بقلم: هدير الحضري

تُسهم انبعاثات الثروة الحيوانية بنسبة كبيرة في الأزمة المناخية؛ إذ يبلغ إجمالي تلك الانبعاثات 7.1 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، ما يمثل 14.5% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة البشرية المنشأ، وفق منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وتتسبب عملية التخمر المعوي للحيوانات وإنتاج السماد الطبيعي في توليد 32% من انبعاثات الميثان العالمية، وفق تقرير "تقييم الميثان العالمي في 2021"، الذي أصدره تحالف المناخ والهواء النظيف وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والذي علّق الأمل على تقليل معدل الاحتباس الحراري عبر تخفيف إنتاج الميثان باعتباره "ملوثًا مناخيًّا قصير العمر" يتفكّك بسرعة، ويمكن أن يزول بعد عقد من الزمن، بخلاف غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يبقى في الغلاف الجوي عدة قرون.

ومكافئ ثاني أكسيد الكربون هو مقياس يتيح مقارنة الكمية المنبعثة من غازات الاحتباس الحراري بقدرتها على إحداث احترار عالمي؛ فانبعاثات مليون طن متري من الميثان تعادل -على سبيل المثال- انبعاثات 21 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، ويمثل الميثان ما يقرب منخُمس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، الأمر الذي أكده تقرير صادر حديثًا عن "الفاو"، كاشفًا عن أن الاهتمام بصحّة الحيوانات أصبح ضرورةً لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وداعيًا الدول إلى وضع نظام لإدراج تحسين صحة الحيوان ضمن التزاماتها الوطنية المتعلقة بالمناخ.

ركّز التقرير- بالإضافة إلى بنود أخرى لتحسين صحة الحيوان- على إجراء تغييرات في مكونات الأعلاف لخفض انبعاث غاز الميثان الناتج عن التخمُّر المعوي في الجهاز الهضمي للحيوان، والذي يخرج إلى الطبيعة عن طريق التجشؤ وإطلاق الغازات، وإمداد الحيوانات بالمكملات الغذائية اللازمة، والإدارة الجيدة لروث الماشية عبر تخفيف وقت تخزين السماد أو معالجته باستخدام هاضمات الغاز الحيوي.

ويمثل الميثان وحده حوالي 44% من انبعاثات الثروة الحيوانية، أما الجزء المتبقي فمشترك بالتساوي تقريبًا بين أكسيد النيتروز بنسبة 29%، وثاني أكسيد الكربون بنسبة 27%، والماشية المجترة -تأكل الطعام وتضعه في المعدة ومن ثم ترجعه إلى الفم مرةً أخرى ليتم بلعه- مسؤولةٌ وحدها عن 65٪ من انبعاثات قطاع الثروة الحيوانية بأكملها، 39% منها بسبب عملية التخمُّر المعوي.

وتنتج الثروة الحيوانية الانبعاثات الكربونية بأكثر من طريقة، أهمها التخمر المعوي الذي يحدث في كرش الحيوان بعد امتصاص غذائه، وعبر تحلّل روث الحيوانات، واستهلاك الأعلاف التي يتطلّب إنتاجها استهلاك الكثير من الطاقة، وفق أحمد سعد، نائب رئيس مركز الطوارئ للأمراض الحيوانية العابرة للحدود، التابع لمنظمة "الفاو".

وقال "سعد" في تصريحات لـ"للعلم": إن تحسين صحّة الحيوان أمرٌ مهمٌّ للتقليل من الانبعاثات الحرارية، مضيفًا أنه عندما يكون الحيوان مريضًا يحتاج إلى تناوُل كمياتٍ أكبر من الأعلاف، وفي المقابل ينتج كمياتٍ أقل من اللحوم، وبالتالي يزيد الاستهلاك الذي يهدر الطاقة، وإذا اشتد مرضه ومات، تزيد معدلات النفوق من الانبعاثات الحرارية.

الاهتمام بالعلاقة بين الثروة الحيوانية والتغير المناخي أصبح أمرًا مُلحًّا، خاصةً مع الزيادة السكانية وارتفاع الطلب على الثروة الحيوانية التي تدعم أكثر من 750 مليون شخص من أفقر الناس في العالم، وفق دراسةأطلقتها "الفاو" في عام 2020 ربطت بين صحة الحيوان وتغيُّر المناخ، يؤثر تغيُّر المناخ مباشرةً على صحة الحيوان، إذ تؤثر الظروف البيئية مثل الجفاف والحرائق والفيضانات وتغيُّر الطقس على الاستجابة المناعية والفسيولوجية لدى الماشية، وعلى نسبة الإصابة بالأمراض الحيوانية وانتشارها والتنبؤ بها، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الحيوانات الأفضل صحةً تكون أكثر إنتاجية، وتنتج انبعاثاتٍ أقل، وتمتاز الحيوانات بأنها أكثر قدرةً من النباتات على التكيُّف مع الظروف الهامشية وتحمُّل الصدمات المناخية.

في السنوات الأخيرة، ظهرت أبحاث مصرية أجرت تعديلات على النظم الغذائية لحيوانات الماشية من أجل تقليل انبعاثات الميثان عبر عملية التخمُّر المعوي، منها دراسة تقيس تأثير استخدام مكملات زيت الكافور -المحمي طبيعيًّا في شكل أوراق أو في صورة كبسولات البذور الجافة المطحونة مقارنةً بزيت الكافور الخام في غذاء الحيوانات- على الحد من انطلاق غاز الميثان في الجاموس الحلاب.

قال فوزي أبو دنيا، المؤلف الرئيسي للدراسة ومدير معهد الإنتاج الحيواني السابق بوزارة الزراعة: "استخدمنا الزيت المحمي داخل خلايا النبات، والذي لم يتعرض لأي مؤثرات خارجية، بعكس الزيت المستخلص، وقدم نظامًا غذائيًّا موحدًا يحتوي على خليط الأعلاف المركزة والبرسيم الطازج وقش الأرز وسيلاج الذرة لأربع مجموعات من الحيوانات".

وتابع في تصريحات لـ"للعلم": "في كرش الحيوانات المجترة توجد ملايين الكائنات الحية الدقيقة التي تقوم بعملية هضم ميكروبي للأعلاف في ظروف لاهوائية، ينتج عنها أحماض دهنية يستخدمها الحيوان مصدرًا للطاقة، كما ينتج غازَي ثاني أكسيد الكربون والميثان اللذين يجري التخلُّص منهما من خلال عملية التجشؤ".

أظهرت نتائج الدراسة أن إضافة مكملات نبات الكافور في صورة أوراق أو كبسولات بالبذور أدت إلى تحسين تخمرات الكرش بصورة كبيرة، وزيادة الأحماض الدهنية، وانخفاض معدلات انطلاق غاز الميثان بعد زيادة معاملات الهضم، وانخفاض الفقد في الطاقة المهدورة من الغذاء، كما وجدت أن مكملات زيت الكافور المحمي قللت من الآثار السلبية لإضافة الزيت الخام الذي يمكن أن يقلل من الميثان، لكنه يضر بالأحماض الدهنية وكائنات الكرش الدقيقة.

وتابع "أبو دنيا" أن تكوين النظام الغذائي أو تركيب العلائق أهم العوامل الرئيسية التي تؤثر على إنتاج الميثان بواسطة الحيوانات المجترة، وأضاف أن هناك حلولًا أخرى مقترحة لكنها تواجه تحديات، منها اختيار الحيوانات ذات الإنتاج المنخفض لغاز الميثان وتربيتها، وهو ما يتطلب إطارًا زمنيًّا مطولًا، وهناك اقتراح باستخدام المواد الكيميائية أو المركبات الثانوية النباتية، ولكن هذا يؤدي إلى تأثيرات مؤقتة على تقليل الميثان، لذا يظل التلاعب الغذائي بمكونات الأعلاف والتركيز على تغيير تركيبة الكربوهيدرات حلًّا فوريًّا ومستدامًا لتخفيف الميثان المعوي، ولكن هذا أيضًا يتعثر الآن مع ارتفاع أسعار الأعلاف بعد الحرب الروسية الأوكرانية، الذي يحد من الخيارات المستخدمة للتحكم في الأعلاف.

وأضاف: "يُعَد الفهم الأساسي للعلاقة بين الحيوانات المجترة والميثانوجينات -الكائنات الحية الدقيقة المنتجة للميثان في التربة- والكائنات الدقيقة الأخرى أمرًا ضروريًّا لنكون قادرين على تعديل التخمر في الكرش بطريقة تتفق مع ممارسات الزراعة والاقتصاد ومتطلبات سلامة الأغذية".

وأوضح: "يمكن لبعض المركبات الكيميائية أن يكون لها تأثيرٌ مثبط على الكائنات الدقيقة المولِّدة للميثان في الكرش، أظهرت بعض التجارب المعملية انخفاض الميثان بنسبة تصل إلى 100٪، وأثبتت بعض المركبات فاعليتها في التجارب على الحيوانات، وأدّت إلى إزالةٍ شبه كاملة لانبعاثات الميثان، ومع ذلك فهذه ليست مُجدية تجاريًّا؛ بسبب مخاوف تتعلق بصحة الحيوان وسلامة الأغذية أو التكاليف الباهظة".

وحول آليات تحقيق الاستدامة في الثروة الحيوانية، قال إن هذا يتضمن تحسين كفاءة الحيوانات باستخدام أعلاف وتقنيات تغذية أفضل، فالأعلاف المركزة والغنية بالنشا تقدم مكونات غذائية أكثر قابليةً للهضم مقارنةً بالأعلاف الخشنة، كما تزيد بشكل عام من إنتاجية الحيوان، كما تسمح التدخلات المحسّنة للتربية وصحة الحيوان بتقليص حجم القطيع المنتج للميثان، وأيضًا، إدارة السماد الطبيعي التي تضمن استعادة العناصر الغذائية والطاقة وإعادة تدويرها.

وحول التحديات التي تمنع تحويل تلك الدراسات العلمية إلى منتجات متوافرة، قال إن تمويل البحث العلمي مهمٌّ لتطبيق هذه الأبحاث، وكذلك الأمر بالنسبة لعملية بناء قاعدة للبيانات العلمية والتقنيات الجديدة الخاصة بالتخفيف من حدة الميثان والنيتروجين، مقترحًا تطبيق آلية "المستفيد والملوث يدفع"، التي يمكن من خلالها جمع إعانات للتخفيف وضريبة للانبعاثات الصادرة عن قطاع الثروة الحيوانية، كما اقترح تقديم قروض ميسرة للاستثمارات الأولية المرتبطة بهذه الأبحاث، وتوفير المعلومات عن الانبعاثات المرتبطة بسلع الثروة الحيوانية، مثل وضع علامات على المنتجات تساعد المستهلكين والمنتجين على مواءمة تفضيلاتهم الاستهلاكية والإنتاجية.

ومن ضمن الحلول المقترحة أيضًا، استخدام الأعشاب البحرية لإطعام الماشية بدلًا من فول الصويا، فوفق تقرير للأمم المتحدة، يتيح ذلك خفض انبعاثات غاز الميثان من الماشية بنسبة 90%، وتحسين عملية الهضم وتعزيز جهاز المناعة لدى الحيوانات، ما يقلل من الحاجة إلى المضادات الحيوية.

كما يمكن أن يؤدي تحسين طرق الإنتاج وتقليل انبعاثات الميثان من الماشية إلى خفض الانبعاثات بما يصل إلى 1.44 جيجاطن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، وذلك وفق تقرير"تعزيز المساهمات المحددة وطنيًّا للأنظمة الغذائية"، الصادر في عام 2020 .

في تعليقه على هذه النقطة، قال أحمد عبد الخالق، رئيس بحوث التغذية في معهد بحوث الإنتاج الحيواني بوزارة الزراعة: إنه من الممكن إضافة مواد معينة داخل الأعلاف تعمل كـ"مثبطات للميثان" داخل كرش الحيوان، وهذه الإضافات قد تكون كيميائية أو مواد طبيعية، كزيت الصويا ودهن الأبقار وزيت النخيل، لكن من المهم أيضًا منح الحيوان احتياجاته الغذائية بمقدار محدّد دون هدر.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم": "هناك اعتقاد خطأ لدى مربي الماشية بأنّه كلّما زاد إطعام الحيوانات زادت إنتاجيتها، وهذا غير صحيح؛ لأن كل حيوان له قدرة معينة محدودة، إذ يصل إنتاجه إلى حدٍّ معين، لذا ينبغي تغيير فكر المربي ونظم التغذية التي يعتمد عليها للماشية".

وتابع أن الأبحاث العلمية يمكنها أن تقيس حجم الأحماض العضوية الطيارة في معدة الحيوان بعد التغذي، كما أنها تقيس إنتاج الميثان، وبالتالي باستطاعة الأبحاث أن تتوصل إلى خلطات علفية للحيوان لا تضر بالبيئة، كما يمكن رصد الاختلافات الفردية بين الحيوانات والعمل على انتخاب حيوانات معروفة بأنها أقل تلويثًا للبيئة، وبالتالي يتم تحسين جيناتها الوراثية ونشرها، وتحتاج هذه الأبحاث بطبيعة الحال إلى تمويل لإعدادها وتطبيقها، ثم نشرها بين المربين.

الدكتور أيمن فريد أبو حديد -وزير الزراعة الأسبق والأستاذ المتفرغ بمعهد الدراسات والبحوث الزراعية للأراضي الجافة- قال: إن تطوير مكونات التغذية للحيوانات لتقليل إنتاج الانبعاثات من أهم عناصر التنمية المستدامة للثروة الحيوانية، بالإضافة إلى تحديد مواعيد معينة لمنح العلائق للحيوانات؛ لأن هذا سيساعدها على انتظام الهضم.

وتابع في تصريحات لـ"للعلم": "العناية بوسائل تحريك المخلفات والتخلص منها أيضًا مهم؛ لأن مخلفات الحيوانات إذا تُركت ستتحلّل تحت أقدام الحيوانات وتنتج غاز الميثان، لكن إذا أعيد استخدامها يمكن الاستفادة بها كسماد طبيعي يعزز الإنتاج النباتي".

اضف تعليق