من المفارقات التي تستحق الوقوف عندها، هي أن نجد دولة مثل الصين التي كانت في فترة من الفترات تتصدر قائمة الدول الاكثر انغلاقاً على العالم، نجدها اليوم تدعو الى اقتصاد عالمي حر وأكثر انفتاحاً، وبل تصرح بشكل واضح بأن أبواب اقتصادها ستبقى مفتوحة، في حين نجد في المقابل دولة مثل الولايات المتحدة الاميركية كانت تتصدر قائمة اكثر الدول انفتاحاً على الخارج، بل وكانت دائماً ماتنادي بحرية التجارة، نجدها اليوم تقف بالضد من ذلك. وهذا ماانعكس سلباً على اهم اقتصادين في العالم الا وهما الاقتصاد الصيني والاقتصاد الامريكي، حتى وصل الامر الى مرحلة الخلاف بينهما والذي بات يشكل تهديداً على نمو اقتصاد الصين.

فقد أظهر مسحان تعثر نمو قطاع الصناعات التحويلية في الصين نتيجة ضعف الطلب خارجيا ومحليا مما يزيد الضغوط على صناع السياسات في حين يبدو أن الرسوم الأمريكية تضر بالاقتصاد الصيني أكثر من المتوقع. وأظهر مسح خاص أن نمو القطاع الصناعي توقف إثر توسع استمر 15 شهرا مع تراجع طلبيات التصدير بأسرع وتيرة لها فيما يزيد على عامين بينما أكد مسح رسمي مزيدا من الضعف في الصناعات التحويلية، وإذا نُظر للمسحين معا، كمقياس لنشاط قطاع الأعمال وباعتبارهما أول قراءة مهمة لأداء اقتصاد الصين، فإنهما يؤكدان ما أجمعت عليه الآراء بأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم مستمر في التباطؤ مما قد يدفع واضعي السياسات لتبني مزيد من الإجراءات لدعم النمو في الأشهر المقبلة.

وقد يسهم قطاع الخدمات الذي يشكل أكثر من نصف اقتصاد الصين في الحد من تباطؤ الاقتصاد. فقد أظهر مؤشر مديري المشتريات في القطاع غير الصناعي الذي أصدره المكتب الوطني للإحصاءات توسع قطاع الخدمات بوتيرة أسرع، وبالنسبة للقطاع الصناعي، فقد نزل المؤشر الرسمي لأقل مستوى في سبعة أشهر عند 50.8 في سبتمبر أيلول من 51.3 في أغسطس آب ليتراجع أيضا عن التوقعات البالغة 51.2. واستمر المؤشر فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش لستة وعشرين شهرا متتاليا.

لكن مؤشر مديرى المشتريات تسايشين/ماركت نزل أكثر من المتوقع إلى 50.0 من 50.6 في أغسطس آب. وتوقع اقتصاديون أن يسجل 50.5 في المتوسط، وأظهر المسح الخاص أن شهر سبتمبر أيلول هو الأول الذي لا تشهد فيه المصانع الصينية تحسنا منذ مايو أيار 2017 حين انكمشت الأنشطة، وتغطي البيانات الرسمية عددا أكبر من الشركات بينما يركز المسح الخاص أكثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة المهمة لتوفير الوظائف في الصين. وتعهد مسؤولون صينيون بالحيلولة دون خسارة كبيرة للوظائف مع تنامي المخاطر التجارية.

وفي المسح الخاص، انكمشت طلبيات التوريد الجديدة، وهي مؤشر للنشاط في المستقبل، بأسرع وتيرة منذ فبراير شباط 2016 وعزت الشركات ذلك للخلافات التجارية والرسوم الجمركية.وفي المسح الرسمي، نزل المؤشر الفرعي لطلبيات التصدير الجديدة إلى 48.0 من 49.4 ليسجل انكماشا للشهر الرابع على التوالي، وأشارت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مؤشرات متزايدة على ضعف الاقتصاد في الصين وتراجع البورصة كدليل على أن الولايات المتحدة تفوز في الحرب التجارية لكن بكين مستمرة في تحديها وتعهدت بتحفيز الطلب المحلي للحد من أثر أي صدمات تجارية.

وفرضت واشنطن رسوما على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار في 24 سبتمبر أيلول وتهدد بفرض رسوم على جميع السلع التي تصدرها الصين للولايات المتحدة، وذكر لونج قو تشيانغ نائب رئيس مركز أبحاث التنمية التابع للحكومة الصينية إن تأثير الرسوم على بعض المصدرين سيكون قاسيا. ومن المرجح أن تعلق الصين آمالا أكبر على قطاع الخدمات مع ارتفاع أجور العاملين به مما يمنح المستهلكين قوة شرائية أكبر. وسجل المؤشر الرسمي لقطاع الخدمات 54.9 وهو أعلى مستوى منذ يونيو حزيران ومقارنة مع 54.2 في أغسطس آب.

صندوق النقد الدولي يحذر من التحفيز الاقتصادي القوي

صرح صندوق النقد الدولي ان على الصين تجنب التحفيز الاقتصادي القوي وسط الاضطرابات الاقتصادية لان ذلك يمكن ان يزيد من مستويات الدين المفرط. وجاء تحذير الصندوق في تقرير السياسات بعد ان اشار القادة الصينيون الى الانتقال الى سياسة مالية اوسع للمساعدة على حماية ثاني اكبر اقتصاد في العالم من التقلبات الاقتصادية العالمية، وبعد اكثر من عام من الجهود الحثيثة للحد من مستويات الدين المرتفعة بشكل خطير، وأفادت الحكومة الصينية انها ستكون اكثر من "نشيطة" في تحفيز الاقتصاد بسبب "حالة الغموض الخارجي".

الا ان صندوق النقد الدولي أوضح ان الخطوة الصينية "ستزيد من مناطق الضعف التي يمكن ان تقود الى تعديل مفاجئ". ودعا صناع السياسة الى مواصلة المساعي الطويلة الامد لوقف اعتماد الاقتصاد الصيني على النمو السريع الذي تقف وراءه الصادرات والاستثمارات، والاتجاه الى النمو المستدام الاعلى جودة يكون محركه الاساسي الطلب المحلي، كما اشاد الصندوق بقيادة بكين للاقتصاد مبيناً ان النمو لا يزال قويا وهو السبب الاضافي لمواصلة الاصلاح الاقتصادي الان.

وقد صرح رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ ان "السياسة المالية يجب ان تكون اكثر نشاطا" وهو ما وصفه المحللون بأنه اشارة واضحة الى ان بكين ستخفف من حملتها ضد الديون للحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي، كما اضاف بأن الحكومة ستسرع خطط خفض الضرائب بأكثر من 1,1 ترليون يوان (160 مليار دولار) واصدار 1,35 تريليون يوان من سندات الحكومة المحلية الخاصة لمشاريع البنى التحتية، وكان هذا التغير في السياسة متوقعا بشكل كبير بسبب زيادة الحاجة الى دعم النمو في مواجهة المخاوف من حرب تجارية مع الولايات المتحدة يمكن ان تحدث فوضى في الصين.

الا ان الصندوق اكد على توقعه بتحقيق الاقتصاد الصيني نموا بنسبة 6,6% للعام 2018 باكمله بانخفاض عن نسبة 6,9% التي سجلت في 2017، من جهة اخرى أفاد مسؤول بارز في صندوق النقد الدولي انه "لا يوجد دليل" على ان السلطات الصينية تتدخل في سعر صرف اليوان، وتأتي تصريحات كبير خبراء الصندوق موري اوبستفيلد بعد اتهام الرئيس الاميركي دونالد ترامب للصين والاتحاد الاوروبي بالحفاظ على عملتهما ضعيفة بشكل مصطنع لرفع تنافسية صادراتهما، واوضح اوبتسفيلد انه رغم حدوث بعض التحركات للعملة مؤخرا "الا انه لا يوجد دليل على التلاعب". وجاء في تقرير لصندوق النقد الدولي نشره اوبتسفيلد سابقا ان مستويات الفائض والعجز في التجارة في الاقتصادات الرئيسية مثل المانيا والصين يمكن ان تفاقم التوترات التجارية المتزايدة، ودعا الدول الى تجنب الاجراءات الحمائية وعدم التركيز على مستويات العجز.

مؤشرات ضعف في الاقتصاد وتراجع وتيرة الاستثمار

كشفت أرقام نشرت مؤشرات ضعف في الاقتصاد الصيني وأظهرت أيضا تباطؤ وتيرة الاستثمار إلى مستويات قياسية فيما استقر الانفاق في قطاع التجزئة والانتاج الصناعي، وتسعى بكين إلى تحقيق توازن دقيق فمن جهة تريد نقل محرك النمو من الاستثمار والصادرات نحو الاستهلاك الفردي، فيما تتصدى في الوقت نفسه لتراكم الدين العام، وصعّب النزاع التجاري مع الولايات المتحدة المهمة وتسبب بتراجع أسواق المال المحلية إلى مستويات غير مسبوقة منذ الانهيار في 2016.

وذكر المكتب الوطني للاحصاء في الصين الذي نشر البيانات الجديدة إن النزاع التجاري كان له أثر محدود على البيانات الاقتصادية حتى الان، لكنه أضاف "بالتأكيد كان له تأثير" من منظور البلدين وشعبيهما وتابع "حماية التبادل التجاري أرخت بظلالها على تعافي الاقتصاد العالمي". وسجلت استثمارات الاصول الثابتة، وهي محرك اقتصادي رئيسي للصين، نموا بنسبة 5,3 بالمئة فقط بين كانون الثاني/يناير وآب/اغسطس مقارنة بنفس الفترة العام الماضي. وهذا أقل من نسبة 5,5 بالمئة المسجلة في كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو والتي كانت أبطا وتيرة على الإطلاق.

ولفتت الحكومة الصينية إلى أنها ستقوي دعمها للاقتصاد وتسرع إجراءات الموافقة على مشاريع البنية التحتية في الأشهر القادمة، لكن الخبراء لا يتوقعون أن تبدأ تلك التدابير بإعطاء ثمارها قبل العام المقبل، من جهة اخرى صرح مسؤول صيني إن بلاده ستمنع بشكل صارم ”الاستثمار غير المنظم والتطوير الزائد عن الحاجة“ في قطاع صناعة السيارات، وذلك في إشارة على ما يبدو إلى قواعد مقترحة بشأن استثمارات منتجي السيارات في الطاقة الإنتاجية الإضافية، وأفاد نيان يونغ رئيس قسم التنسيق الصناعي باللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح إن اللجنة ستنشر قريبا مجموعة جديدة من القواعد الحاكمة للاستثمار وتنفذها، وأضاف أن القواعد الجديدة ”ستضع قيودا في معايير إدارة مشروعات الاستثمار الصناعي، وتشدد القوانين، وتمنع الاستثمار غير المنظم والتطوير الزائد عن الحاجة“ فضلا عن أمور أخرى.

وعلى الرغم من تحذيرات صندوق النقد الدولي من اجراء المزيد من خطط التحفيز الاقتصادي، الا ان البعض يرى إنه يجب على الصين أن تعد إجراءات ”أقوى“ ربما تشمل حزمة تحفيز واسعة النطاق للحيلولة دون توقف نمو الاقتصاد في ظل استمرار النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة، كما يرى اخرى بضرورة ان تقوم الصين باجراءات مماثلة على مستوى بيئة الاعمال، اذ ان الكثير من الشركات الاوروبية لاتزال تندد ببيئة أعمال معادية في هذا البلد، ما بين القيود المفروضة على الإنترنت والتنظيمات غير العادلة، مثل البيئة القانونية غير الواضحة وزيادة كلفة العمل والتعقيدات الإدارية، مشددة بصورة خاصة على استمرار الحواجز التي تستهدف الأجانب و"الجدار الإلكتروني الكبير" الذي يحد شبكة الإنترنت المحلية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0