يتعرض الاقتصاد التركي لهزات عنيفة بدأت من العام 2018، بسبب مساعي الرئيس رجب طيب أردوغان للتدخل في السياسة النقدية للبنك المركزي، والذي ترافق ذلك مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض رسوم مضاعفة على واردات بلاده من الصلب والألومنيوم التركيين، بعد توقيف أنقرة لقس أمريكي يشتبه في تورطه في عمليه الانقلاب الفاشلة عام 2016. مما ساهم في تفاقم مشكلة الاقتصاد التركي الذي يتجه بشكل واضح نحو الدخول في مرحلة الأزمة. التي في وقتها قد يكون اي حل ممكن غير كافي لانقاذ الاقتصاد التركي من الانهيار.

التضخم يعاود الارتفاع في تركيا وبقوة

ارتفع معدل التضخم في تركيا بنسبة 1.06٪ في يناير/كانون الثاني، على أساس سنوي، ليصل إلى 20.35%، بحسب بيان لمعهد الإحصاء التركي، ويعد هذا الارتفاع الأول في معدل التضخم التركي الذي اتخذ منحى هبوطي منذ أكتوبر/ تشرين أول 2018، كما يأتي مخالفا لتوقعات الحكومة والبنك المركزي اللذين توقعا هبوط معدل تضخم الأسعار خلال العام الجاري، بعد بلوغها مستويات قياسية في 2018. وذكر معهد الإحصاء التركي، إن التضخم ارتفع بضغط من زيادة بلغت 6.43٪ في أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية مقارنة بشهر ديسمبر/ كانون الأول، ووصل معدل ارتفاع أسعار الأغذية 30.97٪ مقارنة بنفس الشهر من عام 2018.

وانخفضت معدلات التضخم في تركيا من 25.2% في أكتوبر/تشرين أول الماضي، إلى 20.3% في ديسمبر/كانون أول الماضي، بعدما رفع المركزي التركي أسعار الفائدة من 16.7% إلى 24% في سبتمبر/أيلول 2018. وكان رئيس البنك المركزي التركي، مراد تشيتين قايا، توقع نهاية يناير/كانون الماضي، تراجع معدل التضخم في البلاد إلى 14.6% نهاية 2019. وأكد رئيس المركزي التركي، إن البنك خفض توقعاته بالنسبة للتضخم في نهاية العام الجاري، من 15.2% إلى 14.6%. وأضاف، أن المركزي يتوقع اقتراب معدل التضخم من الهدف المحدد بشكل تدريجي من خلال الخطوات المالية المتخذة، مع توقعات باستقرار معدل التضخم عند 5% على المدى المتوسط، على أن يتراجع إلى 8.2% في 2020، وإلى 5.4% في 2021.

ويتخذ البنك المركزي التركي موقفا مغايرا لرئيس البلاد رجب طيب أردوغان، الذي طالما انتقده بسبب زيادة أسعار الفائدة، ودعاه إلى عدم رفعها بعد قفزة التضخم في سبتمبر/ايلول الماضي، إلا أن المركزي تجاهل هذه الدعوة. واحتلت أسعار الفائدة التركية المركز الثاني بين أعلى أسعار الفائدة عالميا بعد فنزويلا، بعدما رفعها البنك المركزي في 13 سبتمبر/أيلول الماضي، لمواجهة التضخم وتراجع العملة، على غير رغبة الرئيس التركي رجب أردوغان. كما عوضت الليرة جانبا من خسائرها أمام الدولار والتي ناهزت 45% منتصف أغسطس/آب، لتصل خسائرها إلى 30% حاليا.

وقد انخفضت الليرة التركية مقابل الدولار بعد أن حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة ستدمر تركيا اقتصاديا إذا هاجمت أنقرة مقاتلين أكرادا في سوريا تدعمهم واشنطن. وتراجعت الليرة، التي خسرت نحو 30 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار في العام الماضي، إلى 5.53 مقابل العملة الأمريكية، بعد ان هدد ترامب تركيا بالدمار الاقتصادي إذا هاجمت المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة في سوريا، مما حفز أنقرة على الرد محذرة من خطأ فادح. من جهة اخرى، أظهرت بيانات أن الناتج الصناعي التركي انخفض للشهر الثالث على التوالي بنسبة معدلة في ضوء التقويم قدرها 6.5 بالمئة على أساس سنوي في نوفمبر تشرين الثاني، في مؤشر إضافي على أن الاقتصاد يتباطأ.

الثقة الاقتصادية في تركيا تتراجع 4.2%

أظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي أن مؤشر الثقة الاقتصادية في البلاد بلغ 78.5 نقطة في يناير كانون الثاني، بانخفاض 4.2 بالمئة عن مستواه قبل شهر. ويعكس المؤشر توقعات اقتصادية متفائلة حين يتجاوز المئة نقطة، بينما يشير إلى توقعات متشائمة عندما يقل عن هذا المستوى، وأشارت البيانات أيضا إلى تعديل قراءة ديسمبر كانون الأول 2018، لتصبح 81.9 نقطة بدلا من 75.2 نقطة في التقديرات السابقة.

كما شهدت تركيا طلبا قويا لدى عودتها إلى سوق السندات العالمية، مع تجاوز طلبات الاكتتاب في سندات دولية قيمتها ملياري دولار لأجل ثلاث سنوات للمعروض، في إصدار مرتفع العائد يُنظر إليه كاختبار لاستعادة ثقة المستثمرين بعد أزمة العملة. وأفادت الخزانة التركية إنها قامت بتسعير السندات الدولية الصادرة لأجل خمس سنوات عند 7.5 بالمئة بالمقارنة مع 6.2 بالمئة دفعتها على سندات دولية لأجل عشر سنوات في أبريل نيسان و5.2 بالمئة لإصدار سندات دولية آخر لأجل عشر سنوات في يناير كانون الثاني.

وتعين على الخزانة دفع عائد أعلى فوق سندات الخزانة الأمريكية، مع ارتفاع الفارق عن السندات الأمريكية إلى 4.475 نقطة مئوية من 2.667 نقطة في يناير كانون الثاني. بينما ذكرت وزارة المالية إن مستثمرين أمريكيين اشتروا 60 بالمئة من الإصدار في حين اشترى مستثمرون من بريطانيا ودول أوروبية أخرى 34 بالمئة من الإصدار. وتسبب تراجع الليرة في بواعث قلق لدى المستثمرين بشأن هشاشة الاقتصاد المعتمد على الاستدانة من الخارج.

يذكر انه قد تظاهر آلاف الأتراك في شوارع اسطنبول احتجاجا على غلاء المعيشة وارتفاع معدّل التضّخم في تركيا. ووسط مواكبة أمنية مشددة رفع المتظاهرون لافتات تشير إلى تحرّك "السترات الصفراء" في فرنسا الذي انطلق كتظاهرة ضد ارتفاع أسعار المحروقات قبل أن يكتسب زخما ويتحوّل إلى احتجاجات ضد الحكومة، وإن التظاهرة التي نظّمتها كونفدرالية نقابات موظّفي القطاع العام شارك فيها أشخاص من مختلف المناطق التركية بما فيها محافظات أدرنة، وبورصة ويالوفا.

وعليه يبدو ان الخروج من عنق الزجاجة بالنسبة للاقتصاد التركي بات امر صعب جداً، وقد يستمر الحصار الامريكي الى الوقت الذي نشهد فيه هزيمة اردوغان وخروجه من حلبة الصراع على رئاسة تركيا او نشهد تبدل وخضوع كامل في الموقف السياسي التركي الحالي وهو ما مستبعد حالياً، سيما بعد المزاج السيئ بين اردوغان والبنك المركزي التركي، فحتى محاولات تخفيض اسعار المنازل وجذب المستثمرين عبر بوابة منح الجنسية التركية للمحافظة على الليرة التركية لن تكون كافية للحد من الانحدار الذي يشهده الاقتصاد التركي، والامر مرهون كله بتغير الموقف السياسي التركي تجاه الكثير من المتغيرات والاحداث السياسية المحلية والعالمية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0