لبيك اللهُم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، ما أروع هذه الكلمات عندما تطلقها الحناجر المؤمنة ممتزجة بالعشق نافحة بالحب معبقة بالاخلاص في ذلك الموقف العظيم، موقف العبد وهو يلبي ربه هنالك تتجلى ابهى صور الروحانية، فالإنسان هناك روح اكثر من جسد اذ يخرج في هذه الشعائر المقدسة من عالم الدنيا الفاني الى عالم آخر يتساوى فيه الغني والفقير والابيض والاسود والعزيز والذليل وتلتقي الاعراق والاجناس المختلفة من كل بقاع الارض لتتوحد هناك وهي تهتف هذا الهتاف الخالد.

خرقة بيضاء ونعل بسيطة هو الزي الموحِّد ففي هذا الزي الذي يسمى إحراماً يكون المحرم فيه قد الغى لذة الحياة وبهرجها من نفسه وتوجه الى لذة أرقى حيث تتجلى الانوار الالهية على الروح الانسانية فتطهرها من الذنوب والآثام وهناك تصل النفس الى غاية مناها.

ان التمايز الطبقي الذي يعيشه الانسان لتباين الحالة المادية والجنسية والاجتماعية يمحى بأداء هذه الفريضة فالجميع سواسية كأسنان المشط فينتقل الانسان من الانانية الى حالة الانصهار التام في جسد الامة الواحدة ومن الطبقية والعنصرية الى المساواة ومن الشحناء والبغضاء الى الحب والاخاء ومن انسان تميزه الثياب عن الاخرين الى حالة من الذوبان وفناء الذات، والارتقاء بها من الحياة الفانية الرتيبة الى حياة الابدية السامية حيث الهدى يشع عليها من ذلك البيت المبارك كما وصفه سبحانه وتعالى بقوله (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان أمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً ومن كفر فان الله غني عن العالمين).

لقد دعا الله سبحانه وتعالى المسلمين الى اجتماع سنوي في بيته المبارك حيث ينزلون في ضيافته والتشرف بالطواف حول بيته فخاطب نبيه الكريم (ص) بقوله (وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا وليوفوا تفثهم ونذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق).

وقد فرض سبحانه وتعالى على الحاج ان ينقي نفسه من الشوائب فقال (الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فان خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الالباب) فقبل السفر الى الحج يجب على المسلم ان يحقق طهارته المادية والمعنوية والنفسية، وان يسدد ديونه كلها حتى لا تبقى عليه تبعة وان يزيل احقاده واضغانه تجاه اصدقائه واخوانه وان يتجرد من الرغبات والاطماع الدنيوية ويتوجه الى هدف روحي اسمى ليعيش حالة الصفاء الروحاني فيكون انساناً على المستوى الذي اراده الله سبحانه وتعالى منه عندما امر ملائكته بالسجود له فروح الله تعم الارجاء في ذلك المكان وهي تنقي القلوب فلا يحس المسلم الا والدموع تنهمر على خديه وهو يطوف بين امواج الناس طواف الحب مستشعراً الرحمة الالهية.

السفر الى الله

الحج من العبادات المهمة التي يتقرب بها الانسان الى خالقه ويصل الى ساحة قدسه إذ أن السفر الى الحج هو سفر الى الله تعالى للوقوف بين يدي عظمته والدخول في ضيافته في بيته الذي جعله باباً لرحمته فمن دخله كان من الآمنين والكعبة المشرفة كانت ولا زالت منذ زمن إبراهيم(ع) محطاً لأنظار الموحدين يتهافت عليها الملايين من الناس من كل بقاع الارض في كل عام متحملين مشاق السفر في رحلة قدسية فيجتمعون بأرض الوحي والنبوة لتلبية نداء الحق سبحانه وامتثالاً لامره تعالى، ويكفي الكعبة شرفاً انها قبلة للمسلمين وهي البيت الذي نسبه الله تعالى الى نفسه واكرمه وشرفه بهذه النسبة وهو أول بيت وضع للناس فيه البركة والامن كما في قوله تعالى(اذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).

وسئل الامام الصادق(ع) عن الآيات البينات في قوله تعالى (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان امناً) فأجاب (مقام ابراهيم(ع)، والحجر الاسود ومنزل اسماعيل(ع)) ويقول أمير المؤمنين(ع) عن هذا البيت المبارك (انه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه هدى ورحمة والبركة)، وعن الامام الصادق(ع) (ان الله عز وجل اختار من كل شيء شيئاً واختار من الارض مكة واختار من مكة المسجد واختار من المسجد الموضع الذي في الكعبة)، وعنه(ع) ايضا انه قال (ما خلق الله تبارك وتعالى بقعة في الارض احب اليه منها ولا اكرم على الله عز وجل منها لها حرم الله الاشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والارض) وعنه (ع) (أيضاً النظر الى الكعبة عبادة)، وعن رسول الله (ص) انه قال (النظر الى الكعبة حباً لها يهدم الخطايا هدما) وعن الصادق (ع) انه قال (اذا خرجتم حجاجا الى بيت الله فاكثروا النظر الى بيت الله فان لله مئة وعشرين رحمة عند بيته الحرام ستون للطائفين، واربعون للمصلين، وعشرون للناظرين).

شهر الحج وأعماله وشروطه

الحج في اللغة هو القصد وكثرة الاختلاف والتردد وقال الخليل الحج كثرة القصد الى من يعظمه وسمي الحج حجاً ان الحاج يأتي قبل الوقوف بعرفه الى البيت ثم يعود اليه للطواف الزيارة ثم ينصرف الى منى ثم يعود اليه لطواف الوداع اما أشهر الحج فهي شوال، وذي القعدة، وذي الحجة وهي الاشهر التي خصها سبحانه وتعالى بقوله (الحج اشهر معلومات) ولا يفرض الحج الا من هذه الشهور فعن الامام الصادق(ع) انه قال (من احرم بالحج في غير أشهر الحج فلا حج له) اما شروط الاتيان باعمال الحج فهي البلوغ، الحرية، والاستطاعة،.

اما اعمال الحج التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية فهي أولاً: الإحرام لقوله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتما حرماً) وقوله تعالى (ولا تقتلوا الصيد وانتم حرماً).

ثانياً: الطواف لقوله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) وقوله تعالى (وطهر بيتي للطائفين)، ثالثاً: صلاة الطواف لقوله تعالى (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى).

رابعاً: السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما).

خامساً: الوقوف بعرفات لقوله تعالى (فاذا افضتم من عرفات).

سادساً: الوقوف بالمشعر الحرام لقوله تعالى (فاذكروا الله عند المشعر الحرام).

سابعاً: الافاضة الى المنى لقوله تعالى (ثم افيضوا حيث افاض الناس).

ثامناً: الهدي لقوله تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليه صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون).

تاسعاً: الاحلال والتقصير لقوله تعالى (واذا حللتم فاصطادوا) وقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله).

عاشراً: ايام المنى لقوله (واذكروا الله في ايام معدودات).

الحادي عشر: قضاء المناسك لقوله تعالى (فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم) ولم يذكر سبحانه وتعالى في قران رمي الحجرات والعيد.

فضلُ الحج

تأتي اهمية الحج كونه فريضة مهمة من فرائض الاسلام وركن من اركانه وقد دلت الكثير من الاحاديث الشريفة واقوال الائمة الهداة(ع) على فضله وقد اجمعت كل الفرق الاسلامية على وجوبه لقوله تعالى (ولله على الناس حج بيت من استطاع اليه سبيلاً،) وقد اكد الرسول الكريم على اداء هذه الفريضة ودل على الفوائد العظيمة المترتبة على ادائها وحث المسلمين عليها فمن خطبته(ص) في حجة الوداع قوله (معاشر الناس حجوا البيت فما ورده أهل بيت الا استغنوا وما تخلفوا عنه الا افتقروا، معاشر الناس ما وقف مؤمن الا غفر الله له ما سلف من ذنبه الى وقته ذلك فاذا انقضت حجته استؤنف عمله، معاشر الناس الحجاج معانون ونفقاتهم مخلفة، والله لا يضيع أجر المحسنين).

وهناك باقة من احاديثه(ص) في اهمية هذه الفريضة وفضلها منها قوله(ص) (من اراد دنيا او آخرة فيؤم هذا البيت. ما أتاه عبد فسأل الله دنيا الا اعطاه منها أو سأله آخرة الا ادخر له منها أيها الناس عليكم بالحج والعمرة فتتابعوا بينهما فانهما يغسلان الذنوب كما يغسل الماء الدرن وينفيان الفقر كما تنفى النار خبث الحديد)، ومنها قوله(ص) (حجوا تستغنوا) وقد ورد عن الامام علي(ع) قوله (حج البيت واعتماره ينفيان الفقر ويرحضان الذنب) وعن الامام علي بن الحسين(ع) زين العابدين انه قال (حجوا واعتمروا تصح ابدانكم وتتسع ارزاقكم وتكفون مؤونات عيالكم)، وعنه(ع) ايضاً (الحاج مغفور له موجب له الجنة ومستأنف العمل ومحفوظ في اهله وماله) وعن الامام الصادق(ع) انه قال (الحجة ثوابها الجنة والعمرة كفارة لكل ذنب)، وعن الامام الباقر(ع) (وقروا الحاج والمعتمر فان ذلك واجب عليكم) وهنالك الكثير من الاحاديث الشريفة للنبي (ص) والائمة الهداة في الحج واهميته تركناها خوف الاطالة.

وصايا الحج

لما كان الحج هو الدخول الى الحرم الالهي والورود الى ضيافة الرحمن فيجب ان يكون الحاج مهيأ من حيث النية والسلوك للتشرف بهذه الضيافة وقد أوضح أئمة أهل البيت(ع) من خلال اقوالهم ووصاياهم الى ما يجب ان يكون عليه الحاج وقدموا النصائح والمواعظ والارشادات، وجاءت وصية الامام الصادق(ع) في الحج آية في العلوم الروحانية والتهذيب النفسي وقد آثرنا نقلها لفائدتها العظيمة فقد ورد عنه(ع) انه قال (اذا أردت الحج جرد قلبك لله من قبل عزمك من كل شاغل وحجاب كل حاجب، وفوض امورك كلها الى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين ولا تعتمد على زادك وراحلتك واصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة ان يصير ذلك عدواً ووبالاً من ادعى رضى الله واعتمد على سواه صيره عليه عدواً ووبالاً ليعلم انه ليس له قوة ولا حيلة ولا لاحد الا بعصمة الله توفيقه واستعد استعداد من لا يرجو الرجوع واحسن الصحبة وراع اوقات فرائض الله وسنن نبيه(ص) وما يجب عليك من الادب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وايثار الزاد على دوام الاوقات ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع واحرم من كل شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته ولب بمعنى اجابة صافية خالصة زاكية لله عز وجل في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت وهرول هربا من هواك وتبرياً من جميع حولك وقوتك واخرج من غفلتك وزلاتك بخروجك الى منى ولا تتمن ما لا يحل ولا تستحقه واعترف بالخطايا بعرفات وجدد عهدك عند الله بوحدانيته وتقرب الى الله واتقه بمزدلفة واصعد بروحك الى الملأ الاعلى بصعودك الى الجبل واذبح حنجرة الهواء والطمع عند الذبيحة وارم الشهوات والخساسة والدناءة والافعال الذميمة عند رمي الجمرات واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك وادخل في امان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخول الحرم وزر بيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه واستلم الحجر رضاء بقسمته وخضوعاً لعزته وودع ما سواه بطواف الوداع واصف روحك وسرك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك على الصفا وكن ذا مروة من الله نقياً اوصافك عند المروة واستقم على شرط حجتك ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك واوجبت له الى يوم القيامة واعلم بان الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالاضافة الى نفسه بقوله عز وجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً) ولا شرع نبيه (ص) سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه الا للاستعداد والاشارة الى الموت والقبر والبعث والقيامة وفصل بيان السابقة من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار اهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها الى اخرها لاولي الالباب وأولي النهى).

الحج رمز المسلمين ووحدتهم

الحج من النعم الالهية التي انعم الله بها على المسلمين وفي الحج وحدتهم وقوتهم وتألفهم وهو شعار الاسلام وحكمه وقد ورد الامام الصادق(ع) قوله (لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة) واضافة الى الفوائد الروحية والاخلاقية العظيمة التي يحصل عليها الانسان بأدائه هذه الفريضة فان الحج يشكل ملتقى عظيماً للمسلين ورمزاً لوحدتهم ومظهراً لعزتهم وتقريباً لآرائهم وانتفاءً لخلافاتهم اذانهم في بيت ربهم وعلى ارض نبيهم يستذكرون نزول الوحي على نبي محمد(ص) بقلوب خاشعة واعين دامعة ويستشعرون كيف كان رسول الله بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً فتتآلف القلوب وتتوحد المشاعر وتتوحد الكلمة، كما يلتقي هناك العلماء و الفقهاء والكتاب من كل المذاهب الاسلامية فتعقد جلسات حوارية يكون هدفها التقارب بينهم وتقريب الافكار التي تصب في صالح الوحدة الاسلامية.

* مقال نشر في شبكة النبأ المعلوماتية- 9 تشرين الثاني/2007 - 28/ذو القعدة/1428

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0