منوعات - بيئة

أين المفرّ؟

صفوة علماء المناخ يتشككون في قدرة الدول على كبح الاحترار العالمي
جيف توليفسون

كشف استطلاع رأي أجرته دورية Nature أن شريحةً عريضة من العلماء المشاركين في وضع أحدث تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) يرقُبون المستقبل بعين القلق، ويتوقعون حدوث تغيرات كارثية خلال فترة حياتهم.

لا تحتاج عالمة المناخ الرائدة، باولا آرياس، إلى أن تنظر بعيدًا لترى التغيير الذي يطرأ على العالم؛ فالتغيُّرات التي تشهدها أنماط هطول الأمطار تهدد إمدادات المياه في مسقط رأسها، في مدينة ميديلين الكولومبية، بينما يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر سواحل البلاد. لا تثق آرياس في قدرة زعماء العالم على الإبطاء من وتيرة ظاهرة الاحترار العالمي، أو قدرة حكومة بلادها على التعامل مع التداعيات المتوقعة، مثل الهجرات الجماعية، والاضطرابات السياسية التي قد تنجُم عن اتساع فجوة غياب المساواة بين طبقات المجتمع. وبالنظر إلى هذا المستقبل الذي يلُفُّه الغموض، ألحَّ عليها – قبل عدة سنوات – السؤال عما إذا كان ينبغي إنجاب أطفال، أم لا. تقول: "إجابتي كانت بالنفي".

شاركت آرياس، وهي الباحثة بجامعة أنتيوكيا في مدينة ميديلين، ضمن 234 عالمًا في تقرير عن علم المناخ، نشرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) في شهر أغسطس الماضي (انظر: go.nature.com/3pjupro). سوف يكون هذا التقرير – الذي ينتهي إلى أن العالَم لم يعُد أمامه متَّسع من الوقت لتجنب التأثيرات الأشد خطورة لتغير المناخ – حاضرًا بقوة على طاولة مفاوضات المناخ التي تجري خلال الأسبوعين الأول والثاني من شهر نوفمبر الجاري، في اجتماع مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين بشأن تغير المناخ «كوب 26» COP26، المنعقد حاليًا في مدينة جلاسكو بالمملكة المتحدة.

والحق أن آرياس ليست وحدها؛ إذ يشاركها في هذه المخاوف بشأن المستقبل عديدٌ من الباحثين البارزين في علم المناخ. وقد أجرت دورية Nature استطلاعًا لآراء الباقين على قيد الحياة من المشاركين في إعداد التقرير المذكور، وعددهم 233 مؤلفًا، دون الإفصاح عن هوياتهم، وتلقَّت ردود 92 منهم، أي نحو 40% من جملة المؤلفين. ومن استجابات هؤلاء العلماء، يظهر جليًّا أن لديهم شكوكًا عميقة في قدرة الحكومات على إبطاء وتيرة الاحترار العالمي، على الرغم من التعهدات السياسية التي قطعها زعماء العالم على أنفسهم ضمن اتفاق باريس للمناخ في عام 2015.

من كل عشرة من العلماء المشاركين في الاستطلاع، قال ستة إنهم يتوقعون ارتفاع درجة حرارة العالم بما لا يقل عن ثلاث درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي، مقارنةً بما كان عليه الحال قبل انطلاق الثورة الصناعية. وهذا المستوى من الاحترار يرتفع كثيرًا عن الهدف الذي حدَّده اتفاق باريس للمناخ، ليكون حدًا أقصى للاحترار العالمي (درجة ونصف إلى درجتين مئويتين). ويعتقد المشاركون في الاستطلاع (88%) أن الاحترار العالمي بات يشكِّل «أزمة»، فيما قالت نسبة مُقارِبة منهم إنهم يتوقعون رؤية آثار كارثية لتغير المناخ خلال فترة حياتهم. كما أفاد نصف المشاركين – أو أدنى من ذلك بقليل – بأن الاحترار العالمي قد دفعهم إلى إعادة النظر في قرارات مهمة بشأن حياتهم، مثل اختيار مكان العيش، وتحديد موقفهم من إنجاب الأطفال. وقال أكثر من 60% منهم إن مخاوفهم المتصلة بالتغيُّر المناخي قد أورثَتْهم شعورًا بالقلق، أو الأسى، أو غيرهما من أشكال الحزن والضيق (انظر الشكل: «تغير المناخ كما يراه صفوة العلماء»).

أما بالنسبة إلى آرياس – التي تعتبر نفسها شاهدةً على آثار عدم الاستقرار السياسي، كما تظهر لها من نافذة مكتبها، متجسدةً في جموع المهاجرين الوافدين من الجارة فنزويلا، التي مزقتها الصراعات، وهم يجوبون شوارع مدينتها التماسًا للطعام والمأوى – فقد جاء قرارها بعدم الإنجاب طبيعيًا، لا غرابة فيه. تقول آرياس إن عديدًا من أصدقائها وزملائها توصلوا إلى النتيجة ذاتها، وتردف قائلة: "لا أقول إن هذا قرار ينبغي على الجميع اتخاذه، لكنه لم يعد بالشيء الذي يؤرقني كثيرًا الآن".

التشاؤم الذي عبَّر عنه بعض أفراد الفريق الذي تولَّى إعداد التقرير المذكور يعكس الهوَّة الشاسعة بين المأمول لقمة المناخ، التي انطلقت في جلاسكو في الحادي والثلاثين من أكتوبر الماضي، والمتوقَّع منها. قبيل انعقاد القمة، أعلنت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وغيرها من الدول، عن خطط جديدة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة (المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري)، على الرغم من أن التحليلات العلمية تشير إلى أن هذه الخطط لا تزال بعيدةً عن أن ترقى إلى الوفاء بالأهداف المحدَّدة في اتفاق باريس. وخلال أسبوعَي المؤتمر، ستضفي البلدان على التزاماتها طابعًا رسميًا؛ بل وربما تدعم هذه الالتزامات، وتُعززها. غير أن تحويل هذه الالتزامات إلى واقع ملموس سيتطلب تعبئة سياسية غير مسبوقة على المستوى الوطني، تبدأ بمجرد عودة الزعماء إلى أوطانهم.

يقول محمدو بامبا سيلا، اختصاصي نمذجة المناخ في المعهد الإفريقي للعلوم الرياضية بالعاصمة الرواندية كيجالي، وأحد المشاركين في إعداد التقرير: "لا تزال الحكومات الآن في مرحلة إطلاق الوعود، لكننا لم نلمس حتى الآن أي إجراءات من شأنها الحد من انبعاثات غازات الدفيئة". ويضيف سيلا قائلًا إن دولةً كالسنغال، وهي بلده الأم، قد تجاوبت مع جميع الإجراءات الشكلية المطلوبة، ووضعت خططًا للتكيف مع المناخ الآخذ في الاحترار، ولكن هل من تغييرٍ نلمسه على أرض الواقع؟ يجيب قائلًا: "لا أعتقد ذلك".

المناخ يثير مكامن القلق

يُمثل العلماء المشاركون في استطلاع Nature شريحةً من مجموعة عملٍ تَتْبع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي المجموعة المنوط بها البحث في أسباب تغير المناخ، وقياس حجم هذا التغيير. وقد خلص التقرير الأخير الصادر عن الهيئة (والذي صادقت عليه 195 من حكومات العالَم في أغسطس الماضي) إلى أن انبعاثات الوقود الأحفوري تؤدي إلى إحداث تغيرات غير مسبوقة على مستوى كوكب الأرض برُمَّته، وتهدد كلًا من البشر والنُظُم الإيكولوجية التي يعتمد عليها البشر في الغذاء وغيره من ضرورات الحياة. وجاء في بيانٍ صادر عن الهيئة أنه "ما لم تنجح جهود خفض انبعاثات غازات الدفيئة – على أن يكون الانخفاض فوريًا، وسريعًا، وواسع النطاق – فإن الحد من الاحترار، بحيث يكون قريبًا من مستوى 1.5 درجة مئوية، أو حتى درجتين، سيكون مطلبًا بعيد المنال". ولكن لدى الإعلان عن التقرير، شدد علماء الهيئة على أن تحقيق هذه الأهداف لا يزال مما يقع في حيِّز الممكن.

وقد توقع تقرير منفصل، صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة الأسبوع الماضي، أن التعهدات المناخية التي قطعتها الدول على نفسها ستضع العالم على مسار ينتهي إلى رفع درجة الحرارة عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن (انظر: go.nature.com/3vphvtu). وتشير توقعات أخرى إلى إمكانية خفض الانبعاثات إلى مستويات أدنى من المخطَّط لها. ويقدِّر «مؤشر تتبُّع العمل المناخي» Climate Action Tracker، الذي يقوم عليه ائتلاف يضمُّ عددًا من الجهات العلمية والأكاديمية، أن الاحترار سيقف عند حاجز 2.4 درجة مئوية، إذا ما نجحت البلدان في الوفاء بتعهداتها الأخيرة المنصوص عليها في اتفاق باريس. ومن بين أهداف مفاوضات المناخ الجارية، الحثُّ على اتخاذ خطوات أكثر طموحًا باتجاه الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، إلا أن أغلب المشاركين في استطلاع Nature، فيما يبدو، لم يكونوا متفائلين حيال السياسات المستقبلية، ومقدار الاحترار (للاطلاع على جداول بيانات استطلاع الرأي، انظر: go.nature.com/3moyorp).

قد لا تكون نتائج استطلاع الرأي مفاجئة، بالنظر إلى كل العقود المتعاقبة التي انقضت دون تحقيق تقدم كبير في معالجة مشكلة تغير المناخ. ولكن آراء باحثي المناخ ينبغي أن تدق أجراس الخطر، حسبما تقول ديانا ليفرمان، وهي عالمة جغرافيا تدرس المناخ في جامعة أريزونا في مدينة توسان الأمريكية. وتضيف ليفرمان قائلة: "أعتقد أن هذه النظرة المتشائمة ينبغي أن تجعلنا أكثر قلقًا".

على أن استطلاع الرأي لا يخلو من المثالب وأوجه القصور: فهو لا يضم آراء 60% من المشاركين في إعداد تقرير هيئة المناخ. كما أن اثنين من العلماء بعثا إلى دورية Nature برسالتين منفصلتين للتعبير عن مآخذهما على الاستطلاع، لاسيّما فيما يتعلق باستناده إلى الآراء، لا الحقائق العلمية. يُضاف إلى ذلك أن المشاركين في الاستطلاع إنما شاركوا بصفتهم الشخصية، لا بوصفهم ممثلين لهيئة المناخ. ولكن يبقى أن الاستطلاع يقدم لنا لمحةً سريعة ودالَّة عن آراء قطاعٍ كبير من الباحثين الذين ساهموا في إعداد التقرير.

مؤشرات إيجابية

على الرغم من أن النتائج تُبرز المخاوف العميقة التي تعتمل في نفوس الكثيرين، كشف الاستطلاع أيضًا عن إشارات تبعث على التفاؤل. فقد ذكر أكثر من 20% من العلماء المشاركين في الاستطلاع أنهم يتوقعون أن تتمكن بلدان العالم من خفض الاحترار العالمي إلى مستوى الدرجتين المئويتين، وقال 4% منهم إن العالم قد يصل بالفعل إلى تحقيق هدفه الأكثر طموحًا، المتمثل في خفض الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية؛ وهو الهدف الذي أسقطه عديد العلماء والأكاديميين من حساباتهم منذ لحظة توقيع اتفاق باريس في عام 2015.

تشارلز كوفين، العالم المتخصص في دراسة المناخ بمختبر لورانس بيركلي الوطني في كاليفورنيا، على سبيل المثال، يتطلَّع إلى المستقبل بعينٍ متفائلة، متكئًا في ذلك على عاملين: التقدم المحرَز في العلوم والتكنولوجيا، والتنامي السريع للوعي العام بقضية المناخ. يقول كوفين إن من بين التطورات الإيجابية أن النتائج في السنوات القليلة الماضية أشارت إلى أن متوسط درجات الحرارة العالمية لن يلبث أن يستقر بمجرد نجاح البشر في إيقاف انبعاث غازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي. ويتعارض هذا الطرح مع التوقعات الشائعة، التي تذهب إلى أن الاحترار سوف يستمر لعقود حتى بعد توقف الانبعاثات، نظرًا لحدوث تأخرٍ من نوعٍ ما في استجابة النظام المناخي. كما يشير كوفين إلى انخفاض تكاليف تقنيات إنتاج الطاقة النظيفة، إضافة إلى زيادة ضغط الرأي العام باتجاه العمل على مواجهة التأثيرات المناخية التي تتَّضح وتستفحل يومًا بعد يوم؛ مثل حرائق الغابات، التي صار هو وعائلته معتادين عليها كل عام في كاليفورنيا.

يقول كوفين: "أعتقد في قرارة نفسي أن أغلب الناس يهتمون حقًا بالمستقبل، وأن الحكومات يمكن أن تنسق معًا لتجنب أوخم العواقب المناخية".

وقد ذكر ثلثا المشاركين في الاستطلاع أنهم منخرطون في فعاليات مناصرة قضية المناخ، وجميع من يفعلون ذلك تقريبًا يروجون لعلوم المناخ من خلال الكلمات التي يُلقونها في المحافل العامة، أو المنشورات، أو مقاطع الفيديو. وقال نحو 43% منهم إنهم وقَّعوا خطابات أو عرائض مخصصةً لهذا الهدف، كما أفاد 40% إنهم بأنهم تواصلوا مع أعضاء المجالس النيابية من أجل دعم سياسات المناخ. وقال ربع المشاركين إنهم شاركوا في تظاهرات لمناصرة قضية المناخ.

غير أن اتجاه البيانات قد انقلب إلى النقيض في الأجزاء التي تعرَّض فيه الاستطلاع لرأي العلماء فيما إذا كان ينبغي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن تضطلع بدور أكبر في جهود مناصرة القضية؛ وهو ما سيُعَدُّ انحرافًا حادًا عن نطاق اختصاصها، المقتصر على التقييم العلمي المحايد: إذ قال ما يقارب ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع إن على الهيئة الامتناع عن الزج بنفسها في أنشطة مناصرة قضية المناخ. وامتدح أحد المشاركين الهيئة لعدم تزحزُحها عن مهمتها الأساسية، قائلًا: "استطاعت الهيئة أن تنأى بقضية المناخ عن التسييس، على نحو ما حدث في قضايا علمية أخرى (مثل ارتداء الكمامات، والتطعيم لمجابهة جائحة «كوفيد-19»)، وما كان ذلك إلا لتركيزها على أفضل المعلومات العلمية المتاحة".

منذ أصدرت الهيئة تقريرها الأول في عام 1990، عملت على زيادة تمثيل الباحثين من الجنوب العالمي بالتدريج. وفي هذا الصدد، قال ما يقرب من 80% من المشاركين في الاستطلاع إن الهيئة تضم تمثيلًا مناسبًا للخبراء من جميع البلدان. إلا أن آرياس تختلف مع هذا الرأي، قائلةً إن في إمكان الهيئة فِعل المزيد من أجل الاستعانة بعلماء الجنوب العالمي. ويقول سيلا إن الهيئة قد بذلت جهودًا لا بأس بها على هذا الصعيد، لاسيّما في ظل اختلال التوازن في التقسيمات الجغرافية الذي تشهده الدوائر الأوسع لدارسي علم المناخ. وأضاف أنه، برغم ذلك، يمكن للهيئة أن تفعل المزيد فيما يتعلق بالتوعية المحلية لتعزيز المعرفة العلمية، وإشراك صانعي السياسات بعد نشر تقاريرها. وأضاف: "أريد للهيئة أن تكون أكثر جرأة في هذا الشأن".

سيلا، شأنه شأن آرياس، يرى بعينيه آثار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي؛ إذ يتكدس الناس على متن قوارب صغيرة، تنطلق بهم من شواطئ السنغال في رحلة تحفُّها المخاطر، بحثًا عن مستقبل أفضل. ومثل آرياس، يخشى سيلا أن تتردَّى الأوضاع أكثر فأكثر مع ارتفاع درجات الحرارة. وعلى الرغم من أنه يخطط حاليًا لبناء منزلٍ لعائلته – اختار له موقعًا بعيدًا عن البحر، تقلُّ فيه احتمالات التعرُّض لخطر الفيضان – فإنه لا يرى أن السنغال ستكون المكان المناسب لمواجهة موجات التغيُّرات المناخية العاتية. ومع ذلك، لا يغيب عنه أيضًا أن أوروبا والولايات المتحدة لن تكونا في مأمنٍ من التأثيرات الحتمية للاحترار العالمي. يقول: "وهكذا، فلا يملك المرء إلا أن يتساءل: أين المفرّ؟".

اضف تعليق