عندما تُقدِم دولة ما على اتخاذ قرار مصيري، فإنها تدرس آثاره الجانبية وخاصة السلبية منه، فهل فعلت بريطانيا هذا الشيء قبل إقدامها على الخروج من الاتحاد الاوربي مؤخرا، بعد الاستفتاء الذي أجرته الحكومة للشعب والذي انتهى لصالح الخروج من هذا الاتحاد بنسبة فاقت 51%؟، يُقال أن الحكومة درست تلك الخطوات والجهات المعنية ايضا.

بيد أن كامرون شخصيا وهو (رئيس وزراء بريطانيا) والرئيس التنفيذي الاول فيها، كان رافضا لاجراء الاستفتاء بل رفض الخروج من الاتحاد الاوربي، لذلك قدم استقالته بعد ان جاءت نتائج الاستفتاح على غير ما يرغب ويريد، وفي الأخير خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوربي وحدثت الصدمة في الاسواق والشركات والتعاملات المالية والاستثمارات وارتبكت الاسواق.

وتراجع الجنيه الاسترليني الى ادنى مستوى له منذ عامين ازاء اليورو، وذلك على خلفية الغموض والشكوك السائدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي، وتدخل سياسيون من دول كبرى في قضية الاستفتاء، فمنهم من رحب ومنهم من حذر ورفض ومنهم من اتخذ موقف الصمت.

فالرئيس الامريكي اوباما مثلا كان من المحذرين من خطوة الاستفتاء والخروج من الاتحاد، حيث حذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما من "هيستيريا" مالية عالمية بعد تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي مؤكدا على أن خطى الوحدة الأوروبية الشاملة ربما تكون توقفت في الوقت الحالي لكن من المستبعد حدوث تغييرات كارثية.

وقال أوباما في مقابلة مع الراديو العام الوطني "حدثت بعض الهيستيريا بعد اقتراع بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي كما لو أن حلف شمال الاطلسي اختفي بشكل ما والتحالف عبر الاطلسي انفصمت عراه وكل دولة تهرع لزاوية خاصة بها. لكن هذا ليس ما يحدث.

وحاولت دول اخرى من داخل الاتحاد الاوربي ان تستثمر هذه الصدمة لصالحها، فمثر فرنسا اعلنت رغبتها بأنها ترغب بأن تكون مركزا ماليا تجاريا استثماريا يستقطب كبريات الشركات الاوربية وتطمح باريس ان تكون بديلا عن لندن، وتأخذ دورها لذلك كانت هناك خطوات فعلية في هذا المجال تشجع الشركات والبنوك على الاستثمار والتعامل البنكي والتجاري مع البنوك الفرنسية.

فقد مهد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس الطريق للشركات الناشطة في بريطانيا، معلنا مجموعة اجراءات لتعزيز جاذبية باريس بصفتها مركزا ماليا بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوروبي. وقال فالس خلال مداخلة له في منتدى "باريس مركز أوروبا المالي" "هذا هو الوقت المناسب، اهلا بكم في فرنسا"، مشيرا الى ان تصويت البريطانيين "احدث موجة من الصدمة لدى جميع المواطنين الاوروبيين، وبشكل واضح جدا ايضا لدى شركات كثيرة تنشط من بريطانيا".

واضاف رئيس الوزراء الاشتراكي الذي يسعى الى تحسين النظام الضريبي والتشريعي الفرنسي بهدف "استقبال مزيد من الشركات" وجعل باريس "المركز المالي الاول في اوروبا"، "نريد ان تكون فرنسا مركز جذب في هذا المحيط الجديد الذي هو في طور التكوين".

ولم تتعرض سوق القارات في بريطانيا الى تأثيران جانبية جدية بسبب قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوربي، فشهية المستثمرين من دول الخليج لا تزال مفتوحة في هذا الاتجاه ولم تتأثر كثيرا بل العكس اقدم مستثمرون من هذه الدول على مواصلة الاستثمار في قطاع العقارت في لندن.

خاصة أن سوق العقارات في بريطانيا تشكل نقطة جذب رئيسية للمستثمرين الخليجيين، ومن غير المرجح ان يؤثر تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي، على شهية اثرياء الخليج للتملك في المملكة المتحدة، بحسب محللين، وتتراوح الاستثمارات الخليجية في بريطانيا بين المشاريع الكبرى كالفنادق الفخمة والمجمعات التجارية والمكتبية، الى القصور الخاصة والمنازل الفارهة.

وساهم تراجع اسعار النفط خلال العقد الماضي، في جذب المزيد من الاستثمارات الخليجية الى سوق العقارات البريطانية، وكان من المتوقع بعد حدوث الانفصال البريطاني من الاتحاد الاوربي، ان تتعرض منطقة اليورو الى تراجع في النمو الاقتصادي، فقد قال مسؤول بالاتحاد الأوروبي إن ماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي أبلغ قادة الاتحاد أن نمو منطقة اليورو قد ينخفض بين 0.3 و0.5 بالمئة على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة مقارنة مع التقديرات السابقة بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد.

انعكاسات عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي

في هذا السياق بعد اسبوعين من القرار التاريخي للبريطانيين بالخروج من الاتحاد الاوروبي، بدأت المخاوف من تأثيره الاقتصادي تتحول واقعا من قطاع العقارات الى التجارة والوظائف والجنيه الاسترليني ولم يتأخر قرار الخروج من الاتحاد الاوروبي في ان يضرب بقوة هذا القطاع الاساسي في الاقتصاد البريطاني والذي شهد ازدهارا كبيرا في السنوات الاخيرة.

واضطرت ست مجموعات مالية تدير ما مجموعه نحو 15 مليار جنيه من الموجودات في القطاع العقاري التجاري (مكاتب، محلات تجارية...)، لاغلاق ابوابها موقتا منذ بداية الاسبوع بسبب عجزها عن تلبية طلب مستثمرين يريدون استعادة حصصهم. وما يثير القلق هو ان هذه الظاهرة لم تتكرر منذ 2008.

والنتيجة هي ان اسهم العقارات والمجموعات المالية التي تعامل مع هذا القطاع شهدت هبوطا حادا في بورصة لندن. واعلنت مجموعتان تديران صناديق عقارية ان قيمة ممتلكاتهما العقارية في بريطانيا تراجعت 15 بالمئة على الاقل. ونشرت مجموعة "ابردين فاند ماناجيرز" بيانا اوضحت فيه ان المستثمرين الذين يريدون سحب اموالهم ظهر الخميس عليهم ان يقبلوا بخسارة 17 بالمئة من قيمة المبلغ الذي اودع، بالمقارنة مع قيمته.

وصرح ناطق باسم هذه الشركة المالية ان قيمة 79 عقارا تجاريا لصندوقيها تراجعت بهذه النسبة حسب تقديرات للتقلبات الكبيرة في السوق منذ الاستفتاء. وكانت هذه العقارات تساوي 3,2 مليارا في نهاية ايار/مايو (3,7 مليارات يورو بسعر الصرف الحالي) بحسب فرانس برس. اما المجموعة الثانية "ليغال اند جنرال اينفستمنت مانيجمنت" فاوضحت انها فرضت خفضا نسبته 15 بالمئة ايضا بسبب انخفاض اسعار العقارات. وتدير صناديق هذه المجموعة اكثر من مئة عقار تجاري (محلات تجارية، مصانع، مكاتب) كانت قيمتها الاجمالية تبلغ حوالى 2,3 مليار جنيه في 30 حزيران/يونيو.

وفي اوج موسم التنزيلات، عزف بعض البريطانيين عن التسوق. وافادت ارقام نشرها مكتب "سبرينغبورد" الاستشاري ان التردد على الشوارع التجارية الكبرى (هاي ستريتس) انخفض بنسبة 11 بالمئة في 28 و29 حزيران/يونيو بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.

وقالت ديان ويرل التي تعمل في هذه المجموعة "لم ينشغل الناس بالتسوق وهم يشعرون ربما بالقلق حيال المستقبل وما سيحصل لنا". والمؤشرات الاولى سلبية في مجمل قطاع الخدمات الذي يحتل حيزا كبيرا في الاقتصاد البريطاني. وكشف مؤشر هذا القطاع الثلاثاء عن تباطؤ كبير في حزيران/يونيو لان عددا كبيرا من الشركات ارجأت او الغت طلبياتها بسبب الغموض المحيط بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

وبدأ سوق الوظائف يتراجع بعد ان كان بخير في السنوات الاخيرة اذ تفيد آخر الاحصاءات الرسمية ان نسبة البطالة بلغت 5 بالمئة في نيسان/ابريل اي ادنى مستوى منذ احد عشر عاما. في قطاع الخدمات سجل معدل التوظيف في حزيران/يونيو ادنى مستوى له منذ حوالى ثلاث سنوات، حسب مجموعة "ماركيت".

وهبط سعر الجنيه الاسترليني مقابل الددولار الى ادنى مستوى منذ 31 عاما، بنسبة حوالى 15 بالمئة مقابل الدولار واليورو منذ الاستفتاء. وقبل ان تتأكد المؤشرات الاولى التي تتوقع حدوث تضخم كبير بسبب ارتفاع منتجات عدة يتم شراؤها في الخارج، سيؤثر انخفاض سعر العملة البريطانية على البريطانيين الذين سيتوجهون الى اسبانيا وفرنسا لقضاء الاجازة اذ انهم سيلمسون تراجع القدرة الشرائية للجنيه. والنتيجة نفسها للعديد من المتقاعدين المقيمين في جنوب اوروبا.

وادى قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي الى خفض التصنيف الائتماني لبريطانيا من قبل اثنتين من الوكالات العالمية الثلاث "ستاندارد اند بورز" (من الدرجة الممتازة ايه ايه ايه الى ايه ايه) و"فيتش" (من ايه ايه+ الى ايه ايه). اما موديز فهددت بخفض الدرجة.

الآثار الاولى للاستفتاء البريطاني

في السياق نفسه تسبب الآثار الاقتصادية الاولى لتصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي والمخاوف على المصارف الايطالية، توترا لدى المستثمرين العالميين ما يؤدي الى تراجع البورصات وضعف واضح للجنيه الاستراليني والاقبال على شراء السندات. وتراجع الجنيه الاستراليني الى دون العتبة الرمزية 1,30 دولار للجنيه الاربعاء ليصل الى 1,2944 حوالى الساعة السابعة بتوقيت غرينيتش، ادنى مستولى منذ منتصف 1985.

فالآثار الاقتصادية العملية الاولى لتصويت البريطانيين المؤيد للخروج من الاتحاد الاوروبي بدأت تظهر. وعلقت ثلاثة صناديق عقارية نشاطاتها بسبب تدفق طلبات سحب اموال من قبل مستثمرين قلقين. وكشفت معطيات جمعت قبل وبعد الاستفتاء الذي جرى في 23 حزيران/يونيو، ان نمو قطاع الخدمات المزدهر في بريطانيا سجل تباطؤا في حزيران/يونيو.

وحاول حاكم بنك انكلترا مارك كارني الحاضر منذ الاستفتاء، تهدئة المخاوف ودعا الثلاثاء المصارف الى تقديم الاموال لدعم اقتصاد تسوده مخاوف من انكماش. ويبدو ان اسواق المال تمكنت من امتصاص صدمة هذا الاستفتاء الذي كانت تأمل ان تكون نتيجته مختلفة، لكن التصدعات واقعية.

وقال ستيفن اينيس الذي يعمل في مجموعة "واندا ايجا باسيفيك" انه "عندما تصورنا ان الهدوء عاد، بدأ الجنيه يهتز" بحسب فرانس برس. اما مايكل هوسن من مجموعة "سي ام سي ماركيتس" فقال "نرى ما يشبه مفعول الدومينو على الاسهم المعرضة للتعامل بالجنيه الاسترليني وبشكل اوسع على الاسهم التي تنطوي على مجازفة في العالم".

ويبحث المستثمرون القلقون عن قيم آمنة مثل الين او السندات التي ادى التدفق عليها الى انخفاض مردودها بشكل آلي. وقال جون بلاسار مساعد مدير مجموعة "ميرابو سيكيوريتيز" ان "الكلمة قوية لكنها تتطابق تماما مع ما يحدث حول مردود السندات السيادية: انها مجزرة".

الافاق الاقتصادية "متدهورة" في بريطانيا

في سياق مقارب اعلن حاكم مصرف انكلترا المركزي مارك كارني ان المصرف يمكن ان يتخذ قرارات لاضفاء الليونة على سياسته النقدية هذا الصيف لمواجهة آفاق اقتصادية "متدهورة" بعد قرار البريطانيين مغادرة الاتحاد الاوروبي. وقال كارني "من وجهة نظري، وانا لا استبق رأي اعضاء اخرين مستقلين في لجنة السياسة النقدية لمصرف انكلترا المركزي، ان الافاق الاقتصادية متدهورة، وقد يكون من الضروري اتخاذ اجراءات لاضفاء الليونة على الوضع النقدي هذا الصيف".

وادى كلام المسؤول البريطاني الى انخفاض فوري لسعر الجنيه الاسترليني وارتفاع اسهم بورصة لندن، حيث يتوقع المستثمرون خفض نسب الفوائد. وكرر كارني القول انه يتوقع ان يغير تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي بشكل كبير توقعات النمو والتضخم البريطانيين بحسب فرانس برس.

هبوط عملة بريطانيا مقابل الدولار

من جهته قال محمد العريان كبير المستشارين الاقتصاديين في مجموعة أليانز الألمانية إن على الساسة البريطانيين التحرك بصورة عاجلة وتنظيم صفوفهم بعد التصويت لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي مضيفا أنهم إذا فشلوا في التوصل إلى "خطة بديلة" موثوقة بشأن اتفاق تجارة حرة فإن الجنيه الاسترليني قد يهبط نحو سعر التعادل مع الدولار.

وقال العريان إن بريطانيا تواجه المزيد من الغموض الذي يكتنف البنية الهيكلية لاقتصادها وانخفاض وتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع مخاطر الانزلاق إلى الركود بعد التصويت. وأضاف كبير مستشاري أليانز التي تدير أصولا بقيمة نحو 1.3 تريليون يورو (1.4 تريليون دولار) أن الكثير من الأمور يعتمد على قدرة الساسة على تقديم "خطة بديلة" سريعة وموثوقة لعضوية الاتحاد الأوروبي والتي تشمل اتفاقا للتجارة الحرة مع التكتل. وقال العريان "بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على المملكة المتحدة أن ترتب أمورها السياسية على وجه السرعة بما يشمل تعيين رئيس وزراء جديد قادر على التفاوض بفاعلية مع الاتحاد الأوروبي."

وأضاف "الخطة البديلة تعتمد على الساسة في لندن وعلى جانبي القنال لكن حتى الآن لم يرقوا لمستوى مسؤولياتهم الخاصة بالإدارة الاقتصادية." وهبط الاسترليني لأدنى مستوى له في 31 عاما يوم الأربعاء منخفضا إلى ما دون 1.28 دولار. وتم تداول العملة البريطانية بسعر 1.50 دولار في 23 يونيو حزيران يوم الاستفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بحسب رويترز. وقال العريان "أرى أن الاسترليني يواجه ضربة مزدوجة مع عدم وجود دفاعات قوية."

تأثر الشرق الأوسط وأفريقيا

من جهتها قالت وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية إن تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي قد يؤثر على دول الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال الأسواق والتجارة والمساعدات وإن كانت أي آثار فورية تبدو "محدودة".

وقالت فيتش في بيان "آثار الأمد القصير قد تأتي من خلال اضطراب السوق في حين قد يؤثر تباطؤ النمو البريطاني والأوروبي سلبا على اقتصادات الشرق الأوسط وأفريقيا في وقت تعاني فيه بالفعل من ضغوط شديدة" مشيرة إلى أن عشر دول من بين 29 دولة مصنفة في المنطقة قد أعطيت نظرة مستقبلية مستقرة.

وأوضحت الوكالة أن أبرز الآثار الفورية المترتبة على الانسحاب البريطاني يظهر في زيادة عزوف المستثمرين عن المخاطرة في حين يتوقف التأثير على مدى الاندماج مع النظام المالي العالمي. وأضافت أن التصويت لصالح الانفصال البريطاني أدى أيضا إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي أمام معظم العملات المعومة في الأسواق الناشئة وهو ما سيزيد من أعباء الدين وخدمته على الدول ذات الميزانيات المثقلة بديون دولارية كبيرة.

وقالت فيتش إنه بينما تحوز السعودية معظم أصولها الاحتياطية في صورة أصول مقومة بالدولار فمن المعتقد أن دول الخليج الغنية الأصغر حجما ستحتفظ بقدر كبير من الأصول في بريطانيا والاتحاد الأوروبي. لكنها أضافت أن صافي أصولها الخارجية السيادية المقدرة - التي تعادل 400 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت ونحو 200 بالمئة من الناتج المحلي في أبوظبي وقطر - كاف كي تعوض بسهولة أي خسائر في المحافظ قد تنجم عن اضطراب السوق رغم معدلات العجز الحالية. وقد تكون الآثار المترتبة على تراجع النمو بمنطقة اليورو كبيرة أيضا على تونس التي تشكل صادراتها إلى منطقة العملة الموحدة 21 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي والمغرب الذي تشكل صادراته 12 بالمئة بحسب فيتش.

وقالت الوكالة إن المغرب وتونس ومصر لديها انكشاف كبير على المملكة المتحدة عبر قطاع السياحة وإن كانت الحوادث الأمنية لها أثر سلبي كبير بالفعل على تونس ومصر. وفي الأمد المتوسط قالت فيتش إن الخروج من الاتحاد الأوروبي قد يتطلب من دول الشرق الأوسط وأفريقيا التفاوض على اتفاقات تجارة ثنائية مع الاتحاد للحفاظ على إمكانية الدخول إلى السوق البريطانية ومن المرجح أن يطول أمد هذه العملية.

تخفيض درجة الاتحاد الأوروبي

من جهتها أعلنت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" تخفيض درجة الاتحاد الأوروبي من "إيه إيه+" إلى "إيه إيه". وجاء هذا القرار على خلفية انسحاب بريطانيا من الاتحاد. وكانت الوكالة قد خفضت تصنيف بريطانيا إثر ظهور نتائج الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وخفضت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" علامة دين الاتحاد الأوروبي درجة واحدة، موضحة أن قرارها مرتبط بالغموض بعد تصويت البريطانيين على الخروج من الكتلة الأوروبية.

وقالت الوكالة في بيان "بعد قرار الناخبين البريطانيين مغادرة الاتحاد الأوروبي على إثر استفتاء 23 حزيران/يونيو، أعدنا تقييم تحليلنا للتلاحم داخل الاتحاد الذي أصبحنا نعتبره عاملا محايدا وليس إيجابيا في التصنيف". وأوضح البيان أن الوكالة خفضت درجة الاتحاد الأوروبي من "إيه إيه+" إلى "إيه إيه" مع آفاق مستقرة، مما يعني أن الوكالة تعتبر أن خفضا إضافيا لن يكون ضروريا على الأمد المتوسط بحسب فرانس برس. وكانت وكالتا التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" و"فيتش" خفضتا درجة الدين البريطاني. وقالت "ستاندرد أند بورز" في بيان إن درجة الدين البريطاني خفضت من "إيه إيه إيه" وهي الأفضل إلى "إيه إيه" أي درجتين بسبب "عدم اليقين" في المستقبل الذي نجم عن الاستفتاء. وقالت إنها تتوقع "أجواء سياسية لا تسمح بالتكهن بتطوراتها وأقل استقرارا وأقل فاعلية" في الأشهر المقبلة.

فرنسا تجذب الشركات المالية

ومهد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس الطريق للشركات الناشطة في بريطانيا، معلنا مجموعة اجراءات لتعزيز جاذبية باريس بصفتها مركزا ماليا بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوروبي. وقال فالس خلال مداخلة له في منتدى "باريس مركز أوروبا المالي" "هذا هو الوقت المناسب، اهلا بكم في فرنسا"، مشيرا الى ان تصويت البريطانيين "احدث موجة من الصدمة لدى جميع المواطنين الاوروبيين، وبشكل واضح جدا ايضا لدى شركات كثيرة تنشط من بريطانيا".

واضاف رئيس الوزراء الاشتراكي الذي يسعى الى تحسين النظام الضريبي والتشريعي الفرنسي بهدف "استقبال مزيد من الشركات" وجعل باريس "المركز المالي الاول في اوروبا"، "نريد ان تكون فرنسا مركز جذب في هذا المحيط الجديد الذي هو في طور التكوين".

واعلن ان الاجراء الرئيسي سيكون تعديل النظام الذي يسمح للكفاءات العائدة من الخارج بالاستفادة من التخفيضات الضريبية، لافتا الى ان هذا النظام "سيطبق على مدى ثمانية اعوام بدلا من خمسة حاليا". كذلك أكد فالس الخفض الضريبي على الشركات الذي أعلنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، موضحا "(...) سيخفض المعدل الطبيعي للضرائب على الشركات تدريجا إلى 28 بالمئة"، مقابل 33 بالمئة حاليا.

واضافة الى الاجراءات الضريبية، اعلنت الحكومة الفرنسية التزامها تأسيس "نقطة دخول وحيدة" ستنولى تنسيقها هيئة تعزيز الجاذبية الفرنسية "بيزنس فرانس"، بهدف تسهيل إجراءات الشركات الراغبة بالاستقرار في البلاد بحسب فرانس برس. وهذه الخدمة "ستتيح ايلاء اهتمام كامل بالمؤسسات وموظفيها" من خلال الاجابة عن "اسئلتهم حول العقارات، وإصدار تصاريح الإقامة، وتعليم الأطفال"، بحسب ما اوضح فالس، املا في ان تصبح هذه الخدمة جاهزة بعد انتهاء فصل الصيف.

خروج بريطانيا ينال من نمو منطقة اليورو

من جهته قال مسؤول بالاتحاد الأوروبي إن ماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي أبلغ قادة الاتحاد أن نمو منطقة اليورو قد ينخفض بين 0.3 و0.5 بالمئة على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة مقارنة مع التقديرات السابقة بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد. وفي وقت سابق هذا الشهر وقبل استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو حزيران قدر البنك المركزي الأوروبي أن منطقة اليورو ستنمو 1.6 بالمئة على أساس سنوي في 2016 و1.7 بالمئة في 2017 و2018.

وقال دراجي إن التراجع المحتمل لمعدل النمو قد ينجم عن التباطؤ المرجح حدوثه في بريطانيا ومن تراجع التجارة مع البلد الذي يعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لمنطقة العملة المؤلفة من 19 دولة. وبحسب المسؤول أبلغ دراجي اجتماعا للاتحاد الأوروبي أن نمو منطقة اليورو قد يتأثر أيضا بارتفاع تكلفة التمويل الرأسمالي نتيجة لانخفاض أسعار الأسهم.

وقال أمام أول اجتماع لرؤوساء حكومات الدول الثماني والعشرين الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء البريطاني إن صورة الاتحاد الأوروبي قد تهتز خارج أوروبا بعد خروج بريطانيا. وحث دراجي الحكومات على معالجة تلك المخاوف عن طريق الجهود المشتركة وإصلاح نقاط الضعف بالقطاع المصرفي بحسب رويترز.

الجنيه الاسترليني عند ادنى مستوى له

من جانب اخر تراجع الجنيه الاسترليني الى ادنى مستوى له منذ عامين ازاء اليورو، وذلك على خلفية الغموض والشكوك السائدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي. وقرابة الساعة 09,20 ت غ، تراجع الجنيه الى 83,20 بنسا لليورو الواحد في انخفاض جديد عن العتبة التي بلغها الجمعة والتي كانت تشكل ادنى مستوى له منذ نيسان/ابريل 2014. ويكون الجنيه بذلك خسر اكثر من 9% من قيمته ازاء اليورو منذ اعلان فوز معسكر مؤيدي الخروج في استفتاء الخميس. كما تراجع الجنيه الى ادنى مستوى له مقابل الدولار منذ نحو 31 عاما.

وقال مايكل هيوسن المحلل لدى "سي ام سي ماركتس" ان "الجنيه لا يزال تحت الضغوط وتراجع معدل عائدات السندات البريطانية المستحقة على عشر سنوات الى ما دون 1% للمرة الاولى مما يظهر ان السوق تاخذ في الاعتبار امكان اتخاذ المصرف المركزي البريطاني اجراءات كبيرة من اجل تليين السياسة النقدية في الاسابيع والاشهر المقبلة".

العقارات البريطانية ستحافظ على جاذبيتها

ولطالما شكلت سوق العقارات في بريطانيا نقطة جذب رئيسية للمستثمرين الخليجيين، ومن غير المرجح ان يؤثر تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي، على شهية اثرياء الخليج للتملك في المملكة المتحدة، بحسب محللين. وتتراوح الاستثمارات الخليجية في بريطانيا بين المشاريع الكبرى كالفنادق الفخمة والمجمعات التجارية والمكتبية، الى القصور الخاصة والمنازل الفارهة. وساهم تراجع اسعار النفط خلال العقد الماضي، في جذب المزيد من الاستثمارات الخليجية الى سوق العقارات البريطانية.

ويرى المحللون ان الاقبال لن تزعزعه نتيجة استفتاء الاسبوع الماضي. وتقول كبيرة الاقتصاديين في مصرف ابوظبي التجاري مونيكا مالك لوكالة فرانس برس "على المدى القريب سيكون ثمة شعور حذر، لكننا لا نتوقع عمليات بيع ملحوظة". وتضيف "من غير المرجح حصول ردة فعل مفاجئة او هلع" بحسب فرانس برس.

الا ان نتيجة الاستفتاء قد تحمل معها بعض النتائج الايجابية. فبحسب المحللين، يمكن لانخفاض قيمة الجنيه الاسترليني ان يشكل فرصة سانحة للمستثمرين من الدول الخليجية التي تربط معظمها عملاتها الوطنية بالدولار الاميركي، لشراء عقارات جديدة باتت قيمتها حاليا اقل نسبيا، جراء الفارق في قيمة العملة. ويقول الخبير في الشؤون الخليجية نيل بارتريك "انخفاض قيمة الجنيه قد يجعل من المملكة المتحدة اكثر جذبا لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي، ربما للاستثمار في عقارات لندن".

من ناحية اخرى اظهر استطلاع للراي نشرت نتائجه الاثنين ان شركة بريطانية من اصل خمس تعتزم نقل قسم من نشاطها وان الثلثين تقريبا يعتبرون ان خيار الخروج من الاتحاد الاوروبي مضر باعمالهم. واجرى معهد المدراء، وهو اتحاد بريطاني لرؤساء شركات، استطلاعا للراي بين الجمعة والاحد شمل اكثر من الف شخص من المنتسبين اليه.

واظهر الاستطلاع ان 64% من ارباب العمل يرون ان خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي "سينعكس سلبا على نشاطاتهم". وعلق المدير العام لمعهد المدراء سايمون ووكر ان "غالبية المؤسسات تعتقد ان خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيضر باعمالها ولذلك تم تجميد مشاريع الاستثمار والتوظيف او الحد من نطاقها" بحسب فرانس برس. وشددت المديرة العامة لكونفدرالية الصناعات البريطانية التي تعتبر اكبر هيئة لارباب العمل البريطانيين، في مقال نشرته صحيفة "تايمز"، على ضرورة "عدم التقليل من اهمية" تبعات نتيجة الاستفتاء.

الأسواق لم تصب بالذعر

من جهتها قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاجارد إن الأسواق المالية "قللت بشكل كبير من تقدير" نتيجة تصويت بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي ولكن لم يتملكها الذعر. وأضافت لاجارد خلال منتدى في ولاية كولورادو الأمريكية يوم الأحد أن محافظى البنوك المركزية "أدوا مهمتهم" من خلال ضمان توافر سيولة كبيرة كما عمل صناع السياسة على طمأنة المتعاملين في الأسواق على أن "الوضع تحت السيطرة. وكان تحت السيطرة."

وأضافت لاجارد "حدث تحرك كبير وعنيف وصاخب وفوري حيث هبط الجنيه الإسترليني عشرة في المئة. "ولكن لم يكن هناك ذعر وأدى محافظو البنوك المركزية مهمتهم التي كانوا على استعداد للقيام بها في حالة الضرورة وهي ضخ قدر كبير من السيولة في الأسواق." وقالت إنه لم تحدث مشكلات سيولة في الأسواق مثل تلك التي حدثت في 2008 خلال أسوأ جزء من الأزمة المالية بحسب رويترز. ولكن لاجارد قالت إن طريقة رد فعل الأسواق تعتمد على الخطوات التي يتخذها صناع السياسة في بريطانيا والاتحاد الأوروبي للتعامل مع خطوة الانفصال والحد من الغموض.

خفض الضرائب على الشركات

من جهته يعتزم وزير المالية البريطاني جورج اوزبورن خفض الضرائب على الشركات بشكل كبير، سعيا لامتصاص صدمة خروج البلد من الاتحاد الاوروبي، وما يواكب ذلك من مخاطر حصول تباطؤ اقتصادي وصولا الى الانكماش. وحذر اوزبورن في مقابلة اجرتها معه صحيفة "فاينانشل تايمز" بان بريطانيا تحتاج من اجل مواجهة صعوبات الخروج من الاتحاد الاوروبي الى "اقتصاد فائق التنافسية"، وافضل وسيلة لتحقيق ذلك بنظره هي خفض الضرائب على الشركات.

وتؤكد صحيفة اوساط الاعمال ان الوزير يريد خفض الضرائب الى ما دون عتبة 15%، وهو ما اكدته وزارة المالية لوكالة فرانس برس. وكان من المتوقع بالاساس خفض هذه الضريبة البالغة حاليا 20%، الى 17% بحلول 2020، لكن اوزبورن يعتزم المضي ابعد ليثبت ان بلاده تبقى "مفتوحة امام الشركات". وبدا وزير المالية المناصر بشدة للبقاء في الاتحاد الاوروبي، تحت وقع الصدمة عند اعلان فوز انصار الخروج في استفتاء 23 حزيران/يونيو.

وكان اوزبورن شدد قبل الاستفتاء على انعكاسات الخروج من الكتلة الاوروبية على الاقتصاد البريطاني الذي يسجل منذ عامين نموا مريحا، ملوحا باحتمال حصول انكماش. وحذر الاسبوع الماضي بان الحكومة المقبلة ستضطر الى تشديد سياسة التقشف، قبل ان يعلن لاحقا انه لن يكون بالامكان تسجيل الفائض في الميزانية المتوقع للعام 2020 بحسب فرانس برس.

وراى مدير مركز الابحاث للاقتصاد والاعمال سكوت كورف ان خفض الضرائب على الشركات يمكن ان يساعد بريطانيا على تصحيح الانطباع السلبي الذي تركه قرار الخروج في اوساط الاعمال. وقال "مع ورود بوادر تفيد بان الاقتصاد قد يسجل تباطؤا حادا، هذا هو الوقت المناسب لتطبيق تدابير لدعم الميزانية من اجل طمأنة الشركات بان بريطانيا تبقى بلدا جذابا للاعمال".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0