تتناول الدراسة وصايا السيد محمد رضا الشيرازي بوصفها منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان وخدمة المجتمع، من خلال التقوى ومحاسبة النفس والأخلاق الحسنة والتحصيل العلمي. وتبرز اهتمامه بصناعة الوعي وتطوير الخطابة والكتابة وتأسيس المؤسسات، ومسؤولية المنبر الحسيني، وخدمة المحتاجين والعمل بالشورى. كما تقرأ وصيته الأخيرة باعتبارها شاهدًا على الالتزام بالحقوق ومراجعة...

تُعدُّ الوصايا من الوسائل المهمَّة التي يعبِّر الإنسان بواسطتها عن خلاصة تجربته، ويكشف عن القيم التي يؤمن بها، والأولويات التي يرى ضرورة ترسيخها في حياة الآخرين. وتزداد أهميَّة الوصيَّة حين تصدر عن شخصيَّة علميَّة وتربويَّة عاشت هموم المجتمع، وانشغلت بالارتقاء بالذَّات، وجعلت من العلم والإيمان والعمل منطلقات أساسيَّة في مسيرتها؛ إذ تتحول كلماتها إلى معالم هادية تختصر تجارب طويلة، وتفتح أمام المتلقي مجالات واسعة للتَّفكير والمراجعة والعمل.

ومن هذا المنطلق، تمثِّل وصايا سماحة آية الله السيد محمَّد رضا الشيرازي (قدِّس سرُّه) مادَّة جديرة بالدِّراسة والتَّأمُّل؛ لما تنطوي عليه من مضامين إيمانيَّة وأخلاقيَّة وعلميَّة واجتماعيَّة، ولما تكشف عنه من رؤية تربويَّة تتجاوز حدود التَّوجيه الفردي إلى بناء مجتمع واعٍ يمتلك مقوِّمات النُّهوض والاستمرار. فقد تنوَّعت هذه الوصايا بحسب الجهات التي وُجِّهت إليها، فشملت المؤمنين، وطلبة العلوم الدِّينيَّة، والخطباء، والرَّواديد الحسينيين، وأصحاب اللجان الخدميَّة، وأفراد أسرته، وجاءت كلُّ مجموعة منها لتلامس جانبًا من جوانب المسؤوليَّة التي ينبغي للإنسان أن ينهض بها.

وعند التَّأمُّل في مجموع هذه التَّوجيهات، يتبيَّن أنَّها تلتقي عند مقصد إصلاحي جامع، يتمثّل في بناء الإنسان والارتقاء بذاته وتزكية نفسه، وتنمية قدراته العلميَّة والثّقافيَّة، وترسيخ مسؤوليَّته تجاه المجتمع، وربط مختلف أنشطته برسالة القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام). ولذلك، فإنَّ قراءة هذه الوصايا تقتضي تجاوز الوقوف عند ألفاظها المباشرة إلى استكشاف أبعادها الفكريَّة والتَّربويَّة، والبحث عن المبادئ التي أراد السيِّد ترسيخها من خلالها.

وسنتناول بعض هذه الوصايا في مطلبينِ متكاملينِ؛ يختَّص الأوَّل بمقوِّمات بناء الإنسان إيمانيًّا وأخلاقيًّا وعلميًّا، ويتناول الثَّاني مسؤوليَّته الرِّساليَّة والاجتماعيَّة، ودوره في خدمة الدِّين والمجتمع، وصولًا إلى قراءة دلالات وصيَّته الأخيرة وما تكشف عنه من معالم شخصيَّته.

المطلب الأوَّل: وسائل تكوين الشَّخصيَّة

أوَّلًا: التَّقوى ومحاسبة النَّفس

ويتَّضح هذا المنحى في وصيَّته التي كتبها:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1. التَّقْوَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

2. الأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ.

3. تَعَلُّمُ الْخَطَابَةِ وَإِتْقَانُهَا.

4. تَعَلُّمُ الْكِتَابَةِ وَالتَّأْلِيفِ بِمَا فِيهِ احْتِيَاجَاتُ الْمُجْتَمَعِ وَالشَّبَابِ بِالْخُصُوصِ.

5. تَأْسِيسُ الْمُؤَسَّسَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ مَشْرُوعٌ وَمُؤَسَّسَةٌ.

6. تَخْصِيصُ خَمْسِ دَقَائِقَ كُلَّ يَوْمٍ لِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ.

7. مُطَالَعَةُ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.

8. الاِهْتِمَامُ بِشُؤُونِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْوِزِينَ وَالْأَيْتَامِ"(1).

ويستوقفنا في مقدِّمة هذه الوصايا تقديم التَّقوى؛ لما تمثِّله من أساس تنطلق منه بقيَّة الأعمال، فهي التي تمنح السُّلوك وجهته، وتضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وتجعله يستحضر عهدَه مع الله تعالى في مختلف شؤون حياته. وقد قرن السيِّد هذه الوصيَّة بالدَّعوة إلى محاسبة النَّفس يوميًّا، محدِّدًا لها خمس دقائق، وهي إشارة تربويَّة بالغة الدلالة؛ إذ لا يتوقف صلاح الإنسان على كثرة الأعمال وحدها، ويرتبط كذلك بقدرته على مراجعة سلوكه، وتشخيص مواطن الخلل، وتصحيح مساره بصورة مستمرَّة.

وتكمن القيمة التَّربويَّة في تحديد هذه المدَّة اليسيرة في أنَّ السيِّد أراد جعل المحاسبة ممارسة يوميَّة ميسورة، يستطيع الإنسان المحافظة عليها مهما تعدَّدت مسؤوليَّاته. فخمس دقائق من المراجعة الصَّادقة قد تفتح أمام المرء أبوابًا واسعة من الإصلاح، حين يسأل نفسه عن صلاته، وأقواله، وحقوق الآخرين في ذمَّته، ومدى التزامه بما يؤمن به. وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (2)، فالآية الكريمة تؤسِّس لثقافة المراجعة والمساءلة واستحضار عاقبة العمل. وتزداد أهميَّة هذا المبدأ القائم على المحاسبة في وصيَّته التي كتبها لأصحاب اللجان الخدميَّة، حين دعاهم إلى استثمار العمر قبل انقضائه، فقال: "فَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ سَيَنْقَضِي عُمْرُ الْإِنْسَانِ، وَيُصْبِحُ عَاجِزًا عَنِ الْعَمَلِ، فَإِنَّ (الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ) (3)، فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، حَيْثُ يَقُولُ (تعالى): (رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (4)، فَيَأْتِيهِ الْجَوَابُ: كَلَّا) ، وَالْإِنْسَانُ مَهْمَا عَمِلَ فَهُوَ قَلِيلٌ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَعَالَى... فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَشْعِرَ الِاكْتِفَاءَ؛ بَلْ يَسْتَشْعِرَ التَّقْصِيرَ الدَّائِمَ" (5).

ويعكس هذا النَّص إدراكًا عميق لقيمة الزَّمن، وأنَّ الفرصة المتاحة للإنسان في هذه الحياة محدودة، وأنَّ التَّأجيل المستمر للأعمال الصَّالحة قد يفضي إلى النَّدم حين تنتهي إمكانيَّة التَّدارك. كما أنَّ حديثه عن استشعار التَّقصير، مهما بلغ الإنسان من العمل، يحمل دعوة إلى التَّواضع، والتَّحرر من الشُّعور بالاكتفاء، ومواصلة السَّعي نحو الكمال.

وعليه، فإنَّ التَّقوى ومحاسبة النَّفس في هذه الوصايا تمثِّلانِ أساسًا لبقيَّة المقوِّمات؛ لأنَّ الإنسان الذي يراقب نفسه، ويستشعر مسؤوليَّته أمام الله تعالى يكون أكثر قدرة على ضبط علمه، وتوجيه قدراته، وإخلاص عمله، وأداء حقوق الآخرين.

 ثانيًا: الأخلاق الحسنة

تحتل الأخلاق موقعًا متقدِّمًا في وصايا السيِّد الشيرازي، فقد جعلها من التَّوجيهات الأولى التي ينبغي للمؤمن أن يلتزم بها، وهو ترتيب يعكس إدراكه لأثر الأخلاق في تكوين الشَّخصيَّة المؤمنة، وفي تحديد طبيعة علاقتها بمحيطها الإنساني. فالإيمان الذي لا ينعكس على سلوك الإنسان ومعاملته للآخرين يظلُّ بعيدًا عن الغاية التَّربوية التي تستهدفها الرِّسالة الإسلاميَّة.

وقد ورد في وصيَّته لإحدى كريماته قبل أشهر من ارتحاله:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1. (أَعْلَمُ النَّاسِ بِاللَّهِ أَرْضَاهُمْ بِقَضَاءِ اللَّهِ) (6).

2. (جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ) (7).

3. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (8).

4. (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيهًا بِالْحُسَيْنِ عليه السلام) (9).

5. (أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ) (10).

6. (أَوَّلُ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الْجَبَّارِ، وَآخِرُ الْعِلْمِ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ) (11).

7. (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: صِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) (12).

8. (رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا) (13).

9. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (14).

10. (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (15)" (16).

وتكشف هذه المجموعة من الوصايا عن تصور واسع للأخلاق، فهي تشمل رضا الإنسان بقضاء الله (تعالى)، وحسن تعامله مع أسرته، وقدرته على ضبط انفعالاته، وعفوه عن الآخرين، وحرصه على صلاح ذريَّته. ومن اللافت أنَّ السيِّد جمع في توجيهاته بين القيم الأخلاقيَّة والعبادات والأدعية والرِّوايات، بما يجعل التَّربية الأخلاقيَّة متَّصلة بالبناء الإيماني.

ويشير مضمون هذه الوصية المتعلِّق بالرِّضا بقضاء الله (سبحانه) إلى دلالة مهمَّة في تهذيب النَّفس، فالرِّضا يمنح الإنسان قدرة على مواجهة تقلبات الحياة بثبات وطمأنينة، ويحرِّره من الاعتراض الذي يستنزف طاقته النَّفسية.

كذلك إيراده لقوله (صلَّى الله عليه وآله): "جهاد المرأة حسن التبعل" يجسِّد اهتمامه بالبناء الأسري، وتأكيده أنَّ الحياة الزَّوجيَّة ميدان من ميادين الوفاء بالعهود والقيام بالواجبات، وأنَّ حسن المعاشرة ورعاية الأسرة من الأعمال ذات القيمة العظيمة في ميزان الإسلام. ويدعم هذا المعنى استشهاده بدعاء عباد الرَّحمن: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)، وهو دعاء يتضمَّن تصوّرًا قرآنيًّا لبناء الأسرة الصَّالحة، يجعل المودَّة والهداية والاستقامة من أهمِّ غايات الحياة العائليَّة.

ويكتمل هذا البناء الأخلاقي بوصيَّته المتعلِّقة بكظم الغيظ والعفو عن النَّاس، عن طريق قوله (تعالى): (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فالقدرة على ضبط الغضب والعفو عند المقدرة تكشف عن قوَّة تتجاوز الانفعال اللحظي إلى التَّحكم في النَّفس، وتقديم القيم الإيمانيَّة على ردود الأفعال الشَّخصيَّة.

ومن هنا نعرف أنَّ السيِّد أراد أن يجعل الأخلاق ممارسة حاضرة في تفاصيل الحياة اليوميَّة، تبدأ من داخل الأسرة، وتمتدُّ إلى العلاقات الاجتماعيَّة، وتظهر في تعامل الإنسان مع الظُّروف والأشخاص. فحُسن الخُلق ليس مجرَّد صفة تكميليَّة في الشَّخصيَّة المؤمنة، فهو تجسيد لنضجها، وانعكاس لما يتركه الإيمان من أثر في بنائها وتكوينها.

 ثالثًا: بناء الشَّخصيَّة الفكريَّة

تكشف وصايا الرِّضا الشيرازي عن اهتمام واضح ببناء الشَّخصيَّة العلميَّة، مع عنايته بالبعد الأخلاقي للعلم. فقد كان ينظر إلى التَّحصيل الدِّراسي بوصفه عمليَّة متكاملة تحتاج إلى الدَّرس والمطالعة والتَّوجيه والتَّربية، وهو ما يظهر في النَّص الذي نقله العلَّامة الشيخ علي الرميثي عن لقائه بالسيد حينما قال: "تعرَّفت على الفقيد المقدَّس في اليوم الثَّاني لاندلاع الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة، ذلك عندما دخلت إلى الحوزة العلميَّة المباركة في مدينة قم المقدَّسة، يومها كانت الدُّروس تعقد في الحسينية الكربلائيَّة (دار الحسين عليه السلام حاليًا) فقد كان الفقيد يدرِّس كتاب (تبصرة المتعلمين)؛ حيث التفت إليَّ بعد ختام الدَّرس، وقال لي: من أين الأخ؟

فقلت له: من الرُّميثة. فقال: ما تحصيلكم الدِّراسي؟ قلت: معلِّم.

عند هذه النُّقطة بدأ يشرح لي الفروق بين الدُّروس الحوزويَّة والدِّراسة الأكاديميَّة، وأنَّ الحوزة حرَّة ومفتوحة، وتعتمد على جهد الطَّالب ومثابرته واجتهاده للوصول للمراتب العليا.

وأضاف (رضوان الله عليه) فقال: إِنَّ الدَّرْسَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى جَوَانِبَ أُخْرَى مُهِمَّةٍ تَرْفَعُ مُسْتَوَاهُ الْأَخْلَاقِيَّ وَالْفِكْرِيَّ، وَمِنْهَا حُضُورُهُ لِدُرُوسِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يُلْقِيهَا بَعْضُ الْمَرَاجِعِ وَالْأَسَاتِذَةِ، وَمِنْهَا الْمُطَالَعَاتُ الْجَانِبِيَّةُ لِلْكُتُبِ الْفِكْرِيَّةِ، وَهَذِهِ تَكُونُ تَحْتَ إِشْرَافِ أَسَاتِذَةٍ مُتَمَكِّنِينَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْشِدُوا الطَّالِبَ إِلَى الْكُتُبِ الْمُرَادِ قِرَاءَتُهَا، وَتَحْدِيدِ مَكَامِنِ الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ فِيهَا، أَوِ الْإِشَارَةِ لِغَثِّهَا وَسَمِينِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. عِنْدَهَا طَلَبْتُ مِنَ الْفَقِيدِ السَّعِيدِ أَنْ يُرْشِدَنِي إِلَى بَعْضِ الْكُتُبِ لِمُطَالَعَتِهَا، فَقَدْ كُنْتُ مُتَلَهِّفًا لِلْمُطَالَعَةِ، فَأَخَذَ يُهْدِينِي بَعْضَ الْكُتُبِ وَيُنَاقِشُنِي فِي مُحْتَوَاهَا، وَهَذَا مَا وَطَّدَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَنَا وَجَعَلَهَا تَسِيرُ بِاتِّجَاهَاتٍ تَفُوقُ عَلَاقَةَ الْأُسْتَاذِ مَعَ تِلْمِيذِهِ"(17).

ويمثِّل هذا التَّوجيه منهجًا تربويًّا متكاملًا في بناء الشَّخصيَّة العلميَّة؛ إذ يستنهض إرادة الطَّالب لتكوين ذاته معرفيًّا والارتقاء بها أخلاقيًّا، ويؤكِّد أنَّ الدَّرس المنهجي، على أهميَّته، يحتاج إلى مطالعة موازية توسِّع المدارك، وتنمي القدرة على التَّحليل والنَّقد. فضلًا عن ذلك، فإنَّ اشتراط الإشراف العلمي على المطالعات يفصح عن اهتمام السيِّد بتوجيه القراءة، وحماية الطَّالب من التَّلقي غير المنضبط، ومساعدته على التَّمييز بين الأفكار والمناهج.

ولعلَّه من أهمِّ الدَّلالات التي يحملها هذا التَّوجيه أنَّ السيِّد لم يكن يريد طالبًا يحفظ المعلومات ويكرِّرها فحسب؛ وإنَّما كان يتطلَّع إلى تكوين شخصيَّة علميَّة تمتلك أدوات الفهم، وتحسن التَّعامل مع الأفكار، وتستطيع تشخيص مواطن القوَّة والضعف في المادة المقروءة. وهذا النَّوع من التَّكوين يحتاج إلى أستاذ يوجِّه، وطالب يجتهد، وقراءة واعية تتجاوز حدود المقرَّرات الدِّراسيَّة.

ويتَّصل بهذا المعنى ما ورد في وصيَّته لأصحاب اللجان الخدميَّة، حين جعل التَّفقه في الدِّين من أفضل الأعمال، فقال: "وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ:

1. التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَخَاصَّةً فِي مَجَالِ (الْعَقَائِدِ)؛ فَإِنَّهَا أَصْلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْهَا يُبْنَى كُلُّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ فِي مَجَالِ (الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ)، فَإِنَّ التَّفَقُّهَ فِيهَا يَضْمَنُ لِلْإِنْسَانِ اسْتِقَامَةَ الْعَمَلِ. وَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُخَصِّصَ كُلَّ يَوْمٍ مِقْدَارًا مِنْ وَقْتِهِ لِهَذِهِ الْغَايَةِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِقْدَارًا قَلِيلًا جِدًّا" (18).

ويُظهر هذا النَّص ترتيبًا واضحًا لأولويات المعرفة الدِّينيَّة؛ فقد قدَّم العقائد؛ لما لها من أثر تأسيسي في بناء التَّصور الإيماني، وأولى عناية خاصَّة بالأحكام الشَّرعية في تنظيم العمل وضمان سلامة الممارسة. كما أعاد التَّأكيد على قيمة الاستمرار، عبر الدَّعوة إلى تخصيص وقت يومي للتَّحصيل، ولو كان يسيرًا.

وتبرز هنا رؤية السيِّد للعلم بوصفه رسالة متواصلة، لا مرحلة تنتهي بانتهاء الدِّراسة، ولا معرفة تنحصر في تخصص محدَّد. فالإنسان يحتاج إلى تجديد معارفه، وتعميق فهمه، ومراجعة ما يعتقده ويعمل به. ومن هذا المنطلق تتكامل وصاياه المتعلِّقة بالدَّرس والمطالعة وحضور دروس الأخلاق والتَّفقه في الدِّين، لتقدِّم تصورًا متوازنًا للطَّالب الذي يجمع بين المعرفة والتَّهذيب، وبين التَّخصص والانفتاح الواعي على الفكر والثقافة.

المطلب الثَّاني: المسؤوليَّة الرِّساليَّة

 أوَّلًا: صناعة الوعي وخدمة الثَّقافة الدِّينيَّة

من المعاني البارزة في وصايا السيِّد الشيرازي اهتمامه بصناعة الإنسان القادر على التَّأثير في مجتمعه، وتوظيف طاقاته في نشر الوعي والمعرفة. فقد أدرك أنَّ المجتمعات تحتاج إلى أفراد يمتلكون القدرة على التَّعبير عن أفكارهم، وتشخيص احتياجات بيئتهم، وتقديم المعالجات المناسبة لقضاياها، ولهذا جاءت وصيَّته للمؤمنين في سلطنة عمان التي ذكرناها في المطلب الأوَّل متضمنة الدَّعوة إلى تعلُّم الخطابة وإتقانها، وتعلُّم الكتابة والتَّأليف، ولا سيَّما في الموضوعات التي تتَّصل باحتياجات المجتمع والشَّباب.

إنَّ الجمع بين الخطابة والكتابة في هذه الوصيَّة يسلِّط الضوء على اهتمامه بوسائل التَّأثير الثّقافي، فالخطابة وسيلة للتَّواصل المباشر مع الجمهور، والكتابة أداة لحفظ الأفكار وتطويرها ونقلها إلى الأجيال. وكلتا المهارتينِ تحتاجانِ إلى علم وثقافة ووعي بالواقع، حتَّى يكون الخطاب قادرًا على معالجة المشكلات، وتكون الكتابة قريبة من اهتمامات النَّاس وتطلعاتهم.

ويستوقفنا تخصيص الشَّباب بالذكر في وصيَّته المتعلِّقة بالتأليف؛ إذ يدلُّ ذلك على إدراكه لما يمتلكه الشَّباب من طاقات مؤهَّلة للإسهام في النَّهضة الفكريَّة والمجتمعيَّة، وحاجتها إلى خطاب فكريٍّ وتربويٍّ يستجيب لتساؤلاتها، ويحصنها بالمعرفة، ويساعدها على بناء شخصيَّتها. فالشَّباب يمتلكون طاقات كبيرة، وتوجيه هذه الطَّاقات يحتاج إلى مؤسَّسات وكفاءات ومشاريع ثقافية تستوعب اهتماماتهم، وتفتح أمامهم مجالات المشاركة والإبداع.

ويدعم هذا المعنى بدعوته إلى تأسيس المؤسَّسات الثّقافيَّة والاجتماعيَّة والدِّينيَّة؛ حتَّى يكون لكلِّ فرد مشروع ومؤسَّسة. وهذه العبارة تحمل تصورًا مهمًا لطبيعة العمل المجتمعي؛ إذ يريد السيِّد أن ينتقل المؤمن من موقع المتلقي إلى موقع المشارك والمنتج، وأن يشعر بأنَّ له دورًا يمكن أن يؤدِّيه في خدمة مجتمعه، بحسب قدرته وتخصُّصه وإمكاناته.

إنَّ هذه الوصيَّة تكشف عن نظرة تتجاوز حدود النَّشاط الفرديِّ إلى بناء بيئة مؤسَّسيَّة مستمرَّة، تستطيع المحافظة على الجهود وتطويرها، وتوزيع المسؤوليات، واستثمار الكفاءات. فالمجتمع الذي يمتلك مؤسَّساته الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة يكون أكثر قدرة على مواجهة التَّحديات، ونقل الخبرات، وإعداد الأجيال الجديدة.

 ثانيًا: المنبر الحسيني أمانة علميَّة وتربويَّة

احتلَّ المنبر الحسيني موقعًا مهمًّا في وصايا السيِّد محمَّد رضا الشيرازي، وقد جاءت توجيهاته للخطباء كاشفة عن فهمه لطبيعة أبعاد هذا الدَّور الإصلاحي، وإدراكه لحجم التَّأثير الذي يمارسه الخطيب في وعي المجتمع وسلوكه. وقد نقل عنه مجموعة من هذه الوصايا، ممَّا جاء في محاضرة ألقاها السيِّد للخطباء عام 1991م، وفي جلسات خاصَّة معه.

ومن أبرز ما ورد في تلك الوصايا: "الِاهْتِمَامُ بِالْوَقْتِ الْمِنْبَرِيِّ: وَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مِثَالًا، وَقَالَ: مُحَمَّدُ رِضَا قَدْ يُفَكِّرُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَجْلِسًا مِقْدَارُهُ سَاعَةٌ؛ وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ سَاعَةً مِنْ وَقْتِ كُلِّ الْحُضُورِ، فَإِذَا كَانَ الْحُضُورُ خَمْسَمِائَةِ شَخْصٍ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ أَخَذَ مِقْدَارَ خَمْسِمِائَةِ سَاعَةٍ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ مِقْدَارَ خَمْسِمِائَةِ سَاعَةٍ، وَلَيْسَ سَاعَةً. وَالْحَلُّ هُوَ أَنْ يَمْلَأَ خِطَابَهُ بِمَا يُفِيدُ النَّاسَ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام وَكَلِمَاتِهِمْ"(19).

وتكشف هذه الوصيَّة عن دقَّة في تقدير قيمة الوقت، وعن نظرة أخلاقيَّة إلى مراعاة المتحدِّث لوقت مستمعيه. فالسيِّد لم ينظر إلى المجلس المنبري من زاوية مدَّته الزَّمنيَّة وحدها؛ وإنَّما نظر إلى مجموع الأوقات التي يقتطعها الخطيب من حياة الحاضرين، وهو تحليل يحمل دلالة تربويَّة عميقة؛ لأنَّ الكلمة التي تُلقى أمام مئات الأشخاص تستثمر وقتًا جماعيًّا كبيرًا، وتستوجب مستوى من الإعداد يتناسب مع المكانة التي يحتلُّها الخطاب في وعي الجمهور.

ولهذا السَّبب، فإن الخطيب مطالب بأن يدرك أنَّ صعوده المنبر أمانة علميَّة، وأنَّ الحاضرين يمنحونه جزءًا من أعمارهم طلبًا للمعرفة والهداية. وتقتضي هذه الأمانة أن يكون الخطاب منظَّمًا، غنيًّا بالمضمون، بعيدًا عن التكرار والإطالة التي لا تحقِّق فائدة حقيقيَّة.

ثم يؤكِّد السيِّد ضرورة جعل القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) محور الخطاب المنبري، فيقول:

"التَّأْكِيدُ الدَّائِمُ عَلَى قَضِيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام وَالْقُرْآنِ فِي الْمِنْبَرِ، وَخَاصَّةً فِي الْمُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ جُعِلَتْ مِنْ أَجْلِ بَيَانِ حُكْمِ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ بِغَيْرِ الْكَلَامِ عَنِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام، فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا"(20).

وهذا المنحى يحدِّد الهويَّة المعرفيَّة والرِّساليَّة للمنبر الحسيني، ويؤكِّد أنَّ المناسبات الدِّينية تمثِّل فرصًا لتجديد الارتباط بمصادر الهداية، وتعريف النَّاس بمبادئ القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام). فالمنبر في هذا التصور وسيلة لتكوين الوعي الدِّيني، وتصحيح المفاهيم، وتعميق المعرفة بالسِّيرة والمواقف والقيم.

وفي السِّياق نفسه، أوصى الخطباء بـ "الِاهْتِمَامُ بِالتَّسَلُّحِ بِعَقَائِدِ أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام لِرَدِّ الشُّبُهَاتِ قَبْلَ حُلُولِهَا، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى احْتِجَاجَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَصْحَابِهِمْ، كَمَا وَرَدَ فِي كِتَابِ الِاحْتِجَاجِ وَغَيْرِهِ"(21). وهذه الوصيَّة تؤكِّد أنَّ العمل المنبري يحتاج إلى إعداد عقائدي رصين، يمكِّن الخطيب من فهم الأسئلة الفكريَّة التي يواجهها المجتمع، وتقديم الإجابات القائمة على الدَّليل والحجَّة.

كما دعا السيِّد إلى "التَّدَبُّرُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)(22)، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَسْرَارَ حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكَذَلِكَ بِالتَّمَعُّنِ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ وَمَعْرِفَةِ مَشَاكِلِهِمْ وَكَيْفِيَّةِ حَلِّهَا"(23).

وهنا تظهر سعة الرُّؤية التي أرادها للخطاب الدِّيني؛ فالقرآن الكريم هو منهج للهداية وبناء الوعي، والتَّاريخ مجال لاستخلاص السُّنن وفهم تجارب المجتمعات. ومن ثمَّ فإنَّ الخطيب يحتاج إلى عقل متدبر، وثقافة تاريخيَّة، وقدرة على ربط النُّصوص الدِّينيَّة بواقع النَّاس وقضاياهم.

ويختم السيد جملة من توجيهاته بالتأكيد على "إِصْلَاحُ النَّفْسِ، وَأَنْ يُرَبِّيَ الْخَطِيبُ وَالْمُبَلِّغُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُوَجِّهَ الْآخَرِينَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْعَقَائِدِيَّةِ، وَإِرْشَادَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام"(24).

ومن يتأمَّل في هذه الوصايا سيجد أنَّها تقدِّم تصورًا متكاملًا للمنبر الحسيني، فهو أمانة فكريَّة، ورسالة تربويَّة تستلزم تهذيب النَّفس، وأمانة اجتماعيَّة تفرض احترام وقت النَّاس واهتماماتهم. وبهذا التَّصور يصبح المنبر وسيلة لإعداد الفرد وتوجيه المجتمع، وحلقة وصل بين تعاليم القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) وحياة النَّاس اليوميَّة.

 ثالثًا: الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) 

تتكرَّر الإشارة إلى أهل البيت (عليهم السلام) في وصايا الرِّضا الشيرازي بصورة واضحة، ويكشف هذا التّكرار عن مركزيَّة الولاء في رؤيته التَّربوية والرِّساليَّة. فالارتباط بهم يمثِّل أساسًا لتوجيه العمل، ومصدرًا للقيم والمبادئ التي ينبغي أن تحكم سلوك المؤمن ومواقفه.

ويتجلَّى هذا المعنى في وصيَّته للخطباء، حين أكَّد "عَلَى شَدِّ النَّاسِ بِالْإِمَامِ الْحُسَيْنِ عليه السلام، خُصُوصًا فِي الْمُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ، فَلَا مَنَاصَ لِحَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ إِلَّا بِالْحُسَيْنِ عليه السلام" (25).

كما يتجلَّى هذا الفهم في وصاياه للرَّادود الحسيني، التي نقلها السيِّد محمَّد الموسوي الكربلائي؛ إذ قال: "في سنة 2006م سافرت إلى مشهد الإمام الرِّضا عليه السلام، وصادفت الأيَّام الفاطميَّة، فالتقيت بالسيِّد الفقيه آية الله محمَّد رضا الشيرازي (قدِّس سرُّه) في الحسينية الشيرازيَّة.

عندما التقيت بالسيِّد الرَّاحل كان وقت صلاة الظُّهر، وبعد انتهاء صلاة الجماعة التفت إليَّ السيِّد، وكنت جالسًا خلفه، وطلب منِّي إلقاء قصيدة على المنبر بمناسبة استشهاد السيِّدة فاطمة الزَّهراء عليها السلام، فارتقيت المنبر، وبعد نزولي من المنبر استقبلني السيد محمَّد رضا الشيرازي (قدِّس سرُّه)، وقال لي: إنِّي أرى لك مستقبلًا باهرًا في خدمة الحسين عليه السلام -إن شاء الله تعالى- بشرط الجدِّ، والاستمرار، والاستعانة بالله تعالى، وأوصاني عدَّة وصايا؛ كان منها:

1. لَا تَقْرَأْ إِلَّا عَلَى الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ عليه السلام.

2. لَا تَسْتَصْغِرِ الْمَجْلِسَ، وَاقْرَأْ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ.

3. اسْتَمِرَّ عَلَى هَذَا النَّهْجِ وَلَا تَتْرُكْهُ، وَاجْعَلْ خِدْمَةَ الْحُسَيْنِ عليه السلام خَالِصَةً.

4. إِيصَالُ رِسَالَةِ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي كُلِّ مَكَانٍ"(26).

وتكشف هذه الوصايا عن أبعاد مهمَّة في فهم السيِّد للخدمة الحسينيَّة؛ إذ جعل الإخلاص والاستمرار وإيصال الرِّسالة مرتكزات أساسيَّة لهذا العمل. فقوله بعدم استصغار المجلس الذي يحضره شخص واحد يعيد تعريف النَّجاح في العمل الرِّسالي، ويجعله مرتبطًا بأداء المسؤوليَّة وإخلاص النيَّة، بعيدًا عن حسابات الجمهور والمظاهر الخارجيَّة.

وهذه لفتة تربويَّة تستحق التَّأمل؛ لأنَّ الإنسان قد يتردَّد في أداء عمل نافع حين يرى عدد المستفيدينَ قليلًا، وقد يربط قيمة جهده بحجم الحضور أو مقدار التَّصفيق والتَّفاعل. فجاءت وصيَّة السيِّد؛ لتؤكِّد أنَّ خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) رسالة تستمدُّ قيمتها من صدق الانتماء والإخلاص والاستمرار، وأنَّ إيصال كلمة الحقِّ إلى إنسان واحد قد يكون بداية أثر يمتدُّ إلى آخرين.

ويتَّصل بهذا المعنى ما ورد في وصيَّته لابنته حين استشهد بالحديث الشريف: "رحم الله من أحيا أمرنا"، وهي رواية تحمل دعوة إلى إحياء تعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، وتعريف النَّاس بمبادئهم، ونشر سيرتهم وقيمهم في المجتمع. فالإحياء في هذا السِّياق يتجاوز إقامة المجالس إلى استحضار الرِّسالة في الفكر والسُّلوك والعمل.

كما أكَّد السيِّد أنَّ واجب المؤمنين يتمثَّل في التَّمهيد والدُّعاء لظهور الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه الشَّريف)، وكان يشدِّد على ضرورة توجيه الأعمال نحو خدمة قضيَّته المباركة. ويتَّضح هذا المعنى في قوله: "إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَمَلَهُ فِي خِدْمَةِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ (عَجَّلَ اللَّهُ فَرَجَهُ الشَّرِيفَ)، فَهُوَ عَمَلٌ مَيِّتٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ"(27).

وتعبِّر هذه العبارة عن مركزيَّة القضيَّة المهدويَّة في المشروع الرِّساليّ للسيِّد، فهي تمنح العمل الدِّيني والاجتماعي أفقًا مستقبليًّا، وتربط جهود الإصلاح والوعي والاستقامة بمشروع إقامة العدل الإلهي. فانتظار الفرج، وفق هذا التَّصور، يتطلَّب استعدادًا إيمانيًّا وأخلاقيًّا، وعملًا متواصلًا في سبيل إصلاح الفرد والمجتمع.

ويؤيِّد هذا المعنى ما ورد في وصيَّته لابنته حينما نقل الحديث الشَّريف: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"، وهي رواية تجعل الانتظار قيمة إيمانيَّة تتَّصل بالأمل والعمل. كما أنَّ قوله: "اللهم اجعلني عندك وجيهًا بالحسين عليه السلام" يبيِّن عمق الارتباط الوجداني والرِّسالي بالإمام الحسين (عليه السلام)، وعن حضور هذا الارتباط في الدُّعاء والتَّوجُّه إلى الله تعالى.

ومن مجموع هذه الوصايا، يمكن القول: إنَّ الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) في فكر السيِّد يمثِّل منهجًا للحياة، تتجسَّد آثاره في العلم والعبادة والخطابة والخدمة الاجتماعيَّة، ويتَّجه في غايته نحو نصرة الحقِّ وإصلاح الإنسان والمجتمع.

 رابعًا: خدمة المجتمع وقضاء حوائج المؤمنين

من الجوانب المهمَّة التي تكشف عنها وصايا السيِّد الشيرازي اهتمامه بالعمل الاجتماعي المنظَّم، وإدراكه أنَّ خدمة المجتمع تحتاج إلى جهود تتكامل فيها الطَّاقات وتتوزع المسؤوليات. وقد ظهر هذا الاهتمام في وصيَّته للمؤمنين بضرورة تأسيس المؤسَّسات الثّقافيَّة والاجتماعيَّة والدِّينيَّة، كما تجلَّى بصورة أكثر تفصيلًا في الرِّسالة التي كتبها لأصحاب اللجان الخدميَّة، والتي نقلها العلَّامة الشيخ حسن العوامي.

وقد استهل السيد رسالته بالتذكير بانقضاء العمر وضرورة اغتنام فرصة العمل، ثم انتقل إلى بيان مجموعة من الأعمال التي ينبغي الاهتمام بها، فقال:

"ومن أفضل الأعمال: ... الِاهْتِمَامُ بِتَشْكِيلِ لِجَانٍ لِخِدْمَةِ الْمُجْتَمَعِ، دِينِيًّا وَثَقَافِيًّا وَإِنْسَانِيًّا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قِيلَ لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ: مَا هُوَ أَفْضَلُ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي لَحَظَاتِهِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ تَحْكِيمِ أُسُسِهِ الِاعْتِقَادِيَّةِ؟ فَأَجَابَ: (قَضَاءُ حَوَائِجِ الْإِخْوَانِ).

وَنَجَاحُ اللِّجَانِ الْعَامِلَةِ يَعْتَمِدُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ عَلَى تَطْبِيقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)(28)"(29).

ويكشف هذا النَّص عن انتقال واضح من بناء الفرد إلى تنظيم العمل الجماعي؛ فبعد التَّأكيد على ضرورة التَّفقه في الدِّين -الذي ذكرناه سابقًا-، دعا السيِّد إلى تشكيل اللجان التي تنهض بخدمة المجتمع في مجالات متعدِّدة. وهذا التَّرتيب يحمل دلالة مهمَّة؛ إذ إنَّ العمل الاجتماعي يحتاج إلى أساس معرفي وأخلاقي يوجه أهدافه، وإلى تنظيم يضمن استمراره وفاعليَّته.

إلى جانب ذلك، فإنَّ تأكيده على قضاء حوائج الإخوان يعلن عن اهتمامه بالبعد الإنساني في العمل الدِّيني؛ إذ لا يكتمل تكليف المؤمن بمجرَّد التزامه الشَّخصيّ؛ وإنَّما تمتدُّ إلى تفقد الآخرين، ومساعدتهم، والسَّعي في تيسير شؤونهم.

ويكتسب استشهاده بقوله (عزَّ وجلَّ): (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) مكانة خاصَّة في هذا السِّياق؛ لأنَّه يضع الشُّورى ضمن مقوِّمات نجاح العمل المؤسَّسي. فاللجان الخدميَّة تحتاج إلى تبادل الرَّأي، وتوزيع الأدوار، واحترام الخبرات، والتَّعاون في اتِّخاذ القرارات. وفي ضوء ما تقدَّم، فإنَّ الشُّورى تمثِّل ضمانة لتقليل الأخطاء، وتوجيه الإمكانات نحو الأهداف المنشودة.

إنَّ هذه الوصية تكشف عن إدراك السيِّد لأهميَّة الانتقال من ثقافة المبادرات المؤقتة إلى ثقافة المؤسسات المستدامة؛ فالمبادرة الفردية قد تحقق أثرًا محدودًا، أما العمل المؤسسي المنظم فيستطيع استثمار الطاقات، وتوسيع نطاق الخدمة، وإعداد كوادر تواصل العمل بعد غياب المؤسسين. وهذا المنهج ينسجم مع دعوته السَّابقة إلى أن يكون لكل فرد مشروع ومؤسسة، بما يجعل المجتمع شبكة من الطاقات العاملة في مجالات الخير والإصلاح.

وتتفرَّع عن هذا المنطلق الإنساني وصيَّته برعاية الفئات المحتاجة، فقد أوردها ضمن التَّوجيهات الأساسيَّة للمؤمنين، وهو ما يؤكِّد أنَّ الجانب الإنساني حاضر في تصوره للعمل الدِّيني. فالإيمان ينبغي أن يترك أثره في رعاية المحتاج، وحفظ كرامة الضَّعيف، وتخفيف معاناة الإنسان.

وبذلك تتبيَّن صورة المجتمع الذي أراد السيِّد الإسهام في بنائه؛ مجتمع يمتلك الوعي الدِّيني، وينظِّم جهوده، ويهتم بثقافته، ويرعى أفراده، ويجعل من خدمة الإنسان مظهرًا عمليًّا من مظاهر الإيمان.

خامسًا: الوصيَّة الأخيرة 

تكتسب الوصيَّة الأخيرة التي وُجدت في ثوب السيِّد محمَّد رضا الشيرازي أهميَّة خاصَّة في قراءة مجموع وصاياه؛ لأنَّها تقدِّم صورة عن اهتمامه بالحقوق والواجبات، وحرصه على مراجعة ما قد يكون بقي في ذمَّته من التزامات. وقد ورد في الورقة التي كُتبت بخطِّه الشَّريف ما يأتي:

"بِسْمِهِ تَعَالَى

١ـ قَضَاءُ جَمِيعِ صَلَوَاتِي وَصِيَامِي.

٢ـ سَمَاعُ أَشْرِطَتِي وَحَذْفُ مَا يَنْبَغِي حَذْفُهُ شَرْعًا.

٣ـ إِبْرَاءُ الْعَمِّ، حَفِظَهُ اللَّهُ، مِمَّا بِذِمَّتِي ـ إِنْ كَانَ ـ تِجَاهَهُ أَوْ تِجَاهَ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ.

٤ـ المَعْذِرَةُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أَحَاطَ بِي، إِنْ كُنْتُ قَصَّرْتُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهِمْ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ."(30).

إنَّ التَّأمُّل في هذه الوصيَّة يضعنا أمام مجموعة من المعاني التي تستحق الوقوف عندها. فقد بدأ السيِّد بالتَّنبيه إلى قضاء ما فاته من الصَّلاة والصيام، وهو ما يعكس اهتمامه بأداء التَّكاليف الشَّرعية، واستحضاره للتَّبعات المترتِّبة على أداء الواجبات الفرديَّة. ثمَّ أوصى بمراجعة تسجيلاته وحذف ما ينبغي حذفه شرعًا، وهي إشارة إلى عنايته بأمانة الكلمة وأثر ما يتركه الإنسان من مادَّة علميَّة وإعلاميَّة بعد رحيله.

كما أنَّ طلبه إبراء ذمَّته من الحقوق المالية والشَّرعية، واعتذاره ممَّن يحتمل أنَّه قصَّر في حقِّهم، يدلُّ على شعورٍ رفيع بالواجب إزاء الآخرين، وحرص على تصفية الحقوق، واستحضار احتمال التَّقصير في العلاقات الإنسانيَّة. وهذه المعاني تتَّصل اتِّصالًا وثيقًا بوصاياه السَّابقة في محاسبة النَّفس، والتَّقوى، وقضاء حوائج المؤمنين، وحسن الخلق.

ومن أعمق ما يمكن استنتاجه من هذه الورقة أنَّ المراجعة التي دعا إليها في وصيَّته للمؤمنين لم تكن توجيهًا نظريًّا منفصلًا عن حياته، فقد ظهرت في آخر ما تركه من كلمات مكتوبة، عبر اهتمامه بما عليه من واجبات وحقوق، وحرصه على ألَّا يغادر الدُّنيا وفي ذمَّته ما يستطيع تداركه.

ومن هذه الوصايا نتبيَّن سرَّ التَّأثير الذي تركه السيِّد محمَّد رضا الشيرازي في نفوس من عرفوه، من تلامذته ومحبِّيه، ومن سمع به من مختلف المذاهب والطَّوائف والانتماءات؛ فقد حظي بمحبَّة وتقدير واحترام، لما اتَّسم به من علم وأخلاق وتواضع وإنسانيَّة، إذ كان تأثيره ثمرة انسجام عميق بين ما يدعو إليه وما يجسّده في سلوكه وعمله. فقد كانت كلماته تعبيرًا عن مشروع تربوي يستند إلى أسس إيمانيَّة راسخة، انعكست في اهتمامه ببناء الإنسان وصناعة الوعي وتوجيه الطَّاقات نحو خدمة الدِّين والمجتمع. كما ترسم هذه المضامين سعة نظرته، وعمق فهمه لمسؤوليَّات الفرد والمجتمع، وقدرته على تشخيص مواطن الحاجة وتقديم التَّوجيه المناسب لها. وهكذا تمثّل هذه الوصايا نافذةً نطلُّ منها على ملامح شخصيَّته العلميَّة والتَّربويَّة، ونستشفُّ من خلالها سرَّ حضوره المؤثِّر ومكانته الباقية في الذَّاكرة والوجدان.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

.............................................

 الهوامش:

1. في رحاب فقيد العلم والتقوى (الإصدار الثَّاني): ص159.

2. سورة الحشر/ الآية: 18.

3. نهج البلاغة، (تحقيق: قيس بهجت العطار): ص104.

4. سورة المؤمنون/ الآية: 100.

5. في رحاب فقيد العلم والتقوى (الإصدار الثَّاني): ص163.

6. فقه الرضا عليه السلام: ص359.

7. الهداية، للصدوق: ص60.

8. سورة الإسراء/ الآية: 79.

9. مصباح المتهجد: ص774.

10. ينظر: كمال الدين وتمام النعمة: ص645.

11. مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج5، ص63.

12. ينظر: الأمالي، للشيخ الطوسي: ص526.

13. الدعوات، للقطب الراوندي: ص63.

14. سورة الفرقان/ الآية: 74.

15. سورة آل عمران/ الآية: 134.

16. في رحاب فقيد العلم والتقوى (الإصدار الثَّاني): ص161.

17. م. ن: ص159.

18. م. ن: ص163.

19. م. ن: ص160.

20. م. ن: ص160.

21. م. ن.

22. سورة آل عمران/ الآية: 140.

23. في رحاب فقيد العلم والتقوى (الإصدار الثَّاني): ص160.

24. م. ن: ص161.

25. م. ن.

26. م. ن: ص161.

27. م. ن.

28. سورة الشورى/ الآية: 38.

29. في رحاب فقيد العلم والتقوى (الإصدار الثَّاني): ص163.

30. م. ن: ص164.

اضف تعليق