مياه البحار والمحيطات التي تغطي نحو ثلثي مساحة الكرة الأرضية، والتي لها اهمية كبيرة في الحياة كونها منتج مهم للأغذية الحيوية، والطاقة، والموارد معدنية وغيرها من الاساسيات الاخرى التي يحتاجها الانسان، كما أنها مكون أساسي من مكونات النظام المناخي للأرض.

البحار والمحيطات وكما يرى الخبراء اصبحت اليوم محط اهتمام دولي واسع بسبب تأثرها المباشر ببعض الاخطار والمشكلات المتفاقمة، حيث تعاني بصورة متزايدة من الإجهاد الناجم عن ضواغط التنمية الساحلية والتلوث الصناعي والإفراط في صيد الأسماك. ويمكن أن تشكل المحيطات وبحسب بعض المصادر أيضاً تهديداً خطيراً للأنشطة البشرية. وقد أصبحت حماية الأرواح والممتلكات في البحار وفي المناطق الساحلية، والإدارة المتكاملة للسواحل والتأثيرات على المجتمع، ولاسيما في حالة حدوث الظواهر المتطرفة (مثل عرام العواصف، والأمواج العالية – أو الطويلة) ودور المحيطات في تقلبية المناخ وتغيره قضايا تمثل شاغلاً عالمياً في السنوات الأخيرة.

وأدى تراكم كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى حدوث تغيرات حادة في الأنظمة البيئية على كوكب الأرض، ولعل من أهم تلك الأنظمة التي طالها التغيير البيئة البحرية، إذ نجم عن ارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي زيادة كبيرة في ذوبان هذا الغاز في محيطات وبحار العالم، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في حموضة تلك المسطحات المائية. وتبين الدراسات أنه منذ بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وحتى الآن ازدادت حموضة محيطات العالم بنسبة 30%، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة بحلول عام 2100، إذ إن محيطات العالم قد امتصت حوالي ثلث كمية ثاني أكسيد الكربون التي أطلقها البشر في الهواء، مما يعرض الكائنات البحرية إلى مخاطر حقيقية تتهدد وجودها واستقرارها.

وينجم عن نشاطات الإنسان اليومية انبعاث لكميات هائلة من الغازات الضارة، كغاز ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، ومن أهم هذه النشاطات الصناعاتُ المختلفة القائمة على حرق الوقود الأحفوري ومحطات توليد الطاقة العاملة على الفحم الحجري والوقود الثقيل ووسائط النقل وغيرها، وهذه الغازات التي يتم إطلاقها في الغلاف الجوي، يذوب كثير منها في مياه الأمطار ومياه البحار والمحيطات، فغاز ثاني أكسيد الكربون يذوب في الماء ويتشكل حامض الكربونيك، الذي يتسبب في ارتفاع درجة حموضة المياه.

وقد لاحظ الباحثون -منذ مدة طويلة- تأثر كثير من الكائنات البحرية بظاهرة تحمض المحيطات، إذ تدهورت كثير من الأنظمة البحرية في كثير من المناطق في العالم بعد أن ارتفع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بشكل كبير، حيث تجاوز تركيزه مؤخرا 400 جزء من المليون بعد أن كان في بداية الثورة الصناعية 280 جزءا من المليون.

الحياة في المحيطات

وفي هذا الشأن فقد حذر علماء بريطانيون من تغيرات كبيرة ستصيب الحياة البحرية إذا لم تُتخذ إجراءات قوية لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وقال الخبراء إن درجات حرارة المحيطات في ارتفاع، وتفقد المزيد من الأكسجين لترتفع نسبة الملوحة بسبب ارتفاع معدلات ثاني أكسيد الكربون. ووفقا للتقديرات، فإن الحرارة ارتفعت بمقدار درجتين بسبب التغير المناخي.

وكان هناك تحذير من أن موافقة الحكومات على هذا المعدل لن يمنع التأثير الدراماتيكي على الأنظمة الحيوية في المحيط. وأكد الخبراء على أن مجموعة الخيارات تتضاءل، وتبلغ تكلفة هذه الخيارات عنان السماء. وتعاون 22 عالما رائدا في علوم البحار في كتابة التقرير المشترك، الذي نشر في قسم خاص في مجلة "ساينس" العلمية، وأكدوا على أن المحيطات أصبحت محفوفة بالمخاطر بسبب مزيج من التهديدات المتعلقة بثاني أكسيد الكربون.

ويعتقد الباحثون أن السياسيين الذين يحاولون حل مشكلة التغيرات المناخية لا يهتمون بالقدر الكافي بتأثيرات التغيرات المناخية على المحيطات. وقالوا "من الواضح أن ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق الوقود الأحفوري يغير من كيمياء المحيطات بصورة أسرع من أي وقت مضى، وتحديدا منذ الحدث الطبيعي الكارثي المعروف باسم "الموت العظيم" قبل 250 مليون سنة.

وحذروا من أن المحيطات تمتص حوالي 30 في المئة من أكسيد الكربون الذي ينتجه البشر منذ 1750، وبما أن ثاني أكسيد الكربون غاز حمضي فإنه يزيد من ملوحة مياه البحر. كما أنها تأثرت أيضا بالتغيرات المناخية وتمتص حوالي 90 في المئة من الحرارة الإضافية التي أنتجتها المجتمعات الصناعية منذ 1970، وتجعل من الصعب على المحيطات الاحتفاظ بالأكسجين. ويشير العديد من الخبراء إلى أن العديد من الكائنات الحية يمكن أن تصمد في المستقبل أمام ارتفاع درجات الحرارة بسبب ثاني أكسيد الكربون، أو حتى انخفاض درجة الحموضة، أو انخفاض الأكسجين، ولكن ليس في كل مرة.

وقال جان بيير جاتوزو، كاتب مشارك في الدراسة: "المحيطات لم تكن حاضرة بقوة في المناقشات السابقة حول المناخ، ودراستنا تقدم أدلة على حدوث تغير حاد، في مؤتمر الأمم المتحدة حول التغير المناخي في باريس". وحذروا من أن الكربون الذي ينبعث اليوم قد يغير نظام الأرض بصورة لا رجعة فيها لأجيال عديدة قادمة. وقالت كارول تورلي، من مختبر بلايموث البحري، ومؤلف مشارك في الدراسة: "إن المحيط في مقدمة المتأثرين بتغير المناخ مع وجود إشارات لحدوث تغير في نظامه الفيزيائي والكيميائي لدرجة أن النظم الإيكولوجية والكائنات تتغير بالفعل، وسوف تستمر هذه التغيرات طالما استمرت الانبعاثات.

وأضافت أن المحيط يوفر لنا الغذاء والطاقة والمعادن والعقاقير ونصف الأوكسجين في الغلاف الجوي، وينظم المناخ والطقس. لذلك يجب على صانعي السياسات التعرف على العواقب المحتملة لهذه التغيرات الهائلة وتسليط الضوء على المحيط في المحادثات الدولية، لأنه حتى الآن، يأتي ذكره بالكاد. ويقول العلماء إن ارتفاع معدلات الملوحة من المتوقع أن يؤثر على التكاثر والتغذية، ومعدلات نمو الكائنات البحرية، وخاصة تلك التي لديها أصداف من كربونات الكالسيوم أو هياكل عظمية.

الدراسة انتقدت إهمال الحكومات للمحيطات رغم أنها مصدر الغذاء والطاقة والمعادن والعقاقير ونصف الأوكسجين في الغلاف الجوي، وتنظم المناخ والطقس ويقول المؤلفان عندما تعمل ضغوطات متعددة معا في بعض الأحيان يلغي كل منهما الآخر، ولكن في كثير من الأحيان تتزايد الآثار السلبية. ويقول الخبراء إن حماية السواحل ومصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية وصحة الإنسان والسياحة كلها سوف تتأثر بسبب التغييرات. ويحذرون: "مطلوب تخفيض فوري وملموس من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من أجل منع تأثيرات هائلة ولا رجعة فيها بشكل فعال على النظم الحيوية للمحيطات وخدماتها". بحسب بي بي سي.

وقال البروفيسور مانويل بارانج، مدير العلوم في مختبر بليموث البحري :"سيستمر تغير المناخ يؤثر على النظم الحيوية للمحيطات في طرق مهمة للغاية، ويحتاج المجتمع إلى الانتباه والاستجابة." "بعض النظم الحيوية وخدماتها ستستفيد من تغير المناخ، وخاصة في المدى القصير، ولكن عموما ستكون هناك آثار سلبية في الغالب. ومن المتوقع بشكل خاص وجود آثار سلبية في المناطق الاستوائية والبلدان النامية، مما قد يزيد التحديات القائمة في مجال الأمن الغذائي وسبل العيش. وحذر: "نحن نسمح لأنفسنا أن نسلك طريقا خطيرا بشكل فريد، ونحن نقوم بذلك دون تقدير للعواقب التي تنتظرنا".

اهم التحديات

الى جانب ذلك شدد تجمع لمنظمات غير حكومية معنية بشؤون المحيطات والمناخ على ضرورة الاخذ في الاعتبار بشكل اكبر لدور المحيطات و"صحتها الجيدة" في المفاوضات المقررة بشأن المناخ في باريس في كانون الاول/ديسمبر المقبل. وأشار رومان تروبليه الامين العام لمنظمة "تارا اكسبيديسيون" العضو في "التجمع من اجل المحيطات والمناخ" الذي انشئ قبل عام ويضم منظمات غير حكومية ومعاهد للبحوث وناشطين في القطاع البحري، الى "اننا نطلق نداء على شكل عريضة بثلاث لغات (الانكليزية والفرنسية والاسبانية) سيتم تسليمها للبلدان المشاركة في المفاوضات بشان المناخ".

ويطالب النداء باتفاق طموح في باريس مذكرا بأن "المحيطات تتعرض بصمت للتغيرات المناخية" التي تترجم بارتفاع في درجة حرارتها وتغيير في التيارات البحرية وزيادة في الحموضة ما يؤثر على الانظمة البيئية فيها. وأوضحت المتخصصة في علم الاحياء ساندرا بيسودو المكلفة ملف المحيطات في الحكومة الكولومبية خلال مؤتمر صحافي في مقر منظمة اليونسكو في باريس أن هذه التأثيرات من شأنها تهديد دور المحيطات كعامل مهم لضبط المناخ ومنتج للاكسجين ومساهم في الامن الغذائي العالمي. بحسب فرانس برس.

كما اشارت الباحثة فرنسواز غاي المستشارة العلمية في هذا التجمع الى ان المحيطات تمتص 90% من الحرارة الناتجة عن الاحتباس الحراري وربع انبعاثات ثاني اكسيد الكربون. من ناحيته شدد المتخصص في علم المحيطات فيليب فاليت على ضرورة "الحفاظ على المحيط في افضل صحة ممكنة لتقديم مستقبل مرجو"، مضيفا "نأمل في اتخاذ قرارات في هذا الاتجاه ترتدي اهمية كافية خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ" المزمع عقده في باريس نهاية العام الحالي.

طحالب سامة

من جانب اخر قال علماء إن ازدهار الطحالب السامة على سواحل المحيط الهادي من ولاية كاليفورنيا جنوبا وحتى واشنطن شمالا ربما يكون الأكبر من نوعه الذي يشاهد قبالة الساحل الغربي للولايات المتحدة. وقال الباحثون بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز إن هذه التجمعات من الطحالب التي ظهرت لأول مرة في مايو ايار الماضي تتضمن طحالب مجهرية تفرز مواد سامة للاعصاب تسمى حمض دومويك. وقال رافائيل كوديلا استاذ علوم المحيطات في سانتا كروز في بيان إن مستويات حمض دومويك على ساحل خليج مونتيري بكالفيورنيا هي الأكثر تركيزا التي يرصدها العلماء على الاطلاق.

وقال "مستويات حمض دومويك عالية للغاية الآن في خليج مونتيري ونفس الظاهرة موجودة شمالا حتى ولاية واشنطن. يبدو ان هذه واحدة من أكبر حوادث انتشار السموم التي شهدناها خلال عقد على الاقل". ويشعر الباحثون بقلق من احتمال وجود تركيزات عالية من حمض الدومويك السام في العديد من الأحياء البحرية ومنها الأصداف والمحار (الجندوفلي) وأسماك النازلي وسردين الساحل الغربي.

وقالت إدارة ولاية واشنطن للأسماك والحياة البرية إن هذا الحمض مسؤول عن عدة وفيات وادى الى اصابة المئات بأمراض. واضافت ان هذا الحمض يتراكم في معظم الكائنات البحرية ويصل الى مخ الانسان ويحدث اضطرابا في فسيولوجيا نقل الاشارات العصبية. ومضت تقول في بيان إن سلطات ولاية واشنطن أغلقت مواقع صيد السرطان البحري (الكابوريا) من منطقة الحدود مع أوريجون وحتى جنوب واشنطن بسبب ارتفاع مستويات السموم البحرية. بحسب رويترز.

وقالت الادارة إن فريقا من العلماء انطلق من اوريجون في سفينة ابحاث تابعة للادارة القومية للمحيطات والغلاف الجوي لدراسة هذه الظاهرة الغربية. واضافت ان الباحثين سيدرسون ما اذا كانت هذه الكتلة الهائلة من الطحالب مرتبطة بظروف ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط عن متوسطاتها المعهودة هذا العام من ولاية واشنطن وحتى جنوب كاليفورنيا. وقالت صحيفة سياتل تايمز إن سفينة الابحاث ستجمع عينات من المياه من منطقة الحدود المكسيكية وحتى جزيرة فانكوفر.

نجدة الشعاب المرجانية

على صعيد متصل ينكب سياح ومتطوعون على الاهتمام بقاع البحر في فلوريدا مزودين بعدة الغوص وبمؤازرة من علماء بهدف ترميم الشعاب المرجانية المهددة بالخطر. ففي جنوب شرق الولايات المتحدة كما في اماكن كثيرة من العالم، وقع المرجان ضحية للتلوث البشري. وقد دفع دوره المحوري في التنوع الحيوي البحري بالباحثين الى تطوير تقنيات للحفاظ عليه.

وفي هذا الاطار، يقوم برنامج ستيفاني شوبماير الباحثة في جامعة ميامي على قطع طرف مرجان قبل تثبيته على "شجرة" اصطناعية تحت الماء. وفي هذه الحاضنة الطبيعية في اعماق البحار، ينمو هذا الطرف قبل ان "يغرز" مجددا على احدى الشعاب المرجانية. وتوضح شوبماير أنه "بالامكان مقارنة ذلك بشجرة ورد. اذا ما شذبتموها، ستعود لتنمو بقوة اكبر وتزهر اكثر وتزداد حياة". وتدير هذه الباحثة برنامج "انقذوا شعبة مرجانية"، وهو من بين برامج كثيرة تقترح على السياح ومجموعات من المراهقين المشاركة في انقاذ هذه الكائنات المهددة.

ويحرص المتطوعون جميعهم، ومن بينهم نيكول بيسيمر، على التحرك من اجل البيئة مع العلم بأن الشعاب المرجانية توفر المسكن ومصدر التغذية للكثير من انواع الاسماك والسلاحف وقنافذ البحر وافراس البحر... وتقول هذه الطالبة في ولاية فلوريدا "بصفتي هاوية غوص، اريد أن اطمئن الى ان شعابنا المرجانية بافضل صحة ممكنة". كما أن التجربة لها طابع تثقيفي لهذه الشابة التي تعجب لرؤية الشعاب المرجانية تعاود نموها بعد قطعها وثقبها بمسامير.

فأمام الانظار الشاخصة للمتطوعين، يجهد غواصون محنكون في تثبيت اقراص صغيرة في قعر المحيط سيعمل علماء اليوم الواحد هؤلاء على زرعها بقطع صغيرة من الشعاب المرجانية. كذلك تشمل مهمة المتطوعين ايضا مسؤوليات اخرى من بينها تنظيف "الاشجار" الاصطناعية في داخل "المشتل" الطبيعي في خليج بيسكاين حيث تقودهم شوبماير ضمن مجموعات تضم كل منها نحو عشرة اشخاص على متن السفن. ويبدو أن جهود هذه اليد العاملة المتحمسة تؤتي ثمارها.

ويوضح دييغو ليرمان "حاليا نبلغ مستويات مهمة على الصعيد البيئي (...) لقد ادركنا أن كل شيء يعتمد على عدد (الشعب المرجانية) التي بامكاننا انباتها وعدد تلك التي يمكن اعادة زرعها" في بيئتها الطبيعية. هذا الاستاذ في مادة علوم الاحياء البحرية في جامعة ميامي قدم اطروحة قبل ثلاثين عاما عن الاضرار الناجمة عن الاعاصير مركزا على شعاب ايلخورن غير البعيدة من هذا المكان. وتبدو المرارة ظاهرة لديه عند تأكيده أن هذه المنطقة باتت خالية من الشعاب المرجانية.

وحصلت محاولات حثيثة وشاقة في هذا المجال لكن بحسب هذا الباحث، سمح تشارك المعارف مع علماء من العالم اجمع بتطوير اساليب فعالة للحفاظ على الشعب المرجانية. ويمثل الصيد الجائر وتجريف اعماق البحار والظروف المناخية القاسية اضافة الى ارتفاع حموضة المحيطات ابرز التهديدات التي تطال الشعاب المرجانية اذ انها تحرمها من مصادر الضوء والحماية وأيضا الغذاء. وعلى الرغم من انها اشبه بنباتات او صخور صغيرة، تعتبر الشعاب المرجانية حيوانات هشة جدا تنتمي الى العائلة نفسها لقناديل البحر او شقائق النعمان. وهي تتكاثر عبر ايداعها للبيوض والحيوانات المنوية في المياه. بحسب فرنس برس.

وفي فلوريدا ومنطقة البحر الكاريبي، تتولى مؤسسة ترميم الشعاب المرجانية القسم الاكبر من اعمال الحفاظ على هذه الكائنات مستعينة بنحو عشرة موظفين وبمجموعة كبيرة من المتطوعين. وقد سمح قانون "ريكوفري آكت" الذي اطلقه البيت الابيض لاعادة احياء الاقتصاد بعد الازمة المالية لعام 2008، في بادئ الامر بمد هذه المؤسسة وجامعة ميامي بالأموال اللازمة للقيام بهذا العمل. الا ان رئيس مؤسسة ترميم الشعاب المرجانية كن نيديماير يؤكد تلقي المؤسسة تبرعات سمحت "ببلوغنا حاليا مرحلة من النمو الكبير". ويوضح ان المؤسسة باتت تملك 500 "شجرة" اصطناعية في فلوريدا ما يسمح بانبات ما بين 40 و50 الف شعبة مرجانية في الوقت نفسه.

آسيا مقبرة السفن

من جهة اخرى تجوب السفن العالم خلال عمرها المديد لكن عندما تصبح غير صالحة للاستخدام، يجري نقل اكثريتها الى دول آسيا لتفكيكها في مواقع لا يأبه القائمون عليها كثيرا الى اعتبارات الحفاظ على البيئة والسلامة. وأشارت جمعية "روبان دي بوا" البيئية الفرنسية في تقريرها الاخير عن وضع تجارة السفن في العالم الى ان 20 سفينة تذهب اسبوعيا لكسرها وتحويلها الى خردة، اي ما يقارب الف سفينة سنويا.

ولفتت الجمعية الى ان 257 سفينة تجارية وعسكرية اخرجت في الاشهر الثلاثة الاولى من العام الحالي عن الخدمة بهدف تدميرها ما من شأنه السماح باعادة تدوير 2,34 مليون طن من المعادن. لكن ذلك يعني ايضا وجود 100 الف طن من النفايات السامة الواجب ادارتها" بحسب رئيسة الجمعية جاكي بونمان. فبالإضافة الى الكميات الكبيرة من الخردة، هذه السفن التي يبلغ متوسط عمرها 28 عاما وتستخدم في كثير من الاحيان من دون اخضاعها للصيانة تحوي على مواد مختلفة بينها الأسبستس والرصاص وأوحال النفط ومركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور وغيرها من النفايات السامة.

فعلى سفينة نفطية بطول 300 متر على سبيل المثال، "ثمة 24 طنا من الدهانات السامة على الهيكل الخارجي" لمنع الطحالب والاصفاد من الالتصاق به، وحوالى الفي طن من أوحال النفط وستة الى ثمانية اطنان من الأسبستس بحسب بونمان. وخلال الربع الاول من سنة 2015، سبع سفن فقط خضعت للتدمير في مواقع تابعة للاتحاد الاوروبي.

وبحسب المنظمة غير الحكومية، 90% من السفن المرسلة سنويا للكسر يتم تدميرها في آسيا. وتحتل بنغلادش صدارة هذه الوجهات تليها الهند والصين وباكستان. إذ أن "آسيا تحتاج للخردة" حيث تباع بثمن 450 دولارا للطن الواحد مقابل نصف هذا المبلغ في اوروبا، وخصوصا بالنظر الى الكلفة المتدنية لليد العاملة والقواعد المتساهلة في مجال السلامة وادارة النفايات، وفق بونمان.

ويجازف العمال خصوصا بخطر الاختناق في مواقع عمل تفتقر للتهوئة السليمة مثل الصهاريج، وأيضا بامكان التعرض لاصابات جراء انفجارات لانواع غير محددة من النفايات او بسبب سوء تهيئة صهاريج سفن النفط، فضلا عن خطر الاصابة بأمراض منقولة من الجرذان والحشرات وغيرها من المخلوقات الضارة الموجودة خصوصا على السفن القديمة المستخدمة للصيد او للرحلات التجارية. وفي هذا الاطار، شهدت الهند في حزيران/يونيو 2014 مقتل خمسة عمال وجرح حوالى عشرة آخرين جراء انفجار حصل لدى تقطيعهم صهاريج الناقلة "بيرينتيس".

إلى هذه المخاطر تضاف محاذير على مدى الطويل ناجمة عن التعرض لمواد مثل الأسبستس أو الراديوم المشع. وبحسب دراسة جامعية اجريت في الهند، تم احصاء وفاة 470 شخصا في خلال 30 عاما في مواقع لكسر السفن في هذا البلدان. حتى أن بعض السفن القديمة لا تصل الى آسيا ويأكلها الصدأ على مدى أشهر وسنوات في المرافئ التي ترسو فيها، سواء من باب الحذر او بإيعاز اداري.

وذكرت كريستين بوسار المتحدثة باسم جمعية "روبان دي بوا" بأن المنظمات غير الحكومية تطالب منذ سنوات "بتشريع محدد للسفن الموجهة للكسر". وعلى المدى الطويل، يتعين تطبيق معاهدة هونغ كونغ (الصادرة سنة 2009 والمتعلقة باعادة التدوير بشكل آمن يراعي البيئة) للسفن لكن يجب توقيعها من جانب 15 بلدا تمثل 40% من اساطيل السفن في العالم. وحتى اليوم فقط ثلاث دول هي النروج وفرنسا والكونغو وقعت عليها وفق بوسار. بحسب فرانس برس.

وفي ما يتعلق بالتشريعات الاوروبية عن اعادة تدوير السفن، فإنها "لا تنطبق سوى على السفن التي ترفع اعلاما اوروبية" بحسب جاكي بونمان. وهذا التشريع الذي اقره الاتحاد الاوروبي نهاية 2013 يلحظ تشديدا لقواعد تفكيك السفن عبر انشاء مجموعات "مرخصة" لتولي هذه المهمة. غير ان المنظمة غير الحكومية تحدثت عن بعض الانباء السارة في هذا المجال من بينها زيادة الرقابة في اطار تعزيز التعاون الاقليمي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0