تتجه الصين بقوة الآن لتصبح الإمبراطورية التجارية الأكبر في العالم. فماذا يعني ذلك إقتصادياً وسياسياً، لأمريكا وأوروبا والشرق كروسيا والهند وخاصة للشرق الأوسط والدول العربية؟، طريق الحرير الجديد أو ما يُسمى أيضاً مشروع عُبو هو إلى حد بعيد المشروع الأكثر طموحا للرئيس الصيني شي جين بينغ، الهدف من هذا المشروع الضخم هو بناء وصلة نقل من آسيا إلى أوروبا: 10 آلاف كيلومتر من الطرق، وخط سكة حديد لنقل البضائع وطريق بحري ينطلق من غرب الصين عبر كازاخستان والأورال وموسكو وصولا إلى أوروبا، وأصبحت مبادرة إعادة طريق الحرير من الجديد لربط قارات العالم تجاريا المحرك الرئيس للسياسة الصينية داخليًّا وللدبلوماسية الصينية خارجيًّا، ويبدو أنها ستكون أحد أهم المحددات لتوجهات الصين إزاء العالم، ومنها المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، لاسيما خلال فترة رئاسة شي جينبينغ صاحب المبادرة، والتي تستمر حتى عام 2022.

يعرف باسم حزام واحد طريق واحد؛ وهي عبارة عن مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير البحري وطريق الحرير للقرن الـ21، ويهدف طريق الحرير الجديد إلى إحياء وتطوير طريق الحرير التاريخي، من خلال مد أنابيب للغاز الطبيعي والنفط وتشييد شبكات من الطرق وسكك الحديد ومد خطوط للطاقة الكهربائية والإنترنت، ويتكون طريق الحرير الجديد من طريق بري وطريق بحري.

فيما يخص تطوراته وتأثيراتها على الشرق الأوسط، تعد الامارات والدول العربية من أهم المحطات في طريق الحرير البحري الجديد، الذي أعلنت عنه الصين في ألفين وثلاثة عشر، وتهدف مبادرة الحزام والطريق، إلى تطوير وإنشاء طرق تجارية وممرات اقتصادية، تربط أكثر من ستين دولة.

في حين يأخذ بعدا سياسيا مثال ذلك إن أراد أحد تحليل الأزمة الأمريكية الإيرانية يجب النظر إلى ما يحدث في المنطقة من انتقال حالة الصراع من الساحة السورية والعراقية إلى الساحة التركية والإيرانية، وذلك يتعلق بمحاولات الصين لمد خط استراتيجي وشراكة استراتيجية تعرف بطريق الحرير الجديد من الشرق باتجاه أوروبا مرورا بإيران وتركيا وكان هذا الخط يعتمد على ما تسميه إيران بمحور المقاومة لكنه الآن تغيرت الاستراتيجيات والصين والاتحاد الاوروبي يراهنان على إيران وتركيا لإنشاء هذه الشراكة الجيواستراتيجية، من هذا المنطلق فبقاء تأثير الولايات المتحدة على الشرق الأوسط يعتمد على عدم مد هذه الشراكة وهذا الخط، وإذا توسعت الصين باتجاه الغرب ستخسر الولايات المتحدة وروسيا حوازات نفوذ لصالح الصين وحتى بعض الدول الأوروبية خاصة ألمانيا وفرنسا.

اما المعوقات فتكمن بالتنافس بين الهند والصين وتوجد بعض الحقائق التاريخية التي تلقي بظلالها على مصالح الوقت الحالي، فطريق الحرير على سبيل المثال يخطف الألباب على المستوى العالمي. ويشير إلى شبكة من الطرق البرية تربط الصين والهند وآسيا الوسطى وفارس وبيزنطة وروما منذ قدم التاريخ. وقد كان التجار والحجاج والمدرسون والمسافرون من كل الجنسيات على مدى السنين يسلكون تلك الطرق ويتبادلون الأفكار والبضائع، ولم تكن تلك الطرق قصرا على اليابسة حيث كانوا يسلكون الممرات البحرية بين الهند والصين عبر جنوب شرق آسيا برا وبحرا أيضا.

وعليه فان السياسة الطموحة التي تقودها الصين لتوسيع أسواقها والهيمنة على التجارة الدولية تضعها في مواجهة ليس فقط مع خصوم تقليديين مثل الولايات المتحدة وأوروبا، بل أيضاً مع حلفاء سياسيين كروسيا. لكن التنافس مع روسيا بخلاف الغرب ينحصر في إطار إقليمي على خلفية التناقضات داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في حين أنّ المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة تأخذ طابعاً شاملاً، وتتعدّى أحياناً الصراع الاقتصادي لتصل إلى حدّ التلويح بالخيار العسكري في المناطق المتنازع عليها بين الصين وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وبين المواجهتين تحاول أوروبا استمالة الصين على خلفية الصراع التجاري مع إدارة ترامب ولكن بشريطة أن لا يكون هذا التعاون على حساب وحدة أوروبا، كما تكرِّر ألمانيا دائماً.

ورغم الخطر الصيني الذي تقره استراتيجية الأمن القومي الأميركية إلا أن عدداً من الاقتصاديين الأميركيين يدافع عن العلاقة مع بكين. تجمع أميركا والصين مصالح مشتركة. تحول اعتبارات اقتصادية ومالية دون مواجهة مباشرة وكاسرة بين الطرفين. الصين أكبر دائن للولايات المتحدة. لكن "طريق الحرير" الصيني يهدد التفوق الأميركي. الموقف معقّد. الصين بالنسبة لواشنطن شريك وخصم في آن معاً.

في الوقت نفسه يمكن اعتبار الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان واحدًا من عدة مشاريع ضمن نظرية الحزام والطريق، التي تهدف الصين من ورائها لأن تصبح أستاذ العالم الجديد والأوحد، سيحتم على دول الخليج القلق من مشاريع الصين المتتابعة أولًا، ثم سيتحتم عليها الاختيار بين الصين والولايات المُتحدة بعد ذلك.

في حين تخشى البلدان الغارقة في الديون والمستفيدة من مشاريع البنى التحتية ضمن "طريق الحرير" الذي اطلقته بكين من تزايد حجم ديونها الى درجة تثير قلق صندوق النقد الدولي وتدفع بعض الدول الى التردد، في صيف عام 2013، أطلق الرئيس الصيني شي جينبينغ مبادرته العملاقة لبناء الموانئ والطرق والسكك الحديد عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا بتكلفة عشرات المليارات من الدولارات، وبعد خمس سنوات، تثير "طرق الحرير الجديدة" هذه الانتقادات والقلق، مع اتهام بكين باستخدام قوتها المالية لتوسيع نفوذها، وقال جينبينغ الاثنين الماضي إن المشروع "ليس ناديا صينيا" مشيدا ب"تعاون منافعه متبادلة".

ومن المتوقع أن تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2050، حيث سوف تمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين سوف تأتي السعودية في المركز الأول عربيًا والـ 13 عالميًا وفقًا لتقرير شركة " برايس ووتر هاوس كوبرز" للخدمات المهنية، وقد تضمن التقرير توقعات الشركة لأقوى 32 اقتصادا في العالم بحلول 2050 والتي تشكل معًا حاليًا 85% من الناتج المحلي الإجمالي، وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يزيد على ضعف حجمه الحالي بحلول عام 2050، بفضل اتباع سياسات تنموية على نطاق واسع.

يبدو ان الصين تسعى حاليا الى انتهاج خارطة طريق جديدة تمهد لإعادة التوازن على الصعيدين المحلي والدولي، لا سيما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي من أجل تحقيق طفرات تنموية ومستقبل اكثر اشراقا على المدى القريب، وهذا الامر قد يرسم اطر الصدارة التنافسية العالمية للصين في العقد المقبل.

الصين تتقرب أكثر من دول أوروبا الشرقية  

يلتقي رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ في كرواتيا قادة دول أوروبا الوسطى والشرقية للبحث في مسائل اقتصادية، أثناء قمّة تترقبها بقلق بروكسل التي حصلت هذا الأسبوع من بكين على وعد بانفتاح أكبر، وتستضيف مدينة دوبروفنيك الساحلية، "لؤلؤة البحر الادرياتيكي"، هذه القمة الثامنة لدول أوروبا الوسطى والشرقية بالإضافة إلى الصين "16+1"، والتي تُعتبر منصة لاستثمارات بكين في 11 دولة في شرق ووسط أوروبا.

وتنظر دول غرب أوروبا بقلق إلى هذا اللقاء، إذ إنها تخشى أن تكون الصين تحاول تقسيم الاتحاد الأمر الذي ينفيه لي كه تشيانغ، وفي مقالة نشرتها الصحف الكرواتية قبل اللقاء، وصف رئيس الحكومة الصينية هذه القمة بعبارات حماسية. فكتب "عندما نجمع 17 دولة من جميع الألوان، نحصل على شيء أغنى من قوس قزح". وأضاف "إذا نبني جسر قوس قزح بين آسيا وأوروبا، سنتوصل إلى تعاون جميل في المستقبل".

وتُعدّ أوروبا الشرقية جزءاً أساسياً من المشروع الصيني "طرق الحرير الجديدة"، ويتضمّن هذا المشروع الضخم الذي أطلقته بكين عام 2013، استثمارات تبلغ قيمتها أكثر من ألف مليار دولار أميركي تشمل بنى تحتية للطرق وسكك الحديد وأخرى بحرية للسماح بإيصال الصادرات الصينية، وسبق أن أعلنت الصين عن خطّ اعتماد تبلغ قيمته 10 مليار دولار وعن صندوق استثمارات من ثلاثة ملايين دولار لدول أوروبا الوسطى والشرقية الـ16 التي ستلتقي لي كه تشيانغ، وحتى الآن، لا تزال النتيجة متباينة: بعض المشاريع الكبيرة يجري بناؤها، لكن تم إرجاء أو إلغاء استثمارات تم التعهد بتنفيذها.

على سبيل المثال، لقد بدأ للتو في صربيا بناء أحد المشاريع الرمزية لـ"16+1" وهو سكة حديد بين بلغراد وبودابست، بعد خمسة أعوام من الإعلان عنه، وتأتي قمة هذا العام بعد ثلاثة أيام فقط من لقاء مهمّ عقده رئيس الوزراء الصيني مع الاتحاد الأوروبي الذي يطالب بعلاقات تجارية أكثر توازناً مع العملاق الآسيوي، الذي بات يُصنّف "منافس منهجي".

وفي بروكسل، وعدت الصين بفتح اقتصادها أكثر في إعلان مشترك مع الاتحاد اعتبره الأوروبيون "تقدّماً سريعاً" رغم أنهم لا يزالون حذرين، وفي وثيقة مؤلفة من سبع صفحات وقعها كل من لي كه تشيانغ ورئيس البرلمان الأوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، تعهدت بروكسل وبكين بتشجيع تجارة "مبنية على قواعد" و"محاربة "الأحادية والحمائية".

وتشعر بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا، بقلق متزايد حيال مشروع "طرق الحرير الجديدة"، خصوصاً منذ أن أصبحت الحكومة الشعبوية الإيطالية أول عضو في مجموعة الدول السبع تنضمّ للمشروع، وكانت الصين عام 2018 المستورد الأول من الاتحاد الأوروبي وثاني وجهة للمنتجات الأوروبية المصدرة. والميزان التجاري مربح إلى حدّ كبير بالنسبة للصينيين الذي يجنون أكثر من 184 مليار يورو، بحسب أرقام المفوضية.

ايطاليا تنضم الى مشروع "طرق الحرير الجديدة" الصيني

وقعت الحكومتان الصينية والايطالية السبت مذكرة تفاهم "غير ملزمة" لتأكيد انضمام روما الى مشروع "طرق الحرير الجديدة" الصيني، وذلك رغم قلق واشنطن وبروكسل، واثر موكب حضره الرئيس الصيني شي جيبينغ ورئيس الحكومة الايطالي جوزيبي كونتي، باتت روما أول دولة عضو في مجموعة السبع تنضم الى هذا المشروع الفرعوني للبنى التحتية البحرية والبرية الذي أطلقته بكين في 2013، وتم في الاجمال توقيع 29 عقدا او مذكرة تفاهم يبلغ اجمالي قيمتها بحسب وسائل الاعلام الايطالية، ما بين 5 و7 مليارات يورو مع امكانية أن تصل إلى 20 مليار يورو، ونصت الاتفاقات على توظيف استثمارات صينية محدودة حتى الآن، في مينائي جنوة وتريستي الاستراتيجيين للوصل بحرا الى السوق الاوروبية انطلاقا من الصين.

وشملت أهم العقود مجموعة انسالدو لصناعة التوربينات ومجموعة دانيلي التي فازت بعقد بقيمة 1,1 مليار يورو لاقامة مصنع تعدين في اذربجيان، كما نصت الاتفاقات على فتح السوق الصينية أمام صادرات البرتقال الايطالي وشراكة بين عملاق السياحة الصيني "ستريب" مع مطارات روما، وشركة السكك الحديد ترينايطاليا ومتحف فيراي في موادان (وسط)، وبرامج توأمة وكذلك تعاون بين قنوات التلفزيون العامة ووكالتي الانباء في الصين وإيطاليا، ورغبت بكين في استضافة مباريات كرة قدم من الدرجة الاولى الايطالية لكن قوانين الفيفا تمنع ذلك. ولذلك تنوي الجامعة الايطالية نقل أماكن مباريات للفريق الوطني الايطالي ومباريات من كاس ايطاليا اضافة الى تدريب حكام صينيين على التحكيم باستخدام تقنية الفيديو.

في المقابل وازاء تردد عبرت عنه واشنطن وبروكسل ، ولكن أيضا داخل الحكومة الايطالية، ازاء تقارب من جانب واحد بين ايطاليا والصين، تم تعليق نحو عشرين مشروعا آخر كانت موضع مناقشات في الأشهر الاخيرة.

وقال وزير الدولة الايطالي للاقتصاد ميشال جيراسي المدافع المتحمس عن التعاون مع بكين، "مع مذكرة التفاهم هذه نحن واعون تماما أنه مع الفرصة المتوفرة هناك مخاطر أيضا".

ما الذي ستجنيه الصين؟

يقول بيتر فرانكوبان، استاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد البريطانية والخبير في مبادرة طرق الحرير، إن المبادرة الإيطالية "رمزية إلى حد بعيد"، ولكنه أضاف بأن مجرد اعتراف روما بأن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية جديرة بالبحث له "أهمية بالنسبة لبكين"، وقال "الاهتمام الإيطالي يضيف رونقا للمبادرة، ويثبت بأن للصين دورا عالميا مهما".

وقال الاستاذ فرانكوبان لبي بي سي "هذه الخطوة التي تبدو عديمة الضرر جاءت في في توقيت حساس بالنسبة لأوروبا والاتحاد الأوروبي، إذ تسود مشاعر قلق ليس ازاء الصين فحسب، بل ازاء الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها أوروبا أو الاتحاد الأوروبي مع عالم متغير"، وأضاف الأكاديمي "ولكن هناك معضلة كبيرة، فإذا لم تأت الاستثمارات من الصين لتشييد الموانئ والمصافي وشبكات السكك الحديد وغيرها، فمن أين ستأتي؟".

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قال قبل سفره إلى إيطاليا بأن الصداقة بين البلدين "لها أسس تاريخية غنية"، وكتب الرئيس شي في مقال نشرته صحيفة كورييرا ديلا سيرا الإيطالية "عبارة صنع في إيطاليا أصبحت عنوانا للسلع عالية الجودة، كما تلائم الأزياء والمفروشات الإيطالية أذواق المستهلك الصيني، ويعشق الشباب الصيني الطعام الإيطالي كالتيراميسو والبيتزا"، يأتي توقيع الاتفاق غير الملزم بين البلدين يوم الخميس وسط تساؤلات حول ما اذا كان ينبغي السامح لشركة هواوي الصينية للاتصالات المشاركة في تأسيس شبكات الاتصالات الأساسية، وذلك بعد أن قالت واشنطن إن من شأن ذلك السماح لبكين بالتجسس على الغرب.

ولكن قضية هواوي ليست مجال بحث في المفاوضات التي سيجريها الرئيس شي في إيطاليا، ولكن قبل اسبوع فقط من موعد التوقيع على الاتفاق الصيني الإيطالي، أصدرت المفوضية الأوروبية تصريحا تطرق إلى "نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي المتنامي"، وإلى ضرورة اعادة النظر في العلاقات مع بكين، وبينما يزور الرئيس شي روما، يتدارس زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل 10 نقاط تتعلق بالعلاقات مع الصين، تتضمن هذه النقاط تعزيز التواصل مع الصين ولكنها تتضمن ايضا خططا "للتصدي للآثار المشوهة لملكية الحكومات الأجنبية" علاوة على "المخاطر الأمنية المترتبة على الاستثمارت الخارجية في الأصول والتقنيات والبنى التحتية".

وكان غاريت ماركيس، الناطق باسم مجلس الأمن الوطني الأمريكي قال في وقت سابق من هذا الشهر إن إيطاليا تعد من الاقتصادات المتقدمة التي ليست بحاجة إلى "توفير الشرعنة لمشروع البنى التحتية الصيني المتسم بالغرور".

من جانبهم، عبر سياسيون من حزب الرابطة اليميني الايطالي الحاكم عن مخاوفهم حول الأمن الوطني جراء الاتفاق، وحذر وزير الداخلية ماتيو سالفيني بأنه لا يريد أن يرى الشركات الأجنبية وهي "تستعمر" إيطاليا، وقال "ينبغي التفكير ليس مرة واحدة بل مئة مرة قبل السماح للاجانب بالاستثمار في مينائي تريستا وجنوا".

ولكن مسؤولين إيطاليين آخرين يحرصون على التأكيد بأن الإتفاق ليس معاهدة دولية وغير ملزم، إذ قال وزير التجارة والاستثمارات الإيطالي ميشيل جيراتشي "ليست هناك أي مشاريع محددة، بل أن الاتفاق هو مجرد توافق يضع الحجر الأساس للمستقبل".

يذكر أن دولا أوروبية أخرى قد تقبلت الاستثمارات الصينية من خلال ما يطلق عليه مصرف استثمارات البنى التحتية الآسيوي، ويشير جيراتشي إلى أن المملكة المتحدة كانت من أولى الدول التي قبلت هذه الاستثمارات، وأضاف "ثم تبعتها كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول"، وعبر عن ثقته بأن الدول الأوروبية المجاورة لإيطاليا ستحذو حذوها وتنظم الى مبادرة الحزام والطريق، وأضاف "اعتقد جادا بأنه في هذه المرة تقود إيطاليا أوروبا بالفعل، وهو أمر قد يفاجئ العديدين".

ألمانيا قد تشكل عقبة

قالت مصادر حكومية إن ألمانيا تنوي سن تشريع بحلول نهاية العام لتأسيس صندوق مملوك للدولة يمكنه حماية الشركات الكبرى من صفقات استحواذ من شركات صينية وغيرها من الشركات الأجنبية في تحول ملحوظ عن موقفها ”برفع يديها“ عن الشركات، اقترح وزير الاقتصاد بيتر ألتماير تأسيس الصندوق في فبراير شباط في إطار استراتيجية صناعية أكثر دفاعية. وقال ثلاثة مسؤولين لرويترز إن الحكومة تعد حاليا مسودة قانون كي يتسنى تشكيل الصندوق ويبدأ في ممارسة نشاطه العام المقبل.

وقال مسؤولان كبيران في الحكومة طلبا عدم نشر اسميهما إن الفكرة تقوم علي عمل صندوق الاستثمار المملوك للدولة مع القطاع الخاص عند شراء حصص في الشركات لمنع عمليات استحواذ غير مرحب بها.

وذكر مسؤول أن الدولة يمكن أن تشتري الحصة في بداية الأمر ثم تبيعها في أقرب وقت ممكن لمستثمرين من القطاع الخاص بينما قال المسؤول الآخر إن الصندوق يمكن أن يعمل في بعض الحالات مع مستثمرين في القطاع الخاص من البداية.

وقالت المصادر إن تحرك ألمانيا، وهي نصير قوي قديم للأسواق الحرة، يأتي ردا على تحول الصين بقيادة الحكومة من عميل إلى منافس وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعقوبات تجارية من جانب واحد وفرض رسوم جمركية أعلى.

كما يأتي في وقت يعيد فيه الاتحاد الأوروبي ككل النظر في الاستراتيجية الصناعية للتكتل والعلاقات مع الصين في مواجهة زيادة استثمارات المؤسسات المملوكة للدولة في الصين في قطاعات حيوية.

وتحث المفوضية الأوروبية التكتل على دعم أفكارها لكبح الشركات الصينية ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأمر في قمة في بروكسل، وتتزامن الخطة مع قرار من جانب الحكومة في ديسمبر كانون الأول لتشديد المعايير الموضوعة لفحص شراء حصص في شركات ألمانية تعمل في قطاعات استراتيجية من جانب مستثمرين غير أوروبيين بل وحتى منع عمليات الشراء.

وقال متحدث باسم وزارة الاقتصاد إن الاستثمار من جانب الصندوق الحكومي سيكون مقتصرا على ”حالات استثنائية للغاية“ وسيكون شراء الحصص لفترة محددة، وقال المتحدث إن تلك الحالات تشمل بشكل أساسي حماية البنية التحتية المهمة حيث تنظر الحكومة للمستثمر غير الأوروبي على أنه يمثل تهديدا لمصالح القومية لألمانيا.

وأضاف المتحدث ”الفكرة وتنفيذها المحتمل يخضعان للنقاش حاليا في إطار عملية أخرى خاصة بالاستراتيجية الصناعية“ رافضا التعقيب على الحجم المتوقع للصندوق، وكان وزير الاقتصاد ألتماير قال في فبراير شباط بعد عرض الاستراتيجية الصناعية لألمانيا للعقد المقبل إن القطاعات المهمة هي الصلب والألومنيوم والكيماويات والآلات والهندسة الصناعية والبصريات والسيارات والمعدات الطبية والتكنولوجيا الصديقة للبيئة والدفاع والفضاء والطباعة ثلاثية الأبعاد.

أمريكا اللاتينية "ضرب من الافتراء"

نددت الصين يوم الاثنين بالانتقادات التي وجهها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لسياسات بكين في أمريكا الجنوبية واصفة ذلك بأنه ”ضرب من الافتراء“ وقالت إن الدول هناك ستعرف قريبا من هو ”صديقها الحقيقي“، وخلال جولة استمرت ثلاثة أيام وشملت تشيلي وباراجواي وبيرو، اتهم بومبيو يوم الجمعة الصين بالمساعدة في الانهيار الاقتصادي لفنزويلا بتقديم التمويل للرئيس نيكولاس مادورو فيما تنزلق البلاد إلى هاوية أزمة سياسية طاحنة.

وتضغط الولايات المتحدة على مادورو للتنحي وتدعو مزيدا من الدول للانضمام إلى تحالف يدعم زعيم المعارضة خوان جوايدو. وشهدت أمريكا الجنوبية تحولا سياسيا في السنوات الأخيرة نحو اليمين وأيدت معظم دول القارة جوايدو.

ووصف بومبيو الصين بأنها منافقة لأنها دعت إلى عدم التدخل في فنزويلا في الوقت الذي ساهمت فيه ”تدخلاتها المالية“ في تدمير البلاد.

وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية لو كانغ خلال إفادة صحفية في بكين إن مثل هذه التصريحات ”أكاذيب“، وأضاف ”تصريحات وزير الخارجية الأمريكي بومبيو بشأن العلاقات بين الصين وأمريكا اللاتينية افتراء صريح وتحريض متعمد وغير مسؤول وغير منطقي. نرفض ذلك بشدة“، وأضاف ”لفترة طويلة اعتبرت الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية فناءها الخلفي وضغطت وهددت وأطاحت بأنظمة سياسية في دول أخرى“ مضيفا أن الدول في المنطقة ستدرك قريبا من ”صديقها الحقيقي“.

أميركا المتهاوية في مشروع طريق الحرير الجديد

في موقعها الخارق تحتل "طريق الحرير" الصينية الجديدة، ممراً اقتصادياً صينياً- باكستانياً على مدى 3200 كم، ويهدف إلى فتح شي جين بينغ من خلال ربطه بميناء جوادار في بلوشستان بجنوب الصين، من أجل الربط المباشر بين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وجنوب آسيا وغرب آسيا.

الأهمية الاستراتيجية لطريق الحرير في موازين القوى الدولية، يدلّ عليها ما خسره الغرب من المواقع التي أنشأها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كان العالم الغربي يجهز على حافة البحر الأبيض المتوسط سلسلة من القواعد: بنزرت (في تونس)، والمرسى الكبير (في الجزائر)، القاعدتان الفرنسيتان المتصلتان بمرفأ تولون، قاعدة اتصال الأسطول الفرنسي في البحر الأبيض المتوسط؛ قاعدة " Wheelus Airfield" التابعة للولايات المتحدة والتي تقع في ليبيا، أما بالنسبة للمملكة المتحدة من دون نسيان قناة السويس، والقاعدتان التابعتان لبريطانيا في قبرص وهما Akrotiriو Dékhelia. وقد تم دمج هذه المنظومة بأكملها في الأسطول الأميركي على المتوسط " VIME " في نابولي (بإيطاليا).

إن خسارة كل هذه القواعد تقريباً، باستثناء قواعد قبرص ونابولي، نتيجة استقلال الدول العربية، قابلها إنشاء ستة قواعد للحلف الأطلسي على الخليج، قبالة إيران. ومع انهيار الكتلة السوفياتية، في التسعينيات، سجل المرور التجاري في البحر المتوسط من 2 إلى 3 قطعات في اليوم الواحد من السفن تحت الأعلام الروسية أو الصينية.

في العقد 2010، تضاعفت حركة مرور القطع 3 مرات في اليوم إلى 10 قوارب، مما أجبر الأساطيل الغربية على إجراء عمليات تقييم "مؤلمة" ومحاسبة للبضائع عن بعد.

لغة الماندرين..هكذا تُمارس الصين "القوة الناعمة" في أفريقيا

داخل أحد الصفوف التي تتمتع بإضاءة زاهية، يغني 20 طالباً بكل حماسة النشيد الوطني الصيني، ومن ثم يبدأون بأغنية أخرى باللغة الصينية، ولكن، هذا المشهد ليس في إحدى المدارس الصينية بل في مدرسة في عاصمة كينيا، نيروبي.

ويتعلم الطلاب في هذه المدرسة لغة الماندرين، التي يتحدث بها ما يقارب مليار شخص على بعد 8 آلاف كيلومتر من منزلهم. وتعتبر، ساندرا وانجيرو، البالغة من العمر 13 عاماً، واحدة من مئات الطلاب الأفريقيين الذين يتقنون اللغة الصينية.

وسيرتفع عدد الطلاب الذين يتحدثون هذه اللغة في العام 2020، وذلك عندما تصبح لغة الماندرين، تُدّرس رسمياً في جميع المدارس في كينيا إلى جانب لغات أخرى، مثل الفرنسية، والعربية، والألمانية، التي تعتبر من ضمن المنهاج الدراسي الحالي.

واعتبرت وانجيرو أن تعلم لغة أجنبية هو بمثابة نشاط "مثير" لأنها تريد السفر والقيام بالأعمال في الصين، فيما قال المدير التنفيذي لمعهد كينيا لتطوير المناهج، جولييس جوان، لوكالة أنباء صينية حكومية، إن "مكانة الصين في الاقتصاد العالمي تزايدت لتُصبح قوية جداً، لدرجة أن كينيا ستكون لها استفادة كبيرة إذا تمكن مواطنوها من فهم لغة الماندرين".

وأصبحت الصين قوية وبارزة في أفريقيا خلال العقدين السابقين، إذ قامت الصين من خلال أحد مشاريعها بضخ الأموال في الدول الأفريقية لبناء الطرق، والسدود، والملاعب، والمطارات، وناطحات السحاب.

وكينيا ليست الدولة الوحيدة التي تعلم أطفالها اللغة الصينية، إذ تعتبر لغة الماندرين، اختيارية في جنوب أفريقيا للطلاب منذ عام 2014، كما طرحت أوغندا  لغة الماندرين على طلاب المرحلة الثانوية في مدارس معينة.

وأشار هينري أدرامانغوني، المتخصص في المناهج الدراسية في المركز الوطني لتطوير المناهج في أوغندا، إلى أن لغة الماندرين "أُضيفت إلى المنهج لأنها واحدة من لغات الأمم المتحدة للعمل"، إذ قال إن أوغندا، "تريد إعطاء الفرصة لسكانها الشباب للحصول على الوظائف، والتعليم، وايجاد فرص العمل خارج حدود الدولة".

ودُرّب المعلمين في البرامج من قبل أساتذة في معهد كونفوشيوس، وهي منظمة غير ربحية، تعمل على تعزيز اللغة والثقافة الصينية في جميع أنحاء العالم.

بدورها أشارت، إيلارا كوروزا، باحثة في العلاقات الصينية الأفريقية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إن التوسع المستمر للمعاهد الثقافية الصينية في القارة هي جزء من استراتيجية البلاد لزيادة نفوذها في أفريقيا من خلال "القوة الناعمة".

وأوضح راسل كاسشولا، أستاذ دراسات اللغة الأفريقية بجامعة رودس بجنوب أفريقيا، إنه سيكون من السذاجة عدم تعلم لغة الماندرين، كون الصين شريك تجاري رئيسي للكثير من البلدان في القارة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0