تمثل الاتفاقيات فرصة كبيرة للعراق، لكنها ليست ضمانة تلقائية لتحقيق التنمية. فالفرق كبير بين اتفاقيات ضخمة على الورق وبين مشاريع منفذة تخلق قيمة مضافة وفرص عمل وتحسنًا في الخدمات. إن استُخدمت هذه الاتفاقيات لتطوير الغاز والكهرباء والصناعة ونقل التكنولوجيا، فقد تشكل نقطة تحول مهمة في الاقتصاد العراقي. أما إذا...

أعلن وزير النفط العراقي أن قيمة الاتفاقيات الموقعة بين العراق وشركات أميركية في قطاع الطاقة تُقدَّر بنحو 200 مليار دولار، حسب رويترز، وأنها تستهدف زيادة القدرة الإنتاجية للنفط، وتوسيع استثمار الغاز المصاحب، وتطوير البنية التحتية للطاقة.

يكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة في ظل حاجة العراق إلى استثمارات كبيرة لتحديث قطاعه النفطي، وتقليل حرق الغاز، وتحسين إنتاج الكهرباء، وتعزيز الإيرادات العامة.

غير أن ضخامة الرقم المعلن لا تكفي وحدها للحكم على الأثر الاقتصادي المتوقع؛ إذ ينبغي التمييز بين قيمة الاتفاقيات الاسمية وبين حجم الاستثمارات التي ستدخل فعليًا مرحلة التنفيذ.

كما أن تقييم هذه الاتفاقيات يتطلب النظر إلى طبيعة المشاريع، ومدد تنفيذها، وشروط التمويل، وحصة الدولة من العوائد، ومدى ارتباطها بالاقتصاد المحلي.

إشكالية الموضوع

تتمثل الإشكالية الأساسية في التساؤل الآتي:

هل تمثل الاتفاقيات العراقية-الأميركية فرصة لتحويل قطاع الطاقة إلى محرك للتنمية والتنويع الاقتصادي، أم أنها ستؤدي إلى زيادة القدرة على إنتاج النفط من دون معالجة الاختلالات البنيوية للاقتصاد الريعي؟

وتنبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات، أبرزها: ما حجم الاستثمارات التي ستنفذ فعليًا؟ وما أثرها في الإيرادات العامة وسوق العمل؟ وهل ستساهم في استثمار الغاز وتقليل الاستيراد؟ وإلى أي مدى يستطيع العراق الاستفادة من زيادة طاقته الإنتاجية في ظل قيود أوبك+؟

أولًا: جذب الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا

يمكن أن تمثل الاتفاقيات دفعة مهمة للاستثمار الأجنبي المباشر في العراق، ولا سيما أن قطاع النفط والغاز يحتاج إلى رؤوس أموال وتقنيات متقدمة وخبرات إدارية لا تستطيع الموازنة العامة توفيرها بمفردها.

ومن شأن دخول شركات أميركية كبيرة أن يساعد في تطوير الحقول النفطية، ورفع كفاءة الاستخراج، وتقليل الضائعات، وإنشاء منشآت لمعالجة الغاز، وتحديث أنظمة النقل والتخزين والتصدير.

كما يمكن أن يسهم في إدخال تقنيات حديثة في مجالات الحفر وإدارة المكامن والرقمنة والسلامة الصناعية.

لكن تحقق هذه المنافع يتوقف على تضمين العقود شروطًا واضحة لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر العراقية، بدلًا من اقتصار دور الشركات الأجنبية على تنفيذ المشاريع وتشغيلها بعمالة وخبرات خارجية.

ثانيًا: استثمار الغاز وتقليل فاتورة الاستيراد

يمثل استثمار الغاز المصاحب أحد أهم الآثار الاقتصادية المحتملة للاتفاقيات، فالعراق يحرق كميات كبيرة من الغاز الناتج عن عمليات استخراج النفط، في الوقت الذي يستورد فيه الغاز والطاقة الكهربائية لتشغيل محطات الإنتاج المحلية.

وإذا تمكنت المشاريع الجديدة من جمع الغاز ومعالجته واستخدامه داخل العراق، فإن ذلك سيساعد على تقليل الاستيرادات، وتوفير العملة الأجنبية، وتحسين تجهيز الكهرباء، وخفض كلف الإنتاج الصناعي.

كما يمكن أن يوفر الغاز مادة أولية لصناعات الأسمدة والبتروكيماويات والإسمنت والحديد، وهو ما يوسع القيمة المضافة المحلية ويجعل قطاع الطاقة مرتبطًا بنشاطات إنتاجية أخرى، بدلًا من بقائه مقتصرًا على تصدير المواد الخام.

ثالثًا: أثر الاتفاقيات في الموازنة العامة

من المتوقع أن تؤدي زيادة الإنتاج والصادرات النفطية، إذا تحققت، إلى ارتفاع الإيرادات العامة وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية ودعم قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام.

إلا أن هذا الأثر ليس مضمونًا بصورة تلقائية، لأنه يعتمد على أسعار النفط العالمية، وكلف الإنتاج، وشروط العقود، وحصة الشركات الأجنبية، وآليات استردادها لتكاليف الاستثمار.

وقد تكون القيمة الإجمالية للعقود مرتفعة، لكن جزءًا كبيرًا من الإيرادات المستقبلية قد يُستخدم لتسديد مستحقات الشركات وتكاليف التطوير.

لذلك ينبغي تقييم صافي العائد الذي تحصل عليه الخزينة العراقية، وليس التركيز على حجم الإنتاج أو قيمة الاتفاقيات فقط.

رابعًا: فرص العمل وتنشيط القطاع الخاص

قد تساهم المشاريع في توفير فرص عمل مباشرة في عمليات الإنشاء والحفر والتشغيل والصيانة، فضلًا عن الوظائف غير المباشرة في النقل والمقاولات والتأمين والخدمات المصرفية والاتصالات.

لكن قطاع النفط يُعد من القطاعات كثيفة رأس المال والتكنولوجيا، وليس من القطاعات كثيفة العمالة. ولذلك قد لا يكون عدد الوظائف المتولدة متناسبًا مع ضخامة الاستثمارات.

ولتعظيم أثر الاتفاقيات في سوق العمل، ينبغي اعتماد سياسة واضحة بخصوص العمل، تتضمن إلزام الشركات بتوظيف نسب محددة من العمالة العراقية، وتدريب الشباب، والتعاقد مع الشركات المحلية، وشراء السلع والخدمات من داخل العراق متى ما كان ذلك ممكنًا.

خامسًا: قيود أوبك والطاقة الإنتاجية الفائضة

من أبرز التحديات التي تواجه هذه الاتفاقيات أن زيادة القدرة الإنتاجية لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج الفعلي أو الصادرات. فالعراق ملتزم بحصص إنتاج ضمن تحالف أوبك+، وقد لا يستطيع استخدام كامل طاقته الجديدة إذا بقيت القيود الإنتاجية قائمة.

وهذا يعني أن العراق قد ينفق مبالغ كبيرة على تطوير حقول جديدة، ثم يترك جزءًا من الطاقة الإنتاجية غير مستخدم. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض العائد الاقتصادي لبعض المشاريع أو تأجيلها.

لذلك يحتاج العراق إلى موازنة دقيقة بين خطط زيادة القدرة الإنتاجية وبين توقعات الطلب العالمي وسياسة أوبك وتطورات التحول نحو الطاقة النظيفة.

سادسًا: مخاطر تعميق الاقتصاد الريعي

على الرغم من المنافع المحتملة، فإن توجيه الجزء الأكبر من الاستثمارات نحو زيادة إنتاج النفط الخام قد يؤدي إلى تعميق الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي.

فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل الرواتب والنفقات العامة، بينما تبقى مساهمة الزراعة والصناعة والقطاع الخاص محدودة. وزيادة الإيرادات النفطية قد تمنح الحكومة مساحة مالية مؤقتة، لكنها قد تقلل الحافز على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتنمية الإيرادات غير النفطية.

ومن ثم فإن نجاح الاتفاقيات لا ينبغي أن يُقاس بزيادة عدد البراميل المنتجة، بل بقدرتها على بناء قاعدة إنتاجية متينة، وتحسين الكهرباء، وتطوير المهارات المحلية، وتمويل التنويع الاقتصادي.

النتائج

يتضح من التحليل أن الاتفاقيات تحمل فرصًا اقتصادية مهمة، أبرزها جذب الاستثمار الأجنبي، واستثمار الغاز المصاحب، وتحسين البنية التحتية، وزيادة الإيرادات، وتنشيط بعض القطاعات الخدمية.

لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات تتعلق بقيود أوبك، وضعف البيئة الاستثمارية، واحتمال محدودية فرص العمل، وغموض شروط العقود، وخطر توجيه الاستثمارات نحو استخراج النفط فقط.

وعليه فإن الرقم البالغ 200 مليار دولار ينبغي التعامل معه بوصفه قيمة تقديرية لمشاريع واتفاقيات ممتدة زمنيًا، وليس تدفقات مالية مؤكدة أو فورية إلى الاقتصاد العراقي.

التوصيات

ينبغي للحكومة العراقية نشر التفاصيل الأساسية للعقود، بما يشمل قيمتها الفعلية، ومدد التنفيذ، وآليات التمويل، وحصة الدولة من الأرباح.

كما ينبغي إعطاء الأولوية لمشاريع الغاز والكهرباء والصناعات البتروكيماوية، لأنها تحقق قيمة مضافة أعلى من تصدير النفط الخام.

ومن الضروري اعتماد متطلبات صارمة بخصوص العمل، لضمان تشغيل العراقيين ونقل التكنولوجيا ودعم الشركات الوطنية.

ويُستحسن ربط جزء من الإيرادات المتوقعة بصندوق سيادي أو استثماري يمول مشاريع الصناعة والزراعة والتعليم والبنية التحتية، بدلًا من توجيهها بالكامل إلى الإنفاق التشغيلي.

كذلك ينبغي تقييم جدوى التوسع النفطي في ضوء حصص أوبك وتوقعات الطلب العالمي والتحول نحو الطاقة المتجددة.

خاتمة

تمثل الاتفاقيات العراقية - الأميركية فرصة كبيرة للعراق، لكنها ليست ضمانة تلقائية لتحقيق التنمية. فالفرق كبير بين اتفاقيات ضخمة على الورق وبين مشاريع منفذة تخلق قيمة مضافة وفرص عمل وتحسنًا في الخدمات.

إن استُخدمت هذه الاتفاقيات لتطوير الغاز والكهرباء والصناعة ونقل التكنولوجيا، فقد تشكل نقطة تحول مهمة في الاقتصاد العراقي.

أما إذا اقتصرت على زيادة إنتاج النفط الخام، فإنها قد توسع الاقتصاد الريعي من دون أن تغير بنيته أو تقلل اعتماده على الإيرادات النفطية.

وبذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذه الاتفاقيات ليس حجم الأموال المعلنة، بل مقدار ما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وما توفره من فرص عمل، وما تخفضه من استيرادات، وما تحققه من تنويع وتنمية مستدامة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

اضف تعليق