يعاني لبنان من أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت حدتها بشكل كبير في السنوات الاخيرة، بسبب تفاقم الخلافات والصراعات الحزبية والطائفية، التي اسهمت بانهيار اقتصاد هذا البلد الذي يرزح اليوم تحت وطأة أحد أثقل أعباء الدين العام في العالم عند 150 في المئة وتدني معدل النمو وتداعي البنية التحتية، وقال فريق من صندوق النقد الدولي في وقت سابق، إن العجز المتوقع في موازنة لبنان لعام 2019 من المرجح أن يتجاوز بكثير المستوى الذي تستهدفه الحكومة البالغ 7.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتحركت الحكومة اللبنانية في الأشهر الأخيرة لتنفيذ إصلاحات جديدة في مسعى لوضع ماليتها العامة على مسار مستدام وتجنب أزمة.

وأثار الرئيس اللبناني ميشيل عون ايضا احتمال اضطرار لبنان إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة إذا لم تثمر جهود الإصلاح التي تبذلها الحكومة لتحسين المالية العامة للدولة بالقدر الكافي. وزادت الحاجة لتطبيق إصلاحات تأجلت لمدة طويلة، وذلك في ظل تباطؤ الودائع في القطاع المصرفي وهي مصدر مهم لتمويل الدولة. واعتمدت الحكومة اللبنانية موازنة لعام 2019 تهدف لخفض العجز كنسبة مئوية من الناتج المحلي.

وشملت الميزانية إجراءات مثل تجميد التعيين الحكومي لمدة ثلاثة أعوام. لكن تم رفض أفكار أصعب مثل خفض رواتب العاملين في القطاع العام. ويقول منتقدون للحكومة إنها تجاهلت المشكلة الرئيسية وهي الفساد. وتشمل إجراءات خفض العجز الرئيسية زيادة الضرائب على فائدة الودائع المصرفية والسندات الحكومية وضريبة جديدة على الواردات وخطة لخفض تكاليف خدمة الدين.

وقال وزير المالية اللبناني علي حسن خليل إن النمو الاقتصاد اللبناني يبلغ صفرا إن لم يكن سلبيا، مما يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان المركزي. وأضاف خليل ”النمو عاد إلى الصفر إن لم يكن سلبيا، وهذا ما زاد الضغط على مصرف لبنان بتأمين العملات الصعبة، فضلا عن أن تراكم العجز أثر على الاستهلاك وزاد من الركود الاقتصادي“. وذكر الوزير في مؤتمر صحفي أن تكلفة خدمة الدين ارتفعت أيضا مع زيادة أسعار الفائدة.

شح في الدولارات

وفي هذا الشأن تصطف سيارات لملء خزاناتها بالبنزين، لكن عاملا في محطة للوقود في بيروت يلوح لقائديها مشيرا إلى لافتة مكتوب عليها ”إضراب“ وهو يصيح قائلا ”لا وقود اليوم“. ولم يكن الإضراب، الذي شاركت فيه محطات البنزين في أنحاء البلاد، يتعلق بالوقود لكن بالدولارات اللازمة لدفع ثمن الوقود، أو بالأحرى شح في الدولارات. وقال فادي أبو شقرة المتحدث بإسم موزعي الوقود، والذي قاد الإضراب هذا الأسبوع ”لا نريد افتعال أزمة... القطاع ينزف“. وأضاف قائلا ”يدفع لنا الزبائن بالليرة اللبنانية، لكننا نريد الدولارات لندفع للمستوردين. من أين نحصل على الدولارات إذا كانت البنوك لا تعطينا“.

وأدى ركود الاقتصاد المحلي وتباطؤ اللبنانيين بالخارج في ضخ الدولارات إلى تراجع احتياطيات مصرف لبنان (البنك المركزي) من النقد الأجنبي، وهو ما جعل من الصعب على الشركات شراء الدولارات الذي تحتاجها من البنوك. ويقول البعض إنهم اضطروا للذهاب إلى مكاتب الصرافة التي تبيع بسعر أعلى من السعر الرسمي البالغ 1507.5 ليرة مقابل الدولار. ولم يشهد لبنان مثل تلك الصعوبات المالية منذ الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد من 1975 إلى 1990. وأثار الضغط المطرد مخاوف بشأن استقرار لبنان، حيث توجد توترات سياسية محلية وإقليمية، لم تكن أبدا بعيدة عن السطح، إضافة إلى نحو مليون لاجئ سوري تستضيفهم البلاد.

ولا تزال البنوك في لبنان تبيع الدولارات بسعر الصرف الرسمي، لكن أصحاب بعض الشركات يقولون إنهم لا يستطيعون الحصول على كميات الدولارات التي يحتاجونها. ويثقل كاهل لبنان دين عام من أعلى المعدلات في العالم وأعلنت الحكومة حالة طوارئ اقتصادية في محاولة للسيطرة على ماليتها العامة. وقال وزير المالية علي حسن خليل” الوضع الاقتصادي صعب لكننا لسنا دولة منهارة على المستوى المالي. ”نعم، لا يوجد الكثير من السيولة في العملات الأجنبية في أيدي الناس في السوق، ولكن لا يزال سعر صرف الدولار ثابتا في البنوك“.

وقال اتحاد المصارف اللبنانية إن البنوك تلبي طلبات النقد الأجنبي والدولارات متاحة. وقال مصرف لبنان المركزي إن البنوك بمقدورها الاستفادة من إمداداتها الدولارية لتلبية طلبات العملاء. وقال رياض سلامة حاكم مصرف لبنان ”عندما يكون لديها (البنوك) نقص فإنها تشتري (الدولارات) من البنك المركزي“. ورغم ذلك، قال ثلاثة مصرفيين إن هناك حدا أقصى للدولارات التي يستطيعون بيعها مقابل الليرة. وقال مصرفي بارز، طلب عدم الكشف عن هويته حتى يتحدث بحرية، ”يعطي البنك المركزي حصة يومية من الدولارات لكل بنك لكن الناس يطلبون من البنوك دولارات تزيد عن تلك الحصص“.

ولم يرد مصرف لبنان المركزي على طلب للتعقيب. وقال المصرفي ”إنها المرة الأولي في تاريخ القطاع المصرفي اللبناني التي لا يتم فيها تلبية الطلب على الدولارات في السوق بهذه الطريقة“. وقالت المصادر المصرفية إنه لا توجد مشكلة في السحب من حسابات الودائع بالدولار أو الليرة. وقالت مصرفية، طلبت عدم الكشف عن هويتها لأنها ليست مخولة بالحديث علانية في المسألة، ”ليست المشكلة في شح الدولارات، وإنما في الطلب المرتفع“.

وقالت سبع شركات استيراد إنهم يجدون صعوبة أو مزيدا من التكلفة في الحصول على الدولارات. وطلبوا عدم الكشف عن أسمائهم خشية تضرر أنشطة أعمالهم جراء الحديث علانية. وقال مستورد جلود إن البنوك تستغرق أياما لتحويل الشيكات بالليرة إلى دولارات، ”وفي بعض الأحيان يقولون لنا آسفين، لا نستطيع تغييرها“. والليرة اللبنانية مربوطة عند مستواها الحالي مقابل الدولار الأمريكي منذ أكثر من عقدين، وتعهدت الحكومة بالإبقاء عليها كما هي، فهي تريد تجنب خفض لقيمة العملة قد يلحق ضررا بمدخرات الناس والقدرة على الإنفاق.

وقام سلامة، الذي يشغل منصب حاكم مصرف لبنان منذ نحو ربع قرن، يتعزيز الاحتياطيات منذ عام 2016 من خلال سلسلة من الإجراءات، من بينها اجتذاب تدفقات بأسعار فائدة مرتفعة على الودائع الكبيرة الطويلة الأجل. لكن ذلك امتص سيولة من البنوك. ووسط نمو اقتصادي متدن وعدم استقرار سياسي، تباطأت المصادر التقليدية للنقد الأجنبي ومن بينها السياحة والعقارات وتحويلات اللبنانيين المقيمين في الخارج.

وهبطت الاحتياطيات الأجنبية للمصرف المركزي، بما في ذلك الذهب، حوالي 15 في المئة من أعلى مستوى لها على الإطلاق الذي سجلته في مايو أيار من العام الماضي، إلى 38.7 مليار دولار في منتصف سبتمبر أيلول. وقال البنك المركزي إنه تلقى 1.4 مليار دولار في أواخر أغسطس آب من مودعين من القطاع الخاص. وفي انعكاس لضغوط متزايدة على المالية العامة للبنان، خفضت وكالة فيتش مؤخرا تصنيفها للدين السيادي للبلاد إلى عالي المخاطر، بينما أبقت ستاندرد آند بورز جلوبال تصنيفها الإئتماني عند ‭‭‭B-/B‬‬‬، لكنها حذرت من احتمال خفضه، قائلة إنها تعتبر أن احتياطيات النقد الأجنبي كافية لخدمة دين الحكومة ”في الأجل القصير“.

وقال وزير المالية علي حسن خليل إن لبنان ملتزم بسداد جميع ديونه بجميع العملات. وأضاف قائلا ”لبنان ملتزم بسداد التزاماته وهو يقوم بذلك بالعملات كافة، ولم نتأخر يوما عن أداء التزاماتنا ولو ساعة واحدة“. وفي العام الماضي، تعهدت دول أجنبية ومانحون بتقديم 11 مليار دولار لبرنامج للاستثمار في البنية التحتية اللبنانية مدته 12 عاما، بشرط أن تنفذ الحكومة إصلاحات.

وقالت ذهبية جوبتا المحللة المختصة بشؤون لبنان لدى ستاندرد آند بورز ”ربط العملة ربما يصبح على المحك إذا لم نر التزاما سياسيا قويا وتنفيذا للإصلاحات التي أُعلن عنها والتي قد يجري دعمها بصرف بعض أموال المانحين“. والدولار والليرة عملتان متداولتان بشكل قانوني في لبنان، وهو مستورد صاف للسلع مع حاجة دائمة للدولارات لتمويل العجز التجاري والحكومي. ومع زيادة الطلب على الدولار ترفع بعض شركات الصرافة المبلغ المطلوب من الليرة اللبنانية مقابل الدولار بشكل أعلى من هوامش الربح المحددة من مصرف لبنان المركزي. بحسب رويترز.

وقال مالك شركة لبنانية للملابس إنه توقف عن استيراد خامات هذا الصيف ويعتمد الآن على مصادر إمداد محلية، ملقيا باللوم على ضعف الطلب وقلة تحويل العملة المحلية إلى الدولار في البنوك لتلبية الحاجة إلى العملة الصعبة. وقال مستورد مشروبات كحولية ”أصبح الحصول على الدولارات عملية صعبة حاليا. البنك مُصر على عدم تغيير العملة إلى دولارات. علينا أن نذهب إلى مكتب للصرافة“. وأضاف أن شركته، التي تستورد منتجات بنحو عشرة ملايين دولار سنويا، لم تخفض حتى الآن الواردات.

ميزانية 2020

الى جانب ذلك قال وزير المال اللبناني علي حسن خليل إن مسودة ميزانية لبنان للعام 2020، التي قُدمت إلى الحكومة لمناقشتها، تتضمن توقعات بعجز أقل من العجز المتوقع في ميزانية 2019. وأضاف أنه رغم ارتفاع تكلفة خدمة الدين إلا أن الحكومة تمكنت من الحفاظ على نسبة منخفضة للعجز قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من زيادة في الدين العام وتراجع النمو إلى نحو الصفر.

ويتعرض لبنان لضغوط للموافقة هذا العام على ميزانية الدولة للعام 2020، لتعزيز ثقة المستثمرين والمانحين الدوليين، الذين تعهدوا العام الماضي بتمويل قيمته 11 مليار دولار لمشروعات في البنية التحتية شريطة إجراء إصلاحات في المالية العامة وإصلاحات أخرى. وتمت الموافقة على ميزانية 2019 بعد مرور نصف العام تقريبا. وظل لبنان بدون ميزانية على مدار 12 عاما حتى 2017.

وقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إن حكومته تهدف لخفض عجز الميزانية إلى سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام القادم في إطار إصلاحات لضبط أوضاع المالية العامة وكبح الدين العام. وذكر الحريري أن لبنان يريد أيضا الإبقاء على عملته المحلية مربوطة بالدولار، وهو ما يشكل عنصرا حيويا للمضي قدما في الإصلاحات التي تعثرت لفترة طويلة. وحذرت ستاندرد آند بورز جلوبال من أن لبنان يواجه خفضا جديدا للتصنيف الائتماني واختبارا محتملا لربط عملته إذا تسارعت وتيرة استنزاف احتياطياته المحدودة من النقد الأجنبي.

وقال الحريري إن التحدي يكمن في منع عبء الدين العام اللبناني من التفاقم أكثر من ذلك. وأضاف ”استراتيجيتنا هي العمل على تثبيت المشكلة التي نواجهها (على الوضع الحالي). فأهم شيء هو عدم تفاقم المشكلة، أليس كذلك؟“ وبعد أن عانى لبنان لسنوات من انخفاض النمو الاقتصادي، تبدو الحاجة إلى الإصلاحات التي توقفت لفترة طويلة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لوضع المالية العامة للدولة على مسار مستدام.

وأعلن لبنان حالة طوارئ اقتصادية وقال الحريري إن الحكومة ستتخذ إجراءات عاجلة لتسريع إصلاحات اقتصادية بهدف معالجة أزمة اقتصادية آخذة في التفاقم. وقال الحريري إن تسريع وتيرة الإصلاحات من شأنه أن يساعد على تفادي سيناريو مشابه لذلك الذي واجهته اليونان عندما انزلقت في أزمة ديون قبل تسعة أعوام واضطرت إلى تبني إجراءات تقشفية صارمة تحت إشراف دقيق من الدائنين الدوليين.

وأضاف الحريري أن الإجراءات المقترحة تشمل عدم الخروج على ميزانية العام الحالي التي تتضمن خطوات صعبة سياسيا مثل تجميد التعيينات الحكومية والاستغناء عن وحدات تثقل كاهل الخزانة العامة وطرح شركات مملوكة للدولة للاكتتاب العام. وتابع أن الحكومة تستهدف منع عجز الميزنية من تجاوز الخمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية خطة مالية مدتها ثلاث سنوات تنتهي في 2022. بحسب رويترز.

وتجنب الحريري الإجابة على سؤال عن إمكانية زيادة الضرائب، قائلا إن أي خطوات تدرسها الحكومة لتعزيز الإيرادات ستأخذ في الحسبان عدم زيادة الأعباء. وقال اقتصاديون وسياسيون إن نسب العجز الكبيرة في الموازنات على مدى الأعوام الماضية ترجع في الأساس إلى الهدر والفساد والسياسات الطائفية، ويحذر القادة اللبنانيون من أزمة مالية ما لم تجر تغييرات. وتنامى الدافع لتطبيق إصلاحات في ظل تباطؤ نمو الودائع بالقطاع المصرفي اللبناني، وهو مصدر حيوي لتمويل الدولة.

هل ينهار الاقتصاد اللبناني؟

بعد أربع سنوات من بطء عجلة النمو الاقتصادي في لبنان، بحيث تراجع النمو في الناتج المحلي من تسعة في المئة إلى اثنين في المئة، يواجه الاقتصاد اللبناني، مرة أخرى، تراجعاً حاداً تعود أسبابه إلى فشل الحكومة اللبنانية في الحفاظ على اقتصاد متوازن، مع توقعات في بلوغ أعداد النازحين السوريين المسجّلين مليون ونصف المليون في نهاية العام 2014، بالإضافة إلى عوامل مثل، تدهور الاقتصاد العالمي، وحالة من اللااستقرار الإقليمي، وانعدام الأمن الوطني، وهشاشة مؤسسات الدولة.

ولم تعد البنى التحتية للبنان قادرة على تحمّل الأعداد المتزايدة من النازحين السوريين التي فرضت تغيّرات جذرية في الأسواق المحلية، وخصوصاً في المجتمعات الفقيرة، على الرغم من التأثير الإيجابي "المحدود" لهؤلاء على دورة الاقتصاد اليومية من خلال تدفّق الأموال.

ويُسهم العجز الاقتصادي الكبير للدولة، جنباً إلى جنب مع ارتفاع نفقات الحكومة لتأمين الموارد للنازحين، في ارتفاع الدين العام إلى مستويات لا يمكن تحمّلها، وبالتالي زيادة الخطر على سيادة البلد وأمنه الاقتصادي والاجتماعي.

وحتى في ظلّ تسهيلات المصرف المركزي والقطاع المصرفي الخاصّ، الذين يعتبران أقوى القطاعات الدائنة في لبنان وأكثرها مرونة، يشهد لبنان تردّياً في الاستثمارات العامّة والخاصّة بسبب نقص الموارد المالية، بحيث باتت احتمالات إيجاد فرص عمل أصعب بكثير من ذي قبل.

وبما أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل أساسي على الخدمات، فإن لبنان معرّض لهذه الأزمات. فتضاعفت البطالة إلى أكثر من 20 في المئة، وساهم التدفّق المتزايد للنازحين في ارتفاع نسبة اليد العاملة الرخيصة وتراجع الأجور.

وتتناقص احتياطات المصرف المركزي بشكل كبير، بسبب الإجراءات التي يجب اعتمادها لتعزيز الاقتصاد. وبما أن المصرف المركزي والمصارف الخاصّة هما اللذان يغطيان الدين العام القصير الأمد ، يزداد الضغط على الليرة اللبنانية، المدعومة من الدولار الأميركي. (وبما أن الدين العام اللبناني مؤلف من سندات قصيرة الأمد، يتزايد التخلّف في سداد الديون، وبالتالي يمنع الاقتصاد اللبناني من الاستفادة من احتياطات المصرف المركزي والمصارف الخاصّة).

أمام هذه التحديات، يشهد الاقتصاد اللبناني انكماشاً قوياً، ما أدى إلى إفلاس العديد من الشركات في القطاعات الرئيسية التي تعاني بشكل كبير من أزمة النازحين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1