ظلت الولايات المتحدة معظم القرن العشرين ترفض الترتيبات الاقليمية وتحاول الحد منها، بدعوى أنها تعوق التريبات متعددة الاطراف الكفيلة في رأيها بتحقيق أقصى قدر من الرفاهية لكل الاطراف. غير انها تحولت في منتصف الثمانينات نحو الاشادة بمنافع التعاقدات الاقليمية، فقامت بالتفاوض حول اتفاقيات مناطق تجارة حرة مع اسرائيل وكندا، كما قامت بدعوة دول اخرى الى مفاوضات مماثلة، ويعزو البعض ذلك الى نهوض شرق آسيا، ولاسيما اليابان الذي أدى الى تدهور وضع امريكا في الاقتصاد العالمي.

وقد صحب ذلك عجز مستمر في ميزانها التجاري، الامر الذي عزز المشاعر الحمائية فيها وحرك المطالبات بانهاء التعددية، خاصة مع استمرار تعثر جولة اوروغواي للغات، وبينما يرى البعض خطراً في هذه التوجهات على التحرير متعدد الاطراف، الا ان الموقف الرسمي الامريكي اعتبر ان عقد اتفاقيات اقليمية مع دول نامية هو السبيل لتأهيل هذه الدول للدخول في النظام التجاري العالمي، سيما مع توجه معظم عوائق التجارة الى الانخفاض.

كما ان اقامة منطقة تجارة حرة لامريكا تضم المكسيك يساعد على مواجهة المنافسة المترتبة على توسع مناطق التجارة الحرة في اوروبا وآسيا، ويمهد لقيام ثلاثة تكتلات كبرى: اوروبا وامريكا الشمالية وشرق آسيا. وتؤدي هذه المنافسة لخلق نشاط في الولايات المتحدة يفوق ما يمكن ان ينتقل منها الى المكسيك، وقد توجهت الولايات المتحدة أولا الى كندا في مايسمى (الكوسفتا)، ثم الى جنوب القارة في تكامل قاري هو (النافتا)، وامتدت بهذا التوجه جنوبا ليشمل كامل نصف الكرة الغربي في (منطقة التجارة الحرة للامريكتين)، كما امتدت الى بالتعاون عبر الباسيفيكي الى الابيك، وهكذا نشأ ما يسمى (الاقليمية الجديدة).

يقظة الشعبوية والحمائية الجديدة

مخطىء من ينظر على ان تصاعد خطاب الشعبوية هو مجرد رد فعل، او هو تبني نظري لشخص معين او عدة اشخاص، وانما هو تراكم لمجموعة من الاسباب التي انفجرت في الاخير كنهج تمثل في الشعبوية، فقضايا التكامل التي انتهجتها الولايات المتحدة والتي بينا أسبابها سلفاً، ظهرت اخرى غيرها مختلفة في المضمون ومتشابهة في الاطار الذي انطلقت منها وهو المنبع الذي تشارك فيه الا وهو آسيا، فبعد معدلات النمو الهائلة التي شهدتها اليابان، نجد اليوم اليابان تعاني من العجز وتباطؤ النمو، فقد نجحت الولايات المتحدة في ايقاف مسيرة النجاح الطويلة لليابان.

الا ان استقياظ التنين الصيني ووثوب النمر الكوري الجنوبي عالياً في معدلات النمو والتجارة، تطلب رؤيا جديدة في الوقوف بوجه المد الاسيوي الجديد. فضلاً عن ان الولايات المتحدة الاميركية كانت ترى في ان كل الاتفاقيات التي دخلت فيها، في النهاية كانت تصب في مصلحة الدول الاخرى كالمكسيك وتشيلي والبرازيل وغيرها. كما ان هذه الدول وبسبب النجاحات التي حققتها في مجال التجارة بفضل هذه الاتفاقيات ذهبت بعيداً للاندماج وعقد الاتفاقيات مع دول تجد فيها الولايات المتحدة انها منافس لها كالصين والهند واليابان والمانيا.

سيما مع خروج الكثير من رؤوس الاموال الاميركية للخارج والاستثمار في هذه الدول وشركاتها لرخص العمالة فيها ولأنها تمثل سوق ناشئة جديدة تعد بكثير من الارباح، وهذا ما جعل العديد من هذه الاتفاقيات وكأنها حبر على ورق لااكثر او انها اصبحت كالمعوق بينها وبين الولايات المتحدة نتيجة الى ان فجوة التجارة بين هذه الدول لم تردم بل زادت نتيجة التحول الى الشركات العابرة للقومية التي باتت هي المسيطر على اجواء الاقتصاد العالمي وهو مااضعف هيبة الولايات المتحدة كصانع ومؤثر في القرار السياسي العالمي.

ورافق ذلك توتر الخلافات على المشهد السياسي سيما بعد موجة الحروب في منطقة الشرق الاوسط ومحاولة روسيا البروز من جديد كلاعب دولي عائد من الاعتزال، دفع الولايات المتحدة الى ان تقود تيار الشعبوية والحمائية الجديد، ولاعجب ان يكون افضل قائد له هو دونالد ترامب الرئيس الحالي للولايات المتحدة، وهو احد اقطاب التجارة في امريكا، والمتابع بقرب لكل مايدور في اقتصاد امريكا، ويعرف مكامن الضعف والخلل التي اصابت الاقتصاد والسياسة الامريكية في السابق. وعليه يظهر لنا جلياً اسباب ترك الولايات المتحدة للتعددية التي باتت ترى فيها الان انها احد اسباب ضعفها لاقوتها كما هو الحال في السابق، وتحولها ودفاعها عن الشعبوية والحمائية الجديدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3