماته ما يعينه على وضع المال في موضعه. في هذه المواقف يدخل أثر القدوة في أعمال الناس، ويستمر على أيديهم.



اضف تعليق