منذ بدء العملية العسكرية التي تشنها تركيا بالتعاون مع فصائل المعارضة في شمال شرق سوريا، ضد وحدات حماية الشعب الكردي، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، والتي تعتبرها انقرة جماعةً إرهابية على صلة بحزب العمال الكردستاني الذي ظل يحارب تركيا على مدار أربعة عقود تقريبًا دفاعًا عن حقوق الأكراد، بات الاقتصاد التركي الذي يعاني اصلا من مشكلات مختلفة منها ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار قيمة العملة، وتنامي مستويات الديون، امام ازمة جديدة، أثارت مخاوف وقلق الكثير، خصوصا مع التهديدات الاخيرة التي اطلقها الرئيس الأميركي ترامب بتدمير اقتصاد تركيا على خلفية غزوها لسوريا.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذر من "عقوبات كبيرة في الطريق على تركيا" بعدما هدد "بمحو" اقتصادها إذا مضى هجوم أنقرة على القوات التي يقودها الأكراد في سوريا لأبعد مما ينبغي. واتفقت الحكومات الأوروبية أيضا على تقليص صادرات الأسلحة إلى تركيا، لكن دون إعلان حظر رسمي من الاتحاد الأوروبي. وهو ما تسبب بهبوط قيمة الليرة التركية التي فقدت الكثير من قيمتها مقابل الدولار، لتصبح وكما نقلت بعض المصادر الأسوأ أداء بين العملات الرئيسية خلال أكتوبر/تشرين الأول في ضوء ارتفاع معظم عملات الأسواق الناشئة.

وتظهر العملة التركية حساسية مفرطة تجاه الأزمات الخارجية، إذ سبق أن انتكس سعر صرف الليرة في توترات سابقة تعلقت بأزمة أنقرة مع موسكو على خلفية إسقاط المقاتلات التركية طائرة سوخوي الروسية عام 2014. ومنذ ذلك الحين، سجل سعر صرف الليرة انهيارات كبيرة في خمس مناسبات، ارتبط أغلبها بالخلاف مع واشنطن في عدد من القضايا أهمها اعتقال القس الأميركي برونسون، والرفض التركي اللافت للاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويأتي هذا الهبوط في ذروة أزمة العملة وتضخم الديون في البلاد، مما أثار مخاوف مالية جديدة تؤثر سلبا على حدوث انتعاش اقتصادي بعد عام من الانكماش. وبالمحصلة، فإن المجازفة التركية الجديدة في سوريا ضد الأكراد تعني أن البلاد ربما ستواجه فترة طويلة من الألم الاقتصادي.

وقبل التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا بسبب هجومها على شمال شرق سوريا، كانت واشنطن قد هددت باستهداف الصناعة الدفاعية في تركيا، لاختيارها نظام الدفاع الصاروخي الروسي "إس 400". وذكر موقع "ستراتفورد" في تقييم سابق أن الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ إلى خيارات انتقامية من شأنها أن تضر الاقتصاد التركي، سواء باستخدام أحكام قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، أو استبعاد تركيا من برنامج المقاتلة "إف 35" عالية التقنية.

وأضاف أنه بينما تدرك تركيا جيدا العواقب الاقتصادية المترتبة على اختيارها، فإن الاعتبارات السياسية المحلية تدفع أنقرة إلى تجاوز الاقتصاد واختيار النظام الروسي، رغم هبوط اقتصاد البلاد إلى مرحلة الركود خلال الربع الأخير من 2018، في حين تباطأ النمو أيضا في النصف الثاني من العام الماضي. ولفت الموقع إلى أن السنوات الخمسة المقبلة ـ حتى الانتخابات المقررة في عام 2023ـ تشكل أيضا جزء من حسابات أنقرة فيما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية، إذ يعتقد أردوغان أن لديه الوقت لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات تتسبب في فرار المستثمرين الأجانب، أو مزيد من الانخفاض في قيمة الليرة.

وحتى بدون التهديد بالعقوبات الأمريكية، ذكر الموقع أن الاقتصاد التركي مر بصعوبات تنبع خاصة من المبالغ الهائلة لديون الشركات، فضلا عن التضخم الشديد الذي يعاني منه الاقتصاد وسوء أداء العملة. وفي تقييم منشور بتاريخ 4 فبراير 2019، ذكر الموقع أن الولايات المتحدة في وضع يمكنها من الإضرار بالاقتصاد التركي جزئيا بسبب الهشاشة الاقتصادية للأخيرة، فالشركات التركية مثقلة بمديونية عالية، يبلغ مجموعها حوالي 200 مليار دولار يتعين عليها سدادها في عام 2019، ومعظم هذا الدين مقوم بالدولار واليورو، ما يعني أن الشركات ستكافح لتسديدها إذا ظلت الليرة ضعيفة. كما أن البلاد تعاني أيضا من ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض الاستهلاك، وقلة ثقة المستثمرين الناجمة جزئيا عن التصور بأن البلاد تفتقر إلى سيادة القانون.

تداعيات التوغل داخل سوريا

وفي هذا الشأن قد يكون تعافي تركيا من الركود أحدث ضحايا توغل جيشها في سوريا، وذلك بعد أن هددت قيادات بالكونجرس الأمريكي بعقوبات قد تضر بالليرة وتعزز حدة عدم ثقة تركيا في الحلفاء الغربيين. وبلغت العملة التركية، التي عانت من أزمة قبل عام لأسباب منها عقوبات ورسوم جمركية أمريكية، أدنى مستوياتها في حوالي أربعة أشهر بعد انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا وأمرت أنقرة بشن هجمات ضد القوات الكردية هناك.

وكانت الليرة قد استقرت في الأشهر الأخيرة وتراجع التضخم، في مؤشر على أن الاقتصاد التركي الذي يبلغ حجمه 766 مليار دولار، وهو الأكبر في الشرق الأوسط، ابتعد عن أسوأ تراجع له في ما يقرب من عشرين عاما. وخفض البنك المركزي أسعار الفائدة منذ يوليو تموز لتنشيط الإقراض. لكن تراجعت توقعات السوق بمزيد من تيسير السياسة النقدية في ظل قلق المستثمرين من أن تداعيات الصراع قد ترجئ التعافي. وتتضمن المخاطر ارتفاع العجز وتكاليف الاقتراض وتباطؤ السياحة إذا انخرط الجيش التركي في العملية لفترة طويلة.

لكن التهديد الأكبر، وهو التهديد الذي يقول المستثمرون إن الأصول التركية لا تضعه في الحسبان، هو إصرار جديد لدى كبار الجمهوريين في الولايات المتحدة على معاقبة تركيا لمهاجمتها أكراد سوريا، وهم من حلفاء واشنطن الرئيسيين في حربها ضد تنظيم داعش. وانضم السناتور الجمهوري لينزي جراهام، وهو عادة من المدافعين بقوة عن الرئيس دونالد ترامب، إلى سناتور آخر ديمقراطي في الكشف عن إطار عمل لعقوبات، مع تمسكه بانتقاد قرار الرئيس سحب القوات الأمريكية.

وسيستهدف اقتراح جراهام أصول مملوكة للرئيس رجب طيب أردوغان ومسؤولين كبار آخرين، وفرض قيود على إصدار تأشيرات السفر، وعقوبات على أي أحد نفذ تعاملات عسكرية مع تركيا أو دعم إنتاج الطاقة. وأيضا قد تواجه تركيا عقوبات أوسع نطاقا بموجب خطة جراهام في ضوء قيامها بشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400 هذا العام رغم اعتراضات واشنطن القوية.

وقال أولريش لويختمان رئيس أبحاث العملات لدى كومرتس بنك في فرانكفورت إن مزيدا من العقوبات ”سيغير الصورة الاقتصادية لتركيا تماما وسيكون علينا أن نضع في الحسبان احتمالية ركود جديد في ظل وضع الاقتصاد فيه هش بعد أزمة 2018“. ولم يتضح ما إذا كان الكونجرس سيدعم عقوبات جراهام أو ما إذا كانت ستحصل على أغلبية تصويت ثلثي الأعضاء اللازمة للتغلب على أي معارضة من ترامب الذي تجمعه بأردوغان علاقة عمل جيدة وتحدث معه قبل سحب القوات الأمريكية.

ولم يتضح أيضا ما إذا كان ترامب سيدعم العقوبات بعد أن قال إن الولايات المتحدة ”ستمحو“ اقتصاد تركيا إذا فعلت أي شيء ”خارج الحدود“ في سوريا دون أن يحدد ماذا يعني. وأضاف لويختمان ”كلما زاد الضغط السياسي، كلما زادت احتمالات ميل ترامب إلى الإقرار بأن التصرف التركي قد يكون خارج الحدود“. وخلال خلاف العام الماضي، فرض ترامب عقوبات محدودة ورفع الرسوم الجمركية على بعض الواردات التركية للضغط على تركيا لإطلاق سراح أندرو برانسون، وهو قس أمريكي تم اعتقاله هناك على خلفية تهم تتعلق بالإرهاب، والذي تم إطلاق سراحه في وقت لاحق.

وتراجعت الليرة، التي فقدت ثلاثين بالمئة من قيمتها العام الماضي، بأكثر من ثلاثة بالمئة مقابل الدولار. وقال متعاملون إنه من غير الواضح إلى أي مدى كانت العملة التركية ستنزل أكثر إذا لم تكن البنوك الحكومية تدخلت لبيع الدولارات وتخفيف الصدمة. وفي ضوء اعتماد تركيا على الاستثمارات الأجنبية، تحدد العملة الأسعار بشكل كبير، وهو ما يحدد بالتبعية السياسة النقدية. وقال مستثمرون إن أي تحرك لليرة فوق مستوى ست ليرات للدولار قد يشير لتوقعات بأن العقوبات ستكون مؤثرة على الأرجح. بحسب رويترز.

ويتنبأ متعاملون في سوق النقد حاليا بأن البنك المركزي سيخفض أسعار الفائدة إلى 15 بالمئة بنهاية العام، من 16.5 في الوقت الحالي، بدلا من 13.5 بالمئة كما كانوا يتوقعون. وقال أربعة متعاملين إنه من المتوقع خفض أسعار الفائدة بما يتراوح بين خمسين و75 نقطة في وقت لاحق. وبعد حرب لثماني سنوات في سوريا المجاورة، اتفقت أنقرة وحليفتها واشنطن على إقامة منطقة آمنة بطول 480 كيلومترا على امتداد الحدود، لكن تركيا حذرت مرارا من التحرك بشكل منفرد إذا لم ترق الجهود المشتركة إلى التوقعات.

مخاطر خارجية ومحلية

الى جانب ذلك قال صندوق النقد الدولي إن تركيا لا تزال عرضة لمخاطر خارجية ومحلية، مضيفا أنه سيكون من الصعب تحقيق نمو قوي ومستدام إذا لم تنفذ الحكومة المزيد من الإصلاحات. وأضاف صندوق النقد في بيان، بعد زيارة فريق من خبراء الصندوق إلى تركيا، ”الهدوء الحالي (في أسواق المال التركية) يبدو هشا. لا تزال الاحتياطيات منخفضة في حين لا يزال الدين الأجنبي للقطاع الخاص واحتياجات التمويل الخارجي مرتفعين“.

ويتمثل التحدي الرئيسي فيما يتعلق بالسياسات في تحويل التركيز من النمو القصير الأجل إلى نمو أقوى وأكثر مرونة في الأجل المتوسط. وتجاوز متوسط النمو السنوي للاقتصاد التركي خمسة بالمئة على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية لكن التضخم وأسعار الفائدة قفزا بعدما فقدت الليرة 30 في المئة من قيمتها العام الماضي، كما هبط الطلب المحلي بشدة مما دفع الاقتصاد نحو الركود.

وانكمش الاقتصاد التركي 1.5 في المئة في الربع الثاني من العام الحالي، هو ثالث انكماش فصلي على التوالي على أساس سنوي، غير أن المؤشرات الاقتصادية القيادية أظهرت إشارات إلى التعافي مع انخفاض وتيرة تقلبات الليرة وتباطؤ التضخم. وقال صندوق النقد الدولي إن المزيد من الخطوات لضبط الميزانيات العمومية للبنوك والشركات من شأنها أن تدعم الاستقرار المالي وأن تعزز نموا أكثر مرونة في الأجل المتوسط. بحسب رويترز.

وطلبت الهيئة التركية المنظمة للقطاع المصرفي من البنوك شطب قروض بقيمة 46 مليار ليرة بحلول نهاية العام الحالي وتخصيص احتياطيات لتغطية الخسائر في خطوة تستهدف في معظمها قطاعي الطاقة والتشييد للذين تعرضا للضرر الأكبر. وقال صندوق النقد في بيان آخر أنه التقى مع ممثلين للقطاع الخاص وأحزاب سياسية ومراكز بحثية حتى يتمكن من الحصول على رأي أوسع بشأن عن التطورات الاقتصادية في تركيا. وانتقدت وزارة المالية التركية اجتماعات وفد صندوق النقد الدولي التي قالت إنها عقدت بدون إخطار. وأضافت أن‭‭‭ ‬‬‬من غير المناسب أن يعقد الصندوق اجتماعات أخرى في تركيا دون علم الوزارة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0