بعد مرور أربعة أشهر على تشكيل الحكومة، لم تقم الدولة اللبنانية بأي خطوة جدّية توحي بأن المسؤولين على البلد جديّون بإستدراك الإنهيار المالي الذي يلوّح في الأفق، بالرغم من وجود خطوات كفيلة بتحصين القطاعين المالي والإقتصادي، فإلى جانب ملف مكافحة الفساد، الذي يسير وفق إيقاع بطيء، تواجه الحكومة اللبنانية تحديات اقتصادية ومالية، يتصدرها ملفان: معالجة ازمة الكهرباء، وإقرار موازنة 2019.

إذ تُعتبر معالجة هذين الملفين شرطا اساسيا لتنفيذ مقررات مؤتمر سيدر الذي بات بمنزلة خشبة الخلاص الوحيدة لإبعاد لبنان عن خطر الإفلاس، وكما بات معلوما، فإن تسييل قروض «سيدر» يشترط إقرار موازنة تقشفية تثبت بالأرقام خفض العجز بنسبة %5 على خمس سنوات؛ أي بمعدل %1 سنوياً، ما يعني نحو 560 مليون دولار سنوياً، ومعالجة أزمة الكهرباء التي تستنزف الخزينة وتزيد أعباء الدين العام.

فيما أثارت "الإصلاحات الاقتصادية" التي طرحها رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، مخاوف واسعة في لبنان، خاصة بما يتعلق بتجميد الأجور وإجراءات التقشف، وتتضمن "إصلاحات الحريري"، عدة إجراءات تقشفية، أبرزها تجميد 15 بالمئة من أجور الموظفين والمتعاقدين ومعاشات المتقاعدين، لمدّة 3 سنوات، وتخفيض المخصصات الاجتماعية للعاملين في القطاع العام، ورفع الضريبة على الفوائد من 7 بالمئة إلى 10 بالمئة لثلاث سنوات، وفرض ضريبة على الأفراد بمعدل 25 بالمئة على شطر الدخل الذي يفوق 225 مليون ليرة (ما يعادل نحو 150 ألف دولار).

ومن جانبه يرى خبراء الاقتصاد إن الحكومة تسعى لتخفيض العجز من 11.5 بالمئة إلي 9.5 بالمئة، ولكن ما تم اقتراحه في الوثيقة المزعومة لن يحقق مستهدفات الحكومة، وفي ما يتعلق برفع الضريبة على الفوائد من 7 بالمئة إلى 10 بالمئة، وفقا لما جاء في الوثيقة، يرى الخبراء أنه سيؤدي إلى انخفاض كبير في حجم الودائع، وتحجيم القطاع المصرفي في لبنان، لافتا إلى أن غالبية التحويلات ستكون لمصارف لبنانية لها فروع في الخارج في بلدان مستقرة.

وفي وقت سابق، توقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع مديونية لبنان لتصل إلى 180 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2023، بينما يصل الرقم حاليا إلى 150 في المئة، ودعا الصندوق إلى وضع خطة للضبط المالي تحافظ على إطار السياسة الاقتصادية التي تقوم على سعر صرف ثابت تدعمه تدفقات الودائع الداخلة الكبيرة، من خلال زيادة معدلات ضريبة القيمة المضافة، وإعادة رسوم البنزين وضرائب المحروقات إلى مستوياتها السائدة قبل عام 2012، والإلغاء التدريجي لدعم الكهرباء.

بينما يرى خبراء اخرون ان السعي الحثيث إلى تخفيض العجز في الموازنة المقبلة إلى حدود التسعة في المائة استجابة لشروط مؤتمر «سيدر» سيدفع ثمنها موظفو القطاع العام الذين تجري محاولات حثيثة لحرمانهم من حقوق مكتسبة. يضاف إلى الموظفين جمع كبير من العاملين في القطاع الخاص سيشعرون بضراوة سياسة التقشف التي تبحث الحكومة في كيفية فرضها، ناهيك عن جملة من الإجراءات البهلوانية المالية (تسمى «هندسة» تجاوزاً وافتراءً) التي يؤجل «مصرف لبنان» عبرها قدراً محتوماً.

بينما التقشف، وسيلة الحكومات الكسولة والمعدومة الخيال في الهرب من أزمات عادة ما تكون صانعتها، ثبتت ضآلة مردوده في تجارب آخرها الأزمة المالية التي عصفت بالاتحاد الأوروبي قبل عقد من الزمن وانعكست انهياراً اقتصادياً في اليونان وشبه انهيار في إسبانيا وإيطاليا وغيرهما. أفضى التقشف إلى نتائج سياسية ضخمة منها صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي روّجت لفشل السياسات الاقتصادية التقليدية ودمجت الأزمة المالية والبطالة مع العداء للأجانب. الاستثناء اليوناني الذي جاء بحزب «سيريزا» اليساري غير قابل للتكرار في لبنان.

من هنا تبرز الحلول الآنية المطلوب تحقيقها فوراً، وهي:

- حلّ مشكلة الكهرباء عبر إقرار الخطّة الموضوعة ورفع التعرفة، مع استمرار الدعم حصراً للفئات المحدودة الدخل.

- رفع الإيرادات الضريبية عبر وقف التهريب عبر الحدود وعبر مكافحة التهرّب الضريبي، وخصوصاً عند الشركات والمهن الحرّة.

- خفض الفوائد على الدَّين العام، وخصوصاً على السندات الحكومية التي يحملها مصرف لبنان، كما على شهدات الإيداع التي يصدرها البنك المركزي.

- خفض كلفة القطاع العام، عبر وقف كلّ أشكال المنافع والعطاءات والتقديمات، ما عدا الراتب والتأمين الصحّي ونفقات الحماية الاجتماعية. وينبغي أيضاً وقف التوظيف لفترة تمتدُّ سنوات، والعمل جدّياً على إنقاذ صناديق التقاعد من انتفاخها وعجزها حماية للمتقاعدين.

- فتح باب المنافسة واسعاً أمام الشركات والتجّار والصناعيين والشركات الناشئة، وأخذ الإجراءات الكفيلة بتحرير السوق الداخلي.

بحسب المراقبين جاء وقت الحسم، ولم يعُد ينفع النقاش في أصل المشكلة أو من يجب أن يتحمّل كلفة التصحيح. فالمطلوب مساهمة الجميع ومشاركتهم، كلٌّ على قدر طاقته وإفادته من الوضع القائم. فإذا احتسبنا على سبيل المثال أن الحكومة اللبنانية قد تخلّت عن جميع موظّفيها وعسكرييها وديبلوماسييها وأجرائها، كما عن أداء واجباتها تجاه المتقاعدين، فهل ستكفي هذه الخطوة لخفض الدَّين ووقف العجز؟ حتماً لا! كذلك، إن قرّرت الدولة عدم الإيفاء بديونها، هل ستكفي هذه الخطوة لتحسين الوضع، أم أنها ستساهم بزيادة معدّلات الفقر والإفلاس وضمور الإنتاج؟ حتماً ستزيد من مشاكلنا!.

الحلّ يشمل الجميع إذاً، والمدخل هو خفض عجز الخزينة، تمهيداً لخفض العجز في الميزان التجاري وتحريراً لبعض رأس المال ليتوجّه إلى القطاعات الإنتاجية. لقد جاء زمن الخيارات الحاسمة، والوقت ضاق، ضاق كثيراً.

احتجاجات على التقشف

لم تعلن الحكومة اللبنانية عن موازنتها العامة لعام 2019 بعد، لكن المتظاهرين تحركوا في الشوارع بالفعل خشية الإصلاحات ”الصعبة والمؤلمة“ المتوقع أن تقرها الحكومة، فقد قام عدد من ضباط الجيش المتقاعدين بإغلاق الطرق بإطارات مشتعلة يوم الثلاثاء، في تحذير استباقي للحكومة من أي تخفيضات في معاشاتهم التقاعدية قد تأتي في إطار محاولتها لتخفيض واحد من أكبر أعباء الديون العامة في العالم.

وعلى الرغم من صغر حجم الاحتجاجات، إلا أنها قدمت لمحة عن حقل الألغام السياسي الذي يواجه الحكومة اللبنانية في سعيها للوفاء بوعود الإصلاحات الضرورية لوضع المالية العامة على مسار مستدام.

ويُنظر إلى الموازنة العامة على أنها اختبار حاسم لإرادة الحكومة في تنفيذ إصلاحات متوقفة منذ زمن طويل يصفها الاقتصاديون بأنها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى بالنسبة لاقتصاد عانى من تدني معدلات النمو لسنوات.

وقال خالد عمار أحد ضباط الجيش المتقاعدين الذين كانوا يغلقون الطريق السريع بجنوب بيروت يوم الثلاثاء ”عم يحاولوا يحملوا الموظف... مشاكل بلد كتير كبيرة، مشاكل سياسية مشاكل اقتصادية، ونحن نزلنا اليوم لنقول لهم إن معاشاتنا خط أحمر“، وعلى الرغم من أنه لم يتم وضع اللمسات الأخيرة على الموازنة بعد، إلا أن تكهنات خطط خفض فاتورة الأجور العامة الضخمة تزايدت منذ أن ألمح وزير الخارجية جبران باسيل إلى مثل هذه الخطوات، وكتب على تويتر ”هناك من يجب أن ينبه الناس اليوم إلى أن التخفيض المؤقت إذا لم يحصل فلن يبقى معاش لأحد، وأنا أقول للناس ألا يجوز النظر فقط إلى جيوبهم فهذا الأمر يجب أن يكون جزءا ضئيلا مما يجب تخفيضه في الدولة، وإذا كان يجب البدء بالوزراء والنواب فليكن“، وأشار المتظاهرون إلى أن التصدي للفساد يجب أن يكون أولوية الحكومة.

وقال عمار، وهو أب لثلاثة أبناء خدم في الجيش ثلاثة عقود ”إذا وصل وضع البلد الاقتصادي لهذه المرحلة الصعبة وكل هذه المشاكل، فلسنا نحن المسؤولين عنها. السياسيون هم المسؤولون عنها“، ويحذر الزعماء اللبنانيون من الأزمة الاقتصادية منذ فترة. وفي فبراير شباط، التزمت الحكومة الجديدة في بيان بإطلاق إصلاحات سريعة وفعالة قد تكون ”صعبة ومؤلمة“ لتفادي تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

كارثة وشيكة

 قال رئيس الوزراء اللبناني إن لبنان سيواجه كارثة إذا لم تقر الحكومة موازنة قد تكون الأكثر تقشفا في تاريخ البلاد، وحث على الوحدة الوطنية قائلا إن الجميع يجب أن يكونوا مستعدين لتقديم تضحيات إذا إقتضى الامر.

وتعكف حكومة الحريري هذه الأيام على وضع اللمسات الأخيرة على الموازنة العامة للدولة لعام 2019 والتي من المتوقع أن تفي بوعودها إجراء إصلاحات قد تكون ”صعبة ومؤلمة“ لتفادي تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

ويُنظر إلى الموازنة العامة على أنها اختبار حاسم لإرادة الحكومة في تنفيذ إصلاحات يقول اقتصاديون أنها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى بالنسبة لاقتصاد عانى من تدني معدلات النمو لسنوات. وتواجه المالية العامة للدولة أعباء الرواتب وخدمة الدين والدعم الضخم الذي يتم انفاقه على قطاع الطاقة.

وعلى مدى اليومين الاخيرين خرج عدد من المتظاهرين إلى الشوارع لتحذير الحكومة من تخفيض رواتب ومعاشات القطاع العام. وقام عدد من ضباط الجيش المتقاعدين بإغلاق الطرق بإطارات مشتعلة يوم الثلاثاء، في تحذير استباقي للحكومة من أي تخفيضات في معاشاتهم التقاعدية.

وقال الحريري للصحفيين بعد اجتماع البرلمان ”المطلوب منا كحكومة اليوم هو وضع موازنة قد تكون أكثر تقشفية في تاريخ لبنان.“ وقال اننا كحكومة ينبغي ان نكون ”صادقين“ مع الناس، أضاف الحريري قائلا ”انا لا اقول ان لبنان بوضع انهياري“ لكنه قال ”إذا أكملنا هكذا سنصل الى كارثة“. واشار الى ان لبنان، على العكس من دول أخرى عانت من أزمات مالية مثل اليونان، لن يجد من ينقذه، وتزايدت تكهنات خطط خفض فاتورة الأجور العامة الضخمة منذ أن لمح وزير الخارجية جبران باسيل إلى مثل هذه الخطوات، ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن الحريري قوله أمام البرلمان في وقت سابق يوم الاربعاء إنه يدعم المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات من الحكومة لكنه يريد أيضا حماية الليرة اللبنانية التي تم ربطها بمستواها الحالي مقابل الدولار لأكثر من عقدين.

وقال بعد الجلسة ”العسكري مستعد أن يضحي بدمه من أجل بلده فماذا لو كان انقاذ بلده يتطلب منه (و) كلنا ان نضحي قليلا. قد نصل الى هذه النقط ويمكن لا“، وأشار الى امكانية اتخاذ تدابير تقشفية قد تستمر بضع سنوات وبعدها ”ترجع الامور كما كانت عليه“، كما أشار الى تخفيضات للعديد من الحوافز التي يتمتع بها بعض العاملين في الدولة مثل العمل الإضافي والمفروشات والسيارات، وقال في تصريحاته للصحفيين ”لماذا يجب ان احمًل الشعب اللبناني كل هذه المصاريف؟“، وذكر الحريري متحدثا أمام البرلمان أنه بينما وعدت الحكومة، التي تشكلت في نهاية يناير كانون الثاني، بإصدار موازنة للعام 2019 خلال شهر أو شهرين، إلا أنها تحاول ”عدم المس بأحد“، وقال ”الأكيد أننا في وقت صعب“، ومن شأن الخطوات الجادة نحو الإصلاحات أن تساعد لبنان في الحصول على تمويل بقيمة نحو 11 مليار دولار تعهدت به المؤسسات المانحة والحكومات الأجنبية في مؤتمر باريس العام الماضي، وفي إطار جهودها الاصلاحية، وافقت الحكومة الأسبوع الماضي على خطة لإصلاح قطاع الكهرباء، الذي شكل عبئا كبيرا على الموارد المالية للدولة لسنوات. ووافق البرلمان على الخطة.

ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية "مؤلمة"

قال بيان لوزارة المالية اللبنانية إن مسؤولا بارزا من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير حث لبنان يوم الاثنين على ضرورة إجراء إصلاحات ”مؤلمة“، لا سيما تلك اللازمة لمواجهة أعباء الدين الضخمة وأخرى في قطاع الطاقة، لتفادي حدوث أزمة اقتصادية.

ونقل البيان عن يورجن ريجتريك نائب رئيس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير قوله بعد اجتماع مع وزير المالية علي حسن خليل ”الإصلاحات قد تكون مؤلمة ولكن البديل عنها مؤلم أكثر“، ويعاني لبنان من أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم، إذ يعادل حوالي 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعهدت حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري بإصلاحات عاجلة للحد من العجز الحكومي.

كما تعهد الحريري بتخفيض العجز في الميزانية كنسبة من الناتج المجلي الإجمالي بنسبة خمسة بالمئة على مدى خمس سنوات. ورغم إجراء الانتخابات البرلمانية في مايو أيار الماضي، لم تتول الحكومة السلطة إلا في أواخر يناير كانون الثاني أي بعد تسعة أشهر من الجدل السياسي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، مما أدى إلى تأخر في الإصلاحات.

وفي الأسبوع الماضي قال مسؤول كبير في البنك الدولي إن إصلاحات لبنان ”لا ترتقي إلى المستوى المرتقب“ حتى الآن. ولم تقر الحكومة بعد ميزانية 2019، ووفقا لوزارة المالية، قال ريجتريك ”من أهم المواضيع التي تناولتها مع معالي الوزير هو أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير الى أزمة وشيكة.

بينها رفع السرية المصرفية.. 3 قوانين مقترحة لمحاربة الفساد في لبنان

قال وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، الثلاثاء، إنه تقرر بعد اجتماع تكتل لبنان القوي، طرح قوانين لتكون بمثابة الذراع القوي لمكافحة الفساد في البلاد، وهي قانون رفع السرية المصرفية، وقانون رفع الحصانة، وقانون استعادة الأموال المنهوبة، ويضم تكتل لبنان القوي، الذي أطلقه وزير الخارجية جبران باسيل، كبديل للتيار الوطني الحر، كلا من أعضاء التيار وأحزابًا وشخصيات حليفة وصديقة، ويمثل الدعامة الأساسية للرئيس ولمسيرة العهد، على أن يتحول في مرحلة لاحقة إلى جبهة سياسية أوسع من التكتل، هدفها الأساسي استكمال العملية الإصلاحية، بناء الدولة، ومحاربة الفساد، وأضاف، باسيل في تغريدة على حسابه بموقع تويتر: "نحن أمام ورشة تشريعية، والقانون الأول الذي نقترحه هو قانون رفع السرية المصرفية الذي وقعه 10 نواب من التكتل ونتقدم به اليوم".

وأوضح باسيل، أن المعنيين بالقانون هم من رئيس الجمهورية إلى أصغر "أجير" في الدولة، أي من رأس الهرم إلى أسفله مع أزواجهم وأولادهم القاصرين ورفع السرية يتم تلقائيا، بحسب تعبيره، وأكد وزير الخارجية اللبناني، أنه لا مقاومة للفساد إلا بالتشريع وكسر حالة الاستسلام، وأن الأمر يمثل تحديًا أمام النواب لإقرار القانون، من دون أن يعني الأمر أن كل مقتدر هو فاسد، بحسب وصفه، وفي فبراير/ شباط الماضي، قال رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، إن الحكومة الجديدة تستهدف محاربة الفساد بشكل واسع، ضمن خطة عملها، متوقعًا أن محاربة الفساد ستكون من أصعب الأمور التي ستواجهها الحكومة، وأضاف الحريري، خلال ندوة حوارية ضمن فعاليات "القمة العربية للحكومات" في دبي: "القضاء على الفساد سيكون صعبًا لكن وجود الإجماع السياسي سيسهل الأمر علينا"، وأشار إلى مساعدة البنك الدولي في وضع كل القوانين التي تساهم في إرساء الشفافية، ومحاربة الفساد، وسهولة الوصول إلى المعلومات للجميع، خاصة المستثمرين الأجانب، ويستهدف البرنامج الذي وضعته الحكومة، تخفيض عجز الموازنة بنسبة 1% سنويًا على مدى 5 سنوات، بحسب إرشادات من صندوق النقد الدولي، وتعد لبنان من أكثر دول العالم التي تعاني من ارتفاع الديون مقارنة بحجم الاقتصاد، وبحسب معهد التمويل الدولي، تخطت ديون الحكومة 102.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت مديونيات الشركات المالية 149.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية الربع الثالث من العام الماضي 2018، وتراجعت معدلات نمو الاقتصاد اللبناني بشكل ملفت منذ عام 2011 إلى 0.9% فقط، مقابل 8% في 2010، لتتحسن الأوضاع قليلا بعد ذلك ويصل إلى 2.5% في 2017، وأعلنت ادارة الإحصاء المركزي اللبنانية، في يناير/ كانون الثاني الماضي، أن معدل التضخم السنوي بلغ 6.07% عن عام 2018.

لبنان لم يطلب تمويلا من الصندوق

قال المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي لرويترز إن السلطات اللبنانية لم تطلب من صندوق النقد الدولي تمويلا، رغم الديون الضخمة التي تثقل كاهل البلاد، ويشهد لبنان بعضا من أسوأ معدلات الدين وميزان المدفوعات في العالم، وأمضى أكثر من تسعة أشهر بلا حكومة يحتاجها لتنفيذ إصلاحات تأخرت كثيرا. وتنامى القلق إزاء وضع الاقتصاد والأوضاع المالية للحكومة مع طول أمد الأزمة.

ورغم ما تواجهه من مشاكل، تجنبت الحكومة طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي. ويقدم الصندوق مساعدات فنية للبنان ويجري مشاورات منتظمة مع الحكومة بشأن السياسات، وقال جهاد أزعور مدير الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد ”ساعدناه (لبنان) على سبيل المثال لوضع إطار عمل لإدارة الاستثمار للتأكد من تنفيذ الاستثمارات العامة بشكل سليم، ”غير أن السلطات اللبنانية لم تطلب برنامج تمويل“.

وحيرت قدرة لبنان على تفادي كارثة مالية المنتقدين لسنوات، إذ لم يتحقق ما جرى التحذير منه من التخلف عن سداد ديون أو حدوث أزمة في ميزان مدفوعات أو انهيار الليرة اللبنانية، وبعد تسعة أشهر من الخلاف على الحقائب الوزارية شكل الساسة اللبنانيون حكومة في نهاية يناير كانون الثاني. وقالت بيروت إنها ستطبق إصلاحات لتفادي تدهور الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ويعتمد النظام المالي اللبناني في تمويله على ودائع الجالية اللبنانية الكبيرة بالخارج في البنوك المحلية، ولكن تزايدت الشكوك بشأن إمكانية استمرار هذا النموذج مع تباطؤ تدفقات التحويلات والودائع.

وذكر أزعور أن تشكيل الحكومة والتزامها بمعالجة نقاط الضعف في الاقتصاد وليس مشاكل البنية التحتية فحسب مؤشر إيجابي، وقال ”الخطوة التالية كيف نعزز المصداقية بالتحرك سريعا“ على صعيد الميزانية والإصلاحات الهيكلية، كما يحتاج لبنان إلى معالجة قضايا الحماية الاجتماعية التي أدت إلى ”تدهور“ ثقة المواطن في النظام.

اقتصاد لبنان يحتاج "جراحة" عاجلة لتجنب الانهيار

قال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يوم الأحد إن اقتصاد بلاده يحتاج إلى ”عملية جراحية“ عاجلة كي لا ينهار، لكنه سعى لطمأنة المانحين الأجانب بأن السياسيين ما زالوا يقفون صفا واحدا وراء الإصلاحات التي جرى الاتفاق عليها معهم العام الماضي.

وبعد تسعة أشهر من الخلاف على الحقائب الوزارية في الحكومة، تمكن السياسيون اللبنانيون أخيرا من تشكيل حكومة قبل عشرة أيام. كان البلد المثقل بالديون قال إنه سينفذ إصلاحات طال تأجيلها لتجنب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

وقال الحريري خلال القمة العالمية للحكومات في دبي ”اليوم نحن في لبنان ليس لدينا الوقت للترف في السياسة لأن اقتصادنا ممكن أن يتعرض إلى انهيار إذا لم نقم بالعملية الجراحية هذه بشكل سريع وبإجماع (سياسي)“.

ويريد المانحون الدوليون من المؤسسات والحكومات الأجنبية أن تنفذ الحكومة الجديدة إصلاحات قبل تقديم مساعدات مالية بنحو 11 مليار دولار كانوا تعهدوا بها خلال مؤتمر عُقد في باريس في أبريل نيسان الماضي.

وأضاف الحريري ”يوجد هناك إجماع سياسي في لبنان على كل الإصلاحات التي مرت في (مؤتمر) سيدر، وفي إجماع سياسي لمحاربة الفساد“، وخلال زيارته للإمارات العربية المتحدة، التقى الحريري مع حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ومسؤولين آخرين بدولة الإمارات، على صعيد منفصل، التقى الحريري مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد.

إصلاح أزمة الكهرباء في لبنان

دفعت أزمة الكهرباء في لبنان البلاد إلى شفا دمار مالي، في الوقت الذي يعرقل فيه انقطاع الكهرباء الاقتصاد كما أدى الدعم المقدم لها إلى زيادة أعباء الدين العام، وليس لدى لبنان القدرة على توفير الكهرباء على مدار الساعة منذ الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 حتى عام 1990، مما جعل منازل كثيرة تعتمد على مولدات كهرباء أو على أصحاب مولدات خاصة يتقاضون رسوما باهظة كي تظل بضعة مصابيح مضاءة أو لاستمرار عمل الأجهزة المنزلية أثناء انقطاع الكهرباء اليومي المعتاد الذي يمكن أن يستمر لساعات.

وأصحاب المولدات الخاصة الذين لا يخضعون بشكل كبير لضوابط مسؤولون عن شبكة من كابلات الكهرباء في شوارع المدينة ويشتهرون باسم (مافيا المولدات). ويقول أصحاب هذه المولدات إنهم يوفرون خدمة لا تستطيع الدولة توفيرها.

وتستخدم محطات الكهرباء القديمة التي تديرها الدولة زيت وقود باهظ التكلفة وهو ما يزيد إلى جانب عادم المولدات التي تعمل بالديزل الضبخان الذي يغطي المدن في دولة يقطنها ستة ملايين نسمة، وتعهدت الحكومة بإجراء تغييرات، بما في ذلك تحسين جمع الفواتير للمساعدة في تمويل تكاليف إنشاء محطات أنظف وأكثر كفاءة. لكنها تحتاج أيضا إلى تمويل أجنبي وهو الأمر الذي يعني زيادة أسعار الكهرباء وغيرها من الإصلاحات التي تكافح الحكومة لتحقيقها.

ما مدى ضخامة المشكلة؟، تقول الحكومة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إن إصلاح الكهرباء حيوي لخفض الدين الذي يعادل الآن نحو 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتقول الحكومة إن صافي التحويلات لشركة كهرباء لبنان المملوكة للدولة تمثل الآن ما بين مليار و1.5 مليار دولار في العام وينفق معظمها على زيت الوقود. وهذا يعادل نحو ربع عجز الميزانية العام الماضي البالغ 4.8 مليار دولار.

وقال صندوق النقد الدولي في عام 2016 إن التكلفة المتراكمة لدعم شركة كهرباء لبنان تعادل نحو 40 بالمئة من إجمالي ديون لبنان، ويقول البنك الدولي إن نقص الكهرباء يأتي في المرتبة الثانية بعد عدم الاستقرار السياسي في عرقلة النشاط التجاري. وانتعش الاقتصاد بمعدل سنوي تراوح بين واحد واثنين في المئة فقط في السنوات الأخيرة.

والاعتماد على محطات الكهرباء التي تعمل بزيت الوقود ومولدات الكهرباء التي تعمل بالسولار له مخاطر صحية أيضا حيث أنه يسبب تلوث الهواء الذي يمكن أن يؤدي إلى أمراض الجهاز التنفسي. وطبقا لبيانات 2014 فإن تلوث الهواء في بيروت يزيد ثلاث مرات عن المعدلات التي تعتبرها منظمة الصحة العالمية خطرا.

 لماذا يصعب جدا حل الأمر؟، لم تتغير أسعار الكهرباء بالنسبة للمستهلكين منذ عام 1996، عندما كان سعر النفط لا يتجاوز 23 دولارا للبرميل. والآن يقترب سعر النفط من 70 دولارا إلا أن رفع سعر الكهرباء في وقت لا يحصل فيه المستهلك على خدمة جيدة يعد أمرا صعبا، ولا يتجاوز متوسط قدرة محطات الكهرباء الرئيسية ألفي ميجاوات مقارنة مع طلب يبلغ في ذروته 3400 ميجاوات، وبالنسبة لبيروت التي تعد أفضل مدينة يتم تزويدها بالكهرباء فإن هذا يعني انقطاعا يوميا لمدة ثلاث ساعات. وبالنسبة لمناطق أخرى فإن ذلك يمكن أن يعني انقطاع الكهرباء معظم اليوم.

لماذا لم تتحرك الحكومة من قبل؟، بذل لبنان جهدا بشكل متقطع لإنهاء انقطاع الكهرباء لعقود إلا أن جهوده أحبطها الصراع وعدم الاستقرار السياسي وتحديات صنع السياسات في نظام حكومي يعتمد على توازن دقيق للمصالح عبر التجمعات الطائفية في البلاد.

وظل لبنان بلا رئيس من عام 2014 حتى عام 2016 وباشرت حكومة مؤقتة عملها لمدة تسعة أشهر حتى فبراير شباط من هذا العام بسبب التناحر السياسي على المناصب الوزارية، وحتى بعد تشكيل حكومة فإنها لا تملك سوى موارد قليلة لا تكفي للإنفاق على البنية الأساسية للكهرباء لأن نصف عائدات الدولة تقريبا مطلوبة لخدمة الدين العام.وأدى ذلك إلى إصلاحات سريعة بدلا من حلول طويلة الأمد مثل استئجار محطات توليد كهرباء عائمة تعمل بزيت الوقود على مراكب مدفوعة الأجر، وقالت جيسيكا عبيد، المتخصصة في الطاقة بمنظمة استدامة البترول والطاقة في لبنان، إن شركات مولدات الكهرباء الخاصة لعبت دورا في عرقلة الإصلاحات ولكن المناورات بين الأحزاب السياسية المتناحرة كانت مسؤولة أيضا عن ذلك.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0