المشكلة التي تبرز الآن هي كيف يمكن صياغة نظام اخلاقي يأخذ بالحسبان مخاوف واهتمامات اجيال المستقبل، ذلك ان الافراد الذين يجري الاهتمام بهم هم لازالوا غير موجودين. بالطبع، نحن نفترض ان الاجيال القادمة ستكون موجودة مالم تحصل ظروف مثل التعرض الى دمار شامل او انقراض غير متوقع للانسان. سنعرض هنا بعض الصعوبات الناجمة عن محاولة بناء نظام اخلاقي يدمج معه الناس الذين لم يوجدوا بعد.

اولا، هناك سؤال حول مدى ضرورة تضمين اجيال المستقبل في قراراتنا الاخلاقية. لو قررنا اننا يجب ان نفكر بشعوب المستقبل عند تقييم افعالنا فسيبرز سؤال عن اي نوع من النظام الاخلاقي يجب ان نستعمل للقيام بهذا؟ في الاجابة على تلك الاسئلة نكون قد فتحنا النقاش على مصراعيه حول المشاكل المتصلة بأخلاق المستقبل.

هل يجب على الاخلاق الاهتمام بالمستقبل؟

قبل التفكير في صياغة نظام اخلاقي للمستقبل لابد ان نقرر ان كان للمستقبل حيز في نقاشاتنا الاخلاقية. هل يجب ان نأخذ بالحسبان شعوب المستقبل عند الحكم على صوابية او خطأ افعالنا؟

قد يبدو من السخف احيانا الاهتمام بأناس لم يُخلقوا بعد. فمثلا نحن لا نقلق حول ما يسببه تجريف الغابات للكائنات المحلية غير المرئية التي تقطن تحت الارض لأن اي شيء نفعله سوف لن يؤثر على تلك المخلوقات لكونها غير موجودة. غير ان هناك فرق كبير بين الكائنات اللامرئية والانسان الذي لم يوجد بعد. الصنف الاول قد لا يكون موجود ابدا بينما الانسان يُحتمل ان يوجد. وبهذا فان الكائن البشري المستقبلي ينتمي الى صنف خاص من الكائنات غير الموجودة. يمكن ان نسمي هذا الصنف بـ "اشخاص على وشك الوجود" ونعرّفهم بالضبط كمجموعة من الناس يستحقون الاعتبارات الاخلاقية حينما يوجدون وسوف يوجدون حتما في يوم ما.

الآن نحتاج لنقرر ما إذا كان يتوجب علينا التفكير بهؤلاء الناس وشيكي الوجود عندما نقيّم افعالنا اخلاقيا. اننا نرى اننا يجب ان ننظر بعين الاعتبار لأفراد المستقبل بصرف النظر عن النظام الاخلاقي الذي نستعمله. هنا سنميز بين صنفين رئيسيين من الانظمة الاخلاقية: وهما النظام الدينوتولوجي deontology والنظام الذرائعي القائم على المحصلة consequentialism. النظام الدينوتولوجي هو اي نظام اخلاقي يؤمن بان الافعال يمكن ان تكون صحيحة او خاطئة بطبيعتها بصرف النظر عن نتائجها. فمثلا، الشخص الدينوتولوجي يفترض اننا يجب علينا دائما قول الحقيقة، وان الكذب غير جائز في كل الظروف حتى في الظروف الحرجة. اما النظام الذرائعي فهو النظام الذي تكون فيه نتائج الفعل هي الاهتمام الرئيسي للتقييم الاخلاقي، فتكون لها الاسبقية اما على الفعل ذاته او على النوايا في أداء ذلك الفعل. المفكر الذرائعي يعتقد ان القتل ربما يصبح ملائما اذا كان ينقذ حياة الاخرين. بعض الفلاسفة يؤمنون ان هذين النوعين من الانظمة الاخلاقية يمكن التوفيق بينها في طريقة واحدة للتفكير. سنبين ان كلا النظامين بطبيعتهما مرتبطان بمستقبل الاجيال.

كيف يهتم النظام الدينوتولوجي بالمستقبل؟ انه غير معني حول ما اذا كان هدف الفعل موجود ام لا. النظام الاخلاقي الدينوتولوجي يلوم القاتل كخطأ بذاته: لذلك، يبقى القتل خطأ بصرف النظر عن هوية القاتل الذي ربما يكون هتلر او جارنا او مراهق كان يقوم بتنظيف الحديقة. المسألة هي ان الفعل لو كان خاطئا سلفا وبذاته، عندئذ فان الفرد الذي يمارس الفعل هو ليس جزءا من التقييم الاخلاقي. ولذا، فإننا في ظل النظام الديناتولوجي لا يهم ما اذا كان الفرد موجود سلفا ام لم يوجد بعد. هو يتم التعامل معه باهتمام متساوي. وبهذا، فان الانظمة الدينوتولوجية تتضمن بشكل غير مباشر اجيال المستقبل طالما يتم النظر اليهم بنفس الاسلوب كالناس الحاليين. النظام الذرائعي ايضا يتضمن افراد المستقبل في اهتماماته لأن الذرائعية هي دائما تهتم بالمستقبل. انها تقيّم ما اذا كان الفعل اخلاقيا ام لا طبقا لنتائجه وتنظر في تأثير الفعل في المستقبل. ان المستقبل هو سلفا جزء من تفكير الذرائعي. فمثلا، النتائج القصيرة الأجل لتفريغ برميل من المواد الكيميائية السامة في الماء ستكون خطيرة جدا، انها ستقتل الكثير من الاحياء وتلوث مياه الشرب في المدينة. ولكن عندما ننظر الى المستقبل بعمق سندرك ان هذا التلوث قد يسبب عيوب في الولادات وسيؤذي اولئك الذين لم يولدوا بعد. النظام الذي يضع احكاما اخلاقية بالارتكاز على النتائج سيكون منشغلا بالمستقبل وبالناس الذين سيشغلونه.

الآن، لو كنا مجبرين على الاهتمام بالمستقبل فأي اتجاه اخلاقي سنسلك؟ اي من النظامين الاخلاقيين هو الافضل في التعامل مع المستقل؟ كلا النظامين يؤكدان على ضرورة التعامل مع افراد المستقبل اخلاقيا، ولكن اي منهما يوفر علاج أفضل للقيام بهذا؟

نميل للاعتقاد ان النظام الذرائعي يهتم بطريقة أكثر فاعلية من النظام الديناتولوجي ذلك بسبب اننا لا نستطيع تصميم صيغة دينوتولوجية للتعامل مع افراد المستقبل لا تنطوي بذاتها على مضمون ذرائعي. فمثلا، لو قلنا اننا يجب ان نحافظ على الكوكب لأجل مستقبل الاجيال ذلك يعني ان علينا واجب تجاههم من خلال دورنا كرعاة للأرض (الواجب الخالص هو اخلاق دينوتولوجية). ولكن لو حللنا ذلك أكثر سنرى ان هناك شعور ذرائعي نحوه. من حيث الاساس نحن نقول "يجب علينا المحافظة على اجيال المستقبل دون المساس بالكوكب، لأننا اذا لم نقم بذلك فهم سوف يعانون كثيرا". وبهذا فان واجبنا يتحدد بعبارات من النتائج. ولذلك نرى من المناسب الاقتصار على النظر الى الطرق الذرائعية في التقييم.

النفعية، الألمية، افراد المستقبل

لو قررنا استعمال النظام الذرائعي في تقييم التزاماتنا الاخلاقية تجاه شعوب المستقبل، فان السؤال القادم هو اي صيغة منه هي الاكثر ملائمة؟ ربما تكون النفعية نقطة جيدة للانطلاق لأنها واقعيا مرادفة للأخلاق الذرائعية. سنرى ان نوعا معين من النفعية والذي يُعرف بالألمية pianism هو الخيار الافضل هنا.

لنرى ما تعنية "النفعية" و "الألمية". النفعية بمعناها الكلاسيكي تشير الى ذلك النوع من الاخلاق الذرائعية التي صاغها كل من جرمي بنثام (1748-1832) و جون ستيوارت مل (1806-1873). بنثام لخص اهدافنا الاخلاقية بـ "أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس". بكلمة اخرى، تدّعي النفعية ان الفعل يكون صائبا اخلاقيا حينما يضيف لكمية السعادة الكلية في العالم، عبر تعظيم المتعة وتقليل الألم او كلاهما. هذا المقدار الكلي يجب ان يأخذ بالاعتبار ليس فقط المتعة والالم اللذين يشعر بهما الفرد وانما كم هو عدد الناس الذين يشعرون بكمية المتعة او الالم. وهكذا، المفكر النفعي قد يجد التعذيب المستمر لشخص ما مبررا اذا كان يجلب السعادة لأكبر عدد من الناس. ورغم ان المتعة التي يشتقها كل فرد من التعذيب قليلة، لكن التراكم في سعادتهم يتجاوز كمية الالم الشديد الذي يشعر به الفرد تحت التعذيب. بما ان النفعية يمكنها نظريا ان تقودنا الى مواقف مثل سيناريو التعذيب الذي يبدو يحرض على ارتكاب اللاعدالة، ولأجل بعض المزايا الكبيرة، سعى بعض المفكرين النفعيين لإجراء تعديل بسيط في الافتراض الاصلي لبنثام. محاولة كهذه قام بها ريتشارد ريدر في مقال له بعنوان (الألمية مقابل النفعية) عام 2009 اوضح فيه اتجاهه الألمي في النفعية على الشكل التالي:

"الألم والمتعة لكل فرد يتم احتسابها، لكنه لا يمكن تجميعهما كتراكم لكل الافراد. لذا فانه من المبرر السماح بألم بسيط لفرد واحد لكي نقلل الالم الاكبر لفرد آخر، ولكن من غير الجائز ابدا اضافة الألم والمتع لعدة افراد في حساب كهذا. افضل طريقة لحساب نسبة السوء في الموقف هي عبر كمية الالم الذي يشعر به اكثر الناس المتأثرين به. معاناة كل فرد تعني حقا، بينما مجموع المعاناة عبر الافراد هي بلا معنى.

الالمية لا تهتم بالمجموع الكلي للسعادة او الالم فهي تركز على كثافة الالم لدى الفرد. هذا يتجنب السيناريوهات غير العادلة مثل سيناريو التعذيب. نحن لا نستطيع تعذيب شخص ما لأجل سعادة بسيطة للكثيرين. بدلا من ذلك نحن نقارن كثافة الالم للشخص تحت التعذيب بالمتعة القليلة للمراقب الفرد، ونكتشف ان المتعة لا تفوق الالم. الالمية اذا هي صيغة من النفعية تركز على الفرد. ولكن الاكثر اهمية انها صيغة هدفها الرئيسي تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة.

اي من هذين النظامين هو الافضل في التعامل مع اشخاص المستقبل؟ الالمية تحقق فوزا على النفعية الكلاسيكية كأخلاق للمستقبل عبر التركيز على تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة. نرى انه من المعقول القلق على ما يشعر به ابناء المستقبل من ألم نتيجة افعالنا قياسا بما يشعرون به من متعة. لا نعني ان نكون متشائمين ولا ندّعي عدم قدرتنا على جلب السعادة لجيل المستقبل. بل ما نقصده هو ان الالم شعور اكثر استمرارية واقل تكيفا من السعادة، لذا من السهل التنبؤ به او السماح به عند التخطيط لأفعالنا الحالية. وبكلمة اخرى، يبدو ان الاشياء المسببة للالم لا تتغير كثيرا من جيل الى آخر بينما الاشياء المسببة للفرح تتغير كثيرا. لو نظرنا مثلا لبعض الاشياء التي تجلب السعادة تتضمن الموسيقى المفضلة، الكتاب، الاغنية، برامج تلفزيونية. الان لنسأل انفسنا اي من هذه الاشياء تجعل الاجيال اللاحقة سعيدة؟ الطالب الذي يدرس في الجامعة لا يهتم للذوق الموسيقي لاستاذه. الان لننظر في الاشياء التي تجعلنا غير سعداء او التي تسبب الألم وهي تتضمن الفقر، المرض، الحروب، المجاعة، الكوارث. نميل للاعقاد ان هذه الاشياء تسبب الألم لصغار السن وكذلك لمن لم يولدوا بعد. ولذلك، اذا اردنا ان نعمل جيدا لشعوب المستقبل فمن الافضل التركيز على تقليل آلامهم لأننا سننجح في ذلك اكثر مما لو ركزنا على محاولة جعلهم سعداء.

والدليل الاخر على تفوّق الألمية هو ان نفعية بنثام تبدو كما لو انها تتناسب مع الافراد الموجودين. افتراضها الاساسي هو اننا يجب تعظيم المتعة، لكن المتعة هي شعور موجود فقط في الذهن. نحن لا نستطيع التحدث حول سعادة افراد المستقبل في هذه الصياغة لأنهم غير موجودين ولذلك لا يشعرون باي شيء. كذلك، نحن لا نعرف اي شيء عما يشعر به افراد المستقبل وعما اذا كانوا موجودين وكم عددهم. وهكذا عندما يقبل بنثام اننا يجب ان نعظّم السعادة، فهو يطلب منا ان نعظّم السعادة للأفراد الموجودين حاليا او اولئك الافراد الذي نعرف انهم سيكونون موجودين بحيث نستطيع حساب سعادتهم بدقة. وبالنتيجة، النفعية الكلاسيكية لا تبدو تتعامل بشكل جيد مع الافراد المحتملين.

الألمية تحاول ان تتجنب هذا المأزق. انها تبدو للوهلة الاولى كأنها تسقط في نفس الفخ في حاجتها للتحدث عن شعور حقيقي ومعروف للالم والمتعة، وبهذا هي ليست قادرة على حساب المستقبل. لكن الالمية ترتكز في أحكامها الاخلاقية ليس فقط على المشاعر الحقيقية وانما ايضا على المشاعر المحتملة، ولهذا فهي تتحدث سلفا عن المواقف المحتملة للذهن. ولكي نرى هذا لننظر في الصياغة الدقيقة للألمية التي وضعها ريدر:

1- الشخص س يشعر بالألم س

2- الشخص ص يشعر بالألم ص

3- ولكن لا احد يشعر بـ س + ص.

ولذلك س+ ص هي بلا معنى.

الافتراض الثالث يُعد اساسيا هنا، هو يحتوي على افتراضين اثنين مختلفين. الاول هو ان لا احد يشعر حقا بكل من ألم س وألم ص في وقت واحد. الافتراض الثاني هو لا احد يمكنه الشعور بالألم س و ص في وقت واحد. ولهذا، مع الألمية نحن لا نتحدث فقط عن المشاعر الحقيقية وانما ايضا عن المشاعر المحتملة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
الأخلاق هي المكون الساسي لبناء المجتمعات
بدون وجودها يكون التقدم لاقيمة له مع تفاقم الخلافات
وبحثا عن المصالح الفردية الضيقة تنتشر المكائد والصراعات
وتكثر الحروب بين الأمم ويقهر ويستعبد بعضها بعضا كما حدث في زمن فات
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-14

مواضيع ذات صلة

2