يستند برنامج الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتصادي والمالي على انتعاش مستديم للنمو الاقتصادي، لكن ضعف هذا النمو يحمل العديد من المحللين على التشكيك في إمكانية تحقيق أهداف الخطة، وإن كانت وزارة التجارة الأميركية راجعت نسبة النمو الاقتصادي في الفصل الأول من السنة لترفعها إلى 1,2% مقابل 0,7% كانت أعلنت عنها مسبقا، إلا أن هذه الوتيرة تبقى ضعيفة بالمقارنة مع الفصل الرابع من السنة الماضية (+2,1%).

أما بالنسبة للشركات، فقد سجلت الاستثمارات انتعاشا ولا سيما بفضل ارتفاع ملفت (+28,4%) للاستثمارات في البنى التحتية كآبار النفط والمناجم، وهو قطاع مدعوم بجهود إدارة ترامب من أجل النهوض بإنتاج الطاقة، لكن نهج ترامب الاقتصادي الذي يطلق عليه اسم "ترامبونوميكس" ينطلق من فرضية تحقيق نمو يصل إلى 3% في 2018 ويبقى بهذا المستوى لعشر سنوات، وهي فرضية تستند إليها أيضا توقعاته للميزانية التي عرضتها إدارته للتو، ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يتسارع النمو في الفصل الثاني، وتشير توقعات فرع الاحتياطي الفدرالي في أتلانتا الذي تعتبر في غالب الأحيان معيارا متفائلا، إلى نمو بنسبة سنوية قدرها 4,1%، فيما يتوقع خبراء الاقتصاد في شركة "ماكرو إيكونوميكس" نسبة 3,2%.

لكن الخبير الاقتصادي المستقل جويل ناروف رأى أنه "حتى مع نمو يقارب 3% في الفصل الثاني، هذا يتركنا أمام نصف أول من السنة بالكاد يتخطى 2% من النمو. ولا أرى أي عامل يدعو إلى الاعتقاد بأن الشركات والأسر ستنفق أكثر خلال الأشهر القادمة"، وتابع الخبير "إذا قدر للاقتصاد أن ينمو بنسبة 3% إلى أبعد ما يمكننا أن نتوقع، فسيتحتم على الشركات أن تستثمر أكثر بكثير" في أدواتها الانتاجية، مشيرا إلى "أنها الطريقة الوحيدة لتحريك الإنتاجية التي لا تظهر حتى الآن أي بوادر نهوض"، وتقضي خطة إدارة ترامب لتسريع النمو بخفض الضرائب، وخصوصا على الشركات، وإزالة الضوابط عن القطاع المالي وتحفيز الصادرات.

وذكر وزير المالية الأميركي ستيفن منوتشين الخميس مدافعا عن مشروع ميزانيته للعام 2018 في الكونغرس "أعرف أن هناك العديد من الخبراء الاقتصاديين الذين يوردون أسبابا تحول دون تمكننا من تحقيق نمو بنيوي بهذه الوتيرة، لكننا على قناعة ثابتة بأن الاقتصاد يمكنه العودة إلى نسبة نمو موحدة قدرها 3% أو أكثر في هذا البلد"، ولم يتجاوز المتوسط السنوي للنمو في الولايات المتحدة منذ العام 2000 نسبة 2% بسبب الأزمة المالية عام 2008 وعدم تحقيق نمو بصورة إجمالية في الإنتاجية وشيخوخة السكان. ومن غير المتوقع أن يتحسن العامل الأخير في حال مواصلة الإدارة سياسات معادية للهجرة. لكن إذا ما عدنا بالزمن إلى العام 1947، فإن متوسط النمو السنوي كان بنسبة 3,2%، وواجه وزير الخزانة الأميركي أمام لجنة في مجلس الشيوخ انتقادات حادة من أعضاء ديموقراطيين أخذوا عليه تضمين مشروع الميزانية "حسابات تقريبية"، وندد بعضهم حتى باحتساب مزدوج لتوقعات النمو. ورد وزير الخزانة على الانتقادات مؤكدا أن الاقتطاعات الضريبية التي يتضمنها مشروع الميزانية ستمول نفسها بنفسها بدون أن تزيد العجز، وذلك بفضل النمو الذي سينتج عن التخفيضات الضريبية نفسها، كما يتحتم الأخذ بالسياسة المالية للاحتياطي الفدرالي الذي يعتبر التدابير التي يمكن أن يتخذها ترامب لتحريك النمو بمثابة "مخاطر متزايدة" على توقعاته للنمو والتضخم، ومع ترقب زيادتين في معدل الفائدة لهذه السنة، يضاف إليهما التخفيض المتوقع في الأصول المتراكمة بعد أزمة 2008 والذي سيؤدي إلى الحد من كلفة القروض، فإن الاحتياطي الفدرالي قد يعيق طموحات دونالد ترامب.

خطط ترامب تفاقم عدم المساواة في أمريكا

ذكر خبير الاقتصاد أنجوس ديتون الحائز على جائزة نوبل إن السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربما ينجم عنها نمو يفيد بدرجة أكبر الأغنياء ويؤدي إلى تفاقم مشكلة تفاوت الدخول في الولايات المتحدة، وأضاف ديتون في مقابلة أن خطط ترامب لخفض الضرائب وتعزيز الحواجز التجارية إذا تم تطبيقها ربما تعطي دفعة لدخول بعض العمال على المدى القصير دون أن تسفر عن النمو طويل المدى الذي يعد أمرا أساسيا لتخفيف آثار عدم المساواة في الدخول.

وأضاف أن تفاقم عدم المساواة، الذي كان لا يقلق الكثيرين من قبل، يصبح أمرا ظاهرا ويثير مشكلات بين الناس (خلال فترات تراجع النمو). هذا يؤدي أيضا إلى تسميم أجواء السياسة لأنه عندما لا توجد ثمار للنمو يمكن توزيعها يحدث صراع حاد للغاية، وأنه لا يعتقد أن عدم المساواة أمر سيء في حد ذاته إذا شعر كل شخص بأن النمو يعود عليه ببعض النفع، ولكني أهتم بالأشخاص الذين يصبحون أغنياء على حساب العامة" في إشارة إلى الضغوط السياسية التي تشكلها مجموعات الأعمال.

من جهة أخرى يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يوافق المشرعون على تخفيضات بقيمة 3.6 تريليون دولار في الإنفاق الحكومي على مدى السنوات العشر القادمة، مستهدفا في خطة ميزانية تقشفية كشف النقاب عنها برامج الرعاية الصحية والمساعدة الغذائية للفقراء بينما تزيد الإنفاق العسكري، وسيقرر الجمهوريون الذي يسيطرون على الكونجرس الأمريكي ما إذا كانوا سينفذون تخفيضات حساسة سياسيا. ومن المستبعد بدرجة كبيرة أن يتم الموافقة على المقترح في صورته الحالية، ورغم أنه من غير المتوقع تمريرها في الكونجرس فإن الخطة تتضمن أرقاما بشأن رؤية ترامب لنوع الميزانية التي يرغب فيها وهو النوع الذي يتضمن تخفيضات جذرية تتراوح من المساعدة الحكومية إلى الأمريكيين الأقل دخلا، ويوجد بعض الإنفاق الجديد في خطة ترامب للسنة المالية 2018 التي تبدأ في أكتوبر تشرين الأول.

وسيحظى البنتاجون بزيادة في الإنفاق، وستكون هناك دفعة قيمتها 1.6 مليار دولار للبدء في بناء جدار على طول الحدود مع المكسيك، وهو تعهد رئيسي لحملة ترامب الرئاسية، ووفقا للخطة يسعى ترامب إلى موازنة الميزانية بحلول نهاية العقد الحالي، ويتوقع مقترح ترامب بيع نصف مخزون الطوارئ النفطي، الذي تم تكوينه في عام 1975 بعدما تسبب حظر النفط العربي في مخاوف من زيادات حادة في الأسعار. وفاجأ الإعلان أسواق النفط ودفع أسعار الخام الأمريكي للانخفاض لفترة وجيزة، وستأتي أكبر الوفورات من تخفيضات في برنامج الرعاية الصحية للفقراء والتي تنفذ في إطار مشروع قانون جمهوري للرعاية الصحية أقره مجلس النواب، ويرغب ترامب في أن يخفض المشرعون أكثر من 800 مليار دولار من ذلك البرنامج وأكثر من 192 مليار دولار من الطوابع الغذائية.

ويرغب ترامب في تخصيص 52 مليار دولار إضافية للبنتاجون كجزء من زيادة الإنفاق العام على الدفاع بواقع 54 مليار دولار. ويزيد هذا بنحو عشرة في المئة عن الميزانية الحالية لكنه مرتفع ثلاثة بالمئة فقط عن ميزانية الدفاع التي اقترحها الرئيس السابق باراك أوباما في خطته الطويلة الأمد للميزانية، وستشهد معظم الإدارات الحكومية تخفيضات كبيرة وخصوصا وزارة الخارجية ووكالة حماية البيئة، وتعتمد ميزانية ترامب على توقعات لنمو اقتصادي قدره ثلاثة في المئة سنويا بنهاية فترته الرئاسية الأولى، وهي تفوق كثيرا افتراضات مكتب الميزانية التابع بالكونجرس الأمريكي التي تتوقع نموا قدره 1.9 في المئة، وقد ذكر وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين إن خطة الميزانية ستعزز النمو الاقتصادي عبر تحفيز الاستثمارات الرأسمالية وتوفير فرص عمل للعاملين الذين تخلوا عن البحث عن فرص العمل في أوقات صعبة.

اصلاحات ضريبية وخفض ضرائب الشركات إلى 15%

كشفت الإدارة الأميركية عن اصلاحات ضريبية طال انتظارها تقترح خفض ضريبة الشركات من الحد الأقصى الحالي وهو 35% إلى نسبة 15%، وكان وزير الخزانة الاميركية ستيفن منوتشين ذكر في نقاش حول الاقتراح "بعد أن تداول الاعلام نسبة 15% في اليومين الاخيرين، أؤكد أن ضريبة الشركات ستكون 15%"، وأن خفض الضريبة يهدف إلى مساعدة الشركات الصغيرة وليس الاثرياء، واضاف "لن يكون هذا الخفض ثغرة تسمح للأغنياء الذين يجب أن يدفعوا ضرائب أعلى، بدفع نسبة 15%"، إلا أن خطة الرئيس دونالد ترامب لاجراء اصلاحات كبيرة جديدة على الضرائب ستواجه الكونغرس المنقسم بشأن السياسة المالية وارتفاع العجز، ويرى محللون أن خفض ضريبة الشركات الهامشية بنسبة 20 نقطة مئوية يمكن أن تضيف مبلغ 2 ترليون دولار إلى العجز خلال عشر سنوات.

وتعتقد الادارة أن النمو الناتج عن خفض ضرائب الشركات سيجلب عائدات تعوض الفرق، إلا أن خبراء اقتصاديين قالوا أنه لا توجد أدلة تثبت ذلك، وبين منوتشين أن الادارة تعتزم تبسيط عملية اعلان المواطنين الأميركيين عن دخلهم ودفعهم الضرائب، وان الهدف هو تبسيط الضرائب الشخصية. بالنسبة لمعظم الاميركيين اعتقد أنه سيكون بإمكانهم حساب ضرائبهم بسهولة، وقد تضطر الحكومة الاميركية الى الاغلاق في حال لم يوافق الكونغرس على القانون الجديد الذي يسمح باستمرار الانفاق دون وجود ميزانية كاملة.

الا أن صندوق النقد الدولي يتوقع في تقريره ربع السنوي أن ينمو ب 2.3 % في عام 2017 و 2.5 % في عام 2018، ويرى موريس أوبستفالد، رئيس الخبراء الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، انه حتى هذه المرحلة المبكرة، تبقى خصوصيات التشريع الضريبي المقبل غير محددة، مثلها مثل درجة النمو الصافي للانفاق العمومي وتاثيرات ذلك على الطلب العالمي، والانتاج المحتمل والعجز في الميزانية الفيدرالية والدولار، وصندوق النقد الدولي أكد أن التوقعات قد تتفاوت في نتائجها نظرا لعدم اليقين بشأن سياسات الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب وتداعياتها على دول العالم، ويتوقع خبراء الصندوق في الوقت الراهن إجراء بعض التنشيط المالي على المدى القصير وعودة السياسة النقدية العادية بصورةأقل تدرجا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0