المناهجُ الحاليةُ مصممةٌ بأسلوبِ الحشوِ السرديِّ، مما حوَّلَ الطالبَ العراقيَّ إلى مجردِ ذاكرةٍ مؤقتةٍ لنقلِ المادةِ من الكتابِ إلى ورقةِ الامتحانِ، بدلاً من أنْ يحولَهُ إلى باحثٍ أو مفكرٍ منتجٍ. نحنُ بحاجةٍ ماسةٍ إلى ثورةٍ حقيقيةٍ في المناهجِ تحررُ عقولَ الطلبةِ وتربطُهُمْ ببيئتِهِمْ وتمدُّهُمْ بأدواتِ النجاحِ في المستقبلِ الرقميِّ وسوقِ العملِ...
صناعة الإنسان تتم عبر مصانع مختلفة؛ أولها العائلة التي توضع في أساسات البناء، ومن ثم يتحول الإنسان إلى مرحلة أخرى من الصناعة وهي التي تتولاها المدارس وبعدها الجامعات بكل صنوفها وتخصصاتها، ولأجل أن تكون هذه الصناعة ذات جودة عالية أو جيدة على أقل تقدير لابد من وجود نظام ومادة نقية كمدخلات وبالتالي تكون المخرجات مقبولة، وأعني به المناهج الدراسية التي تسهم في بناء الإنسان بناءً صحياً.
لكن الذي نراه أن المناهج الدراسية في العراق على وجه التحديد لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، وتحتاج إلى الكثير من العمل لكي تواكب المناهج الدراسية في العالم والمنطقة العربية، فمشكلة المناهج الدراسية تمثل عائقاً حقيقياً في طريق تنمية الإنسان وتهيئته لمواجهة تحديات الحياة المستمرة، فماهي أوجه القصور في مناهجنا العراقية؟ وكيف نعالج هذه الإشكالية؟
حين نتكلم عن المناهج الدراسية في العراق، فنحن نتكلم ليس فقط عن كتب مدرسية، بل عن خطة واضحة لمستقبل جيل كامل، ورغم المحاولات البسيطة للتحديث إلا أن الذي ينظر في واقعنا التعليمي يرى أن المنهج لا يزال ثابتاً، مثقلاً بآثار الماضي وصعوبات الحاضر.
أزمة العراق لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الكبرى التي عصفت بالبلاد فالمناهج الدراسية التي يفترض أن تكون العقل المدبر لبناء الدولة، تحولت مع مرور الوقت إلى عبء ثقيل يرهق كاهل الطالب والمعلم والأسرة على حد سواء، ولا يأتي بنتائج مرضية سواء على مستويات التعليم نفسه أو على مستويات سوق العمل التي يجب أن تحدد هي نوع المناهج أو أن المناهج تصمم على أساسها.
من الأخطاء الكارثية التي تقع فيها الجهات المسؤولة عن التعليم أنها تدرب الكوادر التربوية سنوياً من أجل إتقان تدريس أو تعليمها للطلبة، لكنها تغفل أو ربما تتغافل أن المنهج غير ملبٍ لحاجات التعليم في الأساس، وبالتالي لا طائل من التدريب عليه لكون المشكلة فيه أساساً، وهذا ما يجب الالتفات إليه قبل أن يموت التعليم فعلياً بعد أن مات سريرياً منذ سنوات طوال.
ماهي أوجه سوء المناهج الدراسية في العراق؟ أولى أوجه القصور تتمثل في الاعتماد على الكم على حساب الكيف، إذ يعاني الطالب العراقي من كثرة المعلومات وقلة الفهم، المناهج الحالية مصممة بأسلوب الحشو السردي، حيث يطلب من التلميذ حفظ مئات الصفحات من التواريخ والتعاريف المعقدة التي تنتهي فعاليتها بمجرد مغادرته قاعة الامتحان، وهذا التضخم في المادة الدراسية حول المدارس حول الطالب العراقي إلى ذاكرة لنقل المادة من الكتاب إلى ورقة الامتحان بدلاً من أن يحوله إلى باحث أو مفكر.
ثاني أوجه القصور في المناهج التعليمية العراقية تتضح بوجود فجوة كبيرة بين المناهج ومتطلبات الواقع، حيث إننا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، بينما لا تزال بعض مناهجنا التقنية تتحدث عن برمجيات أصبحت جزءاً من التاريخ، وهذا ما يدلل على وجود انفصال غريب بين ما يدرسه الطالب وبين ما يراه في هاتفه الذكي أو يحتاجه سوق العمل.
ومن مشكلات مناهجنا الدراسية هو غياب التعليم المهني، فمع كوننا إلى التطور المهني الذي لا يقل أهمية عن التطور النظري بل يكمله في مواقع عديدة إلا أن التعليم المهني (الصناعي والتجاري والزراعي) ما زال يُعتبر غير مهم، هذا نقص في تركيز المناهج على الحرف والمهن الحديثة تسبب في ظهور أعداد كبيرة من الخريجين الأكاديميين الذين لا يجدون فرصاً في سوق العمل الذي يتطلب فنيين وخبراء عمليين.
ماذا يجب؟ يجب على القائمين على التعليم أن يصمموا المناهج تلبي الواقع العراقي على كافة المستويات والتي تجعل من الطالب ناقداً ومفكراً منتجاً، فما أحوج تعليمنا إلى مناهج تحرر عقول الطلبة لا تقيدهم، ومناهج تربط الطلبة ببيئتهم وتمدهم في الوقت نفسه بأدوات النجاح في المستقبل.



اضف تعليق