السيادة الاقتصادية ليست شعارًا سياسيًا، بل هي قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، وتنويع اقتصادها، وحماية قرارها المالي من الضغوط الخارجية. وإن العمل على النقاط أعلاه سيسهم بشكل كبير في جعل السيادة الاقتصادية واقعًا عمليًا ينعكس على رفاه المواطن واستقرار الدولة، ويمنح العراق قدرة أكبر على اتخاذ قراراته الوطنية...
يُنظر إلى السيادة بوصفها مفهومًا سياسيًا يرتبط باستقلال القرار الوطني وحماية الحدود، إلا أن السيادة الاقتصادية أصبحت تمثل قلب السيادة السياسية.
فالدولة التي تعجز عن إدارة مواردها، أو تعتمد بصورة مفرطة على الخارج في تمويل موازنتها أو تأمين احتياجاتها الأساسية، تصبح قدرتها على اتخاذ القرار المستقل محدودة، مهما امتلكت من أدوات سياسية أو عسكرية.
وفي الحالة العراقية، تكتسب السيادة الاقتصادية أهمية مضاعفة بسبب طبيعة الاقتصاد الريعي، والتحديات الإقليمية، والتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة واقع السيادة الاقتصادية في العراق من خلال ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تنويع الاقتصاد، وضبط السياسة المالية والنقدية، وقوة المؤسسات.
أولًا: تنويع الاقتصاد أساس السيادة الاقتصادية
تمثل بنية الاقتصاد العراقي التحدي الأكبر أمام تحقيق السيادة الاقتصادية، فاعتماد الدولة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، بنسبة لا تقل عن 88% من الإيرادات للموازنة الاتحادية لغاية شهر كانون الأول من عام 2025[i]، جعل المالية العامة رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، وإضعاف قدرة الحكومة على التخطيط طويل الأجل.
إن اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بنسبة لا تقل عن 32% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية للفصل الثاني عام 2025[ii]، جعله يفقد جزءًا من استقلاليته؛ لأن أي أزمة خارجية أو انخفاض في الأسعار ينعكس مباشرة على الإنفاق العام والاستثمار ومستويات التشغيل.
لذلك، فإن بناء اقتصاد متنوع لم يعد خيارًا تنمويًا فحسب، بل أصبح ضرورة سيادية.
ويتطلب ذلك تنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة والاقتصاد الرقمي، بما يوسّع قاعدة الإنتاج والناتج المحلي، ويزيد الإيرادات غير النفطية، ويقلل من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
ثانيًا: ضبط السياسة المالية والنقدية
لا تتحقق السيادة الاقتصادية بمجرد امتلاك الموارد الطبيعية، وإنما بالقدرة على إدارتها بشكل سليم عبر ضبط السياسة المالية والنقدية.
يواجه العراق تحديات واضحة في هذا المجال، تتمثل في محدودية الإيرادات غير النفطية التي لا تتجاوز نسبتها 12% من الإيرادات الكلية، وارتفاع الإنفاق التشغيلي ليشكل 84% من الإنفاق العام عام 2025[iii]، وضعف مساهمة الضريبة، إذ لم تتجاوز نسبتها 4% من الإيرادات الكلية للعام ذاته.
فضلًا عن ارتباط جزء مهم من التعاملات المالية بالنظام المالي العالمي، من قبيل إيداع الإيرادات النفطية في حساب لدى الاحتياطي الفدرالي الأميركي؛ الأمر الذي يجعل الاقتصاد أكثر حساسية للضغوط الخارجية.
كما أن ضعف القطاع المصرفي وانخفاض مستويات الشمول المالي يحدان من قدرة الاقتصاد على تمويل التنمية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، إذ تشكل نسبة البالغين الذين يملكون حسابًا مصرفيًا 30%[iv] فقط، وهي نسبة تعكس ضعف الشمول المالي.
ومن هنا، فإن تعزيز السيادة الاقتصادية يقتضي إصلاح النظام المالي والمصرفي، وتنويع مصادر الإيرادات، ورفع كفاءة إدارة المال العام، وتطوير أدوات السياسة النقدية بما يعزز الاستقرار المالي ويحافظ على قوة العملة الوطنية.
ثالثًا: قوة المؤسسات
تؤكد التجارب الدولية أن قوة الاقتصاد لا تقاس بحجم موارده الطبيعية فقط، وإنما بكفاءة مؤسساته وقدرتها على إدارة تلك الموارد.
فالدول التي تمتلك مؤسسات فعالة، ونظامًا رقابيًا مستقلًا، وإدارة عامة كفؤة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق النمو المستدام، كما هو حال النرويج.
بينما الدول التي تكون مؤسساتها غير فعّالة، ولا تملك نظامًا رقابيًا مستقلًا، وإدارة عامة غير كفؤة، ستكون عرضة للأزمات وتعاني من هشاشة النمو الاقتصادي، كما تظهره تجربة فنزويلا[v].
وفي العراق، ما تزال تحديات البيروقراطية والفساد وضعف الحوكمة تمثل أبرز معوقات التنمية، إذ تؤثر في كفاءة الإنفاق العام، وتحد من جاذبية الاستثمار، وتضعف ثقة القطاع الخاص.
كما أن استمرار الخلافات المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ينعكس سلبًا في وحدة السياسة الاقتصادية، ويحد من قدرة الدولة على إدارة ثرواتها بصورة متكاملة.
لذلك، فإن بناء مؤسسات قوية، واعتماد التحول الرقمي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوحيد إدارة الموارد الوطنية، تمثل مجتمعة متطلبات أساسية لتعزيز السيادة الاقتصادية.
ولتحقيق السيادة الاقتصادية، لا بد من العمل على الآتي:
أولًا: تسريع تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
ثانيًا: إصلاح النظام المالي والمصرفي وتعزيز الشمول المالي وتطوير أدوات التمويل والاستثمار.
ثالثًا: رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح النظام الضريبي والجمركي ورقمنة الجباية.
رابعًا: دعم القطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال والبنية التحتية وتقليل الإجراءات البيروقراطية وتعزيز المنافسة.
خامسًا: تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد واعتماد الإدارة الرقمية في المؤسسات الحكومية.
سادسًا: إنشاء صندوق سيادي للأجيال القادمة يحول جزءًا من العائدات النفطية إلى استثمارات طويلة الأجل.
سابعًا: توحيد إدارة الموارد الطبيعية ضمن إطار دستوري يحقق الاستقرار الاقتصادي ويعزز ثقة المستثمرين.
الخلاصة
إن السيادة الاقتصادية ليست شعارًا سياسيًا، بل هي قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، وتنويع اقتصادها، وحماية قرارها المالي من الضغوط الخارجية.
وإن العمل على النقاط أعلاه سيسهم بشكل كبير في جعل السيادة الاقتصادية واقعًا عمليًا ينعكس على رفاه المواطن واستقرار الدولة، ويمنح العراق قدرة أكبر على اتخاذ قراراته الوطنية باستقلالية وثقة.
بينما إهمالها يعني استمرار فقدان السيادة الاقتصادية، واستمرار معاناة المواطن، وغياب استقرار الدولة نظرًا للاعتماد المُفرط على الخارج.



اضف تعليق