هل نحن على أبواب تدهور اقتصادي طويل المدى؟ هل ستسقط في الهاوية مع سقوط نظامنا المصرفي؟ هل ستعصف بالعالم، ثانية، الويلات التي عصفت به في ثلاثينيات القرن العشرين؟ هل سترتفع البطالة إلى المعدلات التي بلغتها إبان أزمة الكساد الكبير؟

يجيب المفكر الاقتصادي أولريش شيفر في كتابه انهيار الرأسمالية على هذه التساؤلات قائلاً: نعم، إن هذا هو الأمر المتوقع إذا أخفقت الحكومات في مواجهة الأزمة الراهنة، وإذا أخفق رؤساء المصارف والمؤسسات الصناعية في حل المشكلات التي تواجههم، وإذا ظل المواطنون على ما هم عليه من فزع. وربما اعتقد البعض أننا نرسم مشهدا متشائما أكثر من اللازم وعاريا من الصحة. فحينما بدأنا تأليف هذا الكتاب قبل بضعة أشهر، بدا العديد من التنبؤات الواردة فيه أمورا مستحيلة التحقق، لكن واقع الحال يشهد على أننا لم نبالغ قط؛ فتطور الأحداث اثبت صدق هذه التنبؤات. أن الاقتصاد، الذي عرفناه حتى الآن، انهار في خريف العام 2008 بكل تأكيد، إن العالم سيتخذ شكلا مختلفا في المستقبل، فيطفو على السطح نظام عالمي جديد بكل تأكيد، سيتبلور اقتصاد سوق جديد، سيتبلور اقتصاد سوق قاتم على مبادئ العدالة الاجتماعية. أو دعنا نقل: أن هذا هو الأمل الذي يراودنا.

إن المواطنين يتابعون بكل وجل عنف القوة التي تتفتح بها طاقات النظام الرأسمالي، والكيفية التي تختل بها عرى هذا النظام، حينما تنهار وتختفي عن الأنظار مؤسسات مالية عملاقة، وذلك لأنها بددت آلاف المليارات من اليورو في أسواق رأس المال، مؤسسات مالية كانت مفخرة البلدان في يوم من الأيام. إنهم يشاهدون بأم أعينهم كيف ينتقل الانهيار إلى القطاع الصناعي عامة، وإلى الطبقة الوسطى على وجه الخصوص.

وتكمن جذور أكبر أزمة اقتصادية يشهدها العالم منذ ثلاثينيات القرن العشرين في قلب الرأسمالية: في أسواق المال. وأمست هذه الأزمة تنشر ظلالها على أناس ظنوا حتى ذلك الحين أنهم بمنأى عن المخاطر.

بالحرف الواحد: «إننا نشهد فزعا من اقتصاد السوق المحررة من القيود ما كان له وجود قط، قبل انهيار الجدار (*) ولا في الزمن السابق على انهياره». لقد صرنا نشهد كل هذه التحولات، وإن كانت الرأسمالية قد بدت لنا قبل فترة قصيرة من الزمن أقوى منها في أي عصر مضى؛ فالرأسمالية، التي عرفناها قبل تحرير اقتصاد السوق من القيود، بدت المنتصر الذي لا يجاري في صراع الأنظمة، فهي هزمت الاشتراكية وتغلغلت في كل أرجاء المعمورة: من أمريكا وحتى آسيا، ومن أوروبا الغربية إلى آخر زاوية من زوايا المعسكر الشرقي سابقا. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذه الرأسمالية قد حققت لسكان الدول الصناعية، ولكثيرين من مواطني الاقتصاديات الناشئة رفاهية لا مثيل لها في أي عصر من عصور الزمن الغابر.

وفي سياق هذا كله، ارتقى ملايين المواطنين إلى مراتب أعلى: ارتقوا من الشريحة الدنيا إلى الشريحة الوسطى، ومن الشريحة الوسطى إلى الشريحة الأعلى، وأثبت مجتمعنا أنه لا يتصف بالتحجر، فمن جهد وثابر، استطاع أن يقطع شوطا معتبرا إلى غايته. ومن ارتقى إلى مصاف أعلى لم يهبط، في أغلب الحالات، إلى الوضع الذي كان عليه في السابق، على صعيد آخر، كان ذلك الذي لم يحالفه الحظ ولم يفلح في تحقيق ما يصبو إليه، واثقا بأن الدولة س تعينه على أموره وستساعده على تكرار محاولة الارتقاء بهذا المعنى، كاد النظام يكون نموذجا لا تشوبه شائبة، ففي حين تتكفل دولة الرعاية الاجتماعية بتأمين متطلبات العيش للجميع، تحدد دولة القانون القواعد المتحكمة في عمل الاقتصاد. وكان هذا النظام قد حقق نصرا عظيما عقب الحرب العالمية الثانية، فبفضله ارتقت ألمانيا المدمّرة إلى ثالث أمة صناعية في العالم، وإلى أكبر أمة مصدرة.

لكن اقتصاد السوق المتكفلة بالرعاية الاجتماعية استعيض عنها بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية، ويطلب من بني البشر ما لا طاقة لهم به نموذج اقتصاد السوق المحررة من القيود. فقواعد هذا النموذج لا تحددها الدولة، بل تمليها المشاريع العملاقة وأسواق المال، ففي الثلاثين عاما المنصرمة كفت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون وفق قواعد الديموقراطية من التدخل في عمل اقتصاد السوق تاركة قوى السوق تصول وتجول بالنحو الذي يطيب لها، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العلاقة والمصارف ولا تتمتع بأي شرعية ديموقراطية. ومنذ ذلك الحين، أطلقت الرأسمالية الفنان لطاقاتها الجامحة الطاقاتها المعظمة للرفاهية من ناحية، والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية ثانية. إن هذه الطاقات غيرت نمط حياتنا بنحو متسارع حقا وحقيقة.

لقد صارت أسواق المال قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الكلي والتام. ومن نافلة القول أن نؤكد هنا أن انهيارا من هذا القبيل لن تظل آثاره مقتصرة على البورصة فقط. ففي نهاية المطاف سيخسر ملايين المواطنين فرص عملهم، ويتحولون إلى فقراء لا قدرة لهم على سد متطلبات رمق العيش. فالصناعة المالية خلقت من خلال ما طورت في البورصات، من وسائل معقدة، قنابل خطيرة قادرة على إحداث دمار شامل، إذ وفق وجهة نظر المضارب العالمي الناجح ورن بوفيت (Warren Buffett) «فإن أحد الأمور التي لا يمكن السكوت عنها هو أن تؤدي مقامرات مالية من هذا القبيل إلى تدمير مئات الآلاف من فرص العمل وتدمير فروع إنتاجية تتمتع في الواقع بالعافية وتشكل العمود الفقري للقطاع الصناعي».

على صعيد آخر تزيح الهزة، التي عصفت أخيرا بأسواق المال، الستار عن المدى الذي تغلغل فيه اقتصاد السوق المحررة من القيود في جميع خصائص حياتنا. فهو أفرز تحولات عظيمة وبسيطة، وتافهة ومثيرة، بينة ومستترة، تحولات تجعل حياتنا أكثر انقباضا، تحولات تدفع المواطنين، ليس في ألمانيا فقط، بل في أغلب الدول الصناعية الكبرى، إلى أن يشعروا بالفزع من الرأسمالية، وحتى سنوات وجيزة كان هناك شعور دفين فقط، شعور ما كان المرء قادرا على التعبير عنه بالكلمات. وهذا ليس بالأمر المستغرب؛ فقائمة المنتفعين من العولة كانت أطول من قائمة الخاسرين، وكادت ألمانيا تبر الدول الأخرى قاطبة من حيث المكاسب التي جنتها من تحرير الأسواق من القيود والحواجز.

الهوة تزداد اتساعا

لا يمر يوم من غير أن نلمس التناقضات التي ينطوي عليها اقتصاد السوق المحررة من القيود، إننا نشهد من كثب كيف تولد الرأسمالية المحررة من القيود فائزين ومندحرين، وكيف تجازي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة، وكيف تؤدي إلى تزايد هوة التفاوت بين الفقراء والأغنياء اتساعا. فما من أحد يشك في أن الهوة الفاصلة بين شرائح المجتمع المختلفة قد أخذت تزداد اتساعا.

التفاوت في توزيع الدخول

إن أجور العمال ورواتب المستخدمين العاديين صارت ترتفع بنحو بطيء جدا، وعندما يأخذ المرء التضخم بنظر الاعتبار، يظهر له بوضوح أن القوة الشرائية المتاحة.

التفاوت في توزيع الثروات

ان التفاوت في توزيع الثروات أعظم بكثير من التفاوت في توزيع الدخول ففي ألمانيا تتركز الثروة بيد شريحة اجتماعية ضئيلة العدد بنحو بين. فالأغنياء يقطنون في الأحياء السكنية الراقية، ويمتعون أنفسهم بمحاسن العيش في الفيلات الفاخرة، ويتنقلون في الشوارع والطرقات بسيارات، تو إليها قلوب الجميع، أما الأحياء الهامشية، فإنها مأوى المعلمين والمحرومين أي أنها من ناحية، مأوى العاطلين عن العمل، الذين لا يمتلكون شيئا ما عدا الديون، ومن ناحية أخرى، لا أولته الأفراد الذين كانوا سم به برتون جوعا اولا حصولهم على المدونة الحكومية.

تساع رقعة التفاوت في توزيع المخاطر

يؤكد الاقتصاديون، بشغف بين، أن المخاطر هي الجانب الأخر للفرص العظيمة التي تتيحها الرأسمالية للمواطنين. فالشخص الذي يتطلع إلى تحقيق الربح الوفير، يجب أن يأخذ بالاعتبار أنه قد يخسر كثيرا.

التفاوت في توزيع فرص التعليم

إن الشخص المتمتع بالمرونة الكافية وبالمستوى التعليمي الجيد يستطيع التحرك في الاقتصاد المعولم بيسر وسهولة، أما الشخص الذي لا تتوافر له هذه الخصائص، فإن هذا هو الذي يتخلف، بسرعة فائقة، عن الركب. وبالتالي، فإن من لديه الإمكانات المناسبة، يرسل أطفاله، في كثير من الأحيان، إلى مؤسسات التعليم الخاصة وليس إلى رياض الأطفال أو المدارس أو الجامعات الحكومية.

ولكن، ما البديل المناسب لاقتصاد السوق المحررة من القيود؟ وما الأساليب المناسبة لترويض الرأسمالية والانتفاع، في الوقت ذاته، من قواها الضرورية لرفع مستوى الرفاهية؟ ما القواعد الضرورية لازدهار الاقتصاد والديموقراطية في آن واحد؟ إن هذه الأسئلة هي الموضوعات التي سيدور حولها الجدل في السنوات المقبلة. إن الحلول التي ستتخذ في هذا الشأن تقرر مستقبلنا، ستقرر طبيعة المجتمع الذي ستعيش في كنفه وخصائص الدولة التي ستستظل بظلها. من هنا، فإن هذه المسائل هي الموضوعات التي يدور حولها هذا الكتاب أيضا. فهو يبين الأسباب التي دعت الدولة إلى الانسحاب، شيئا فشيئا، من توجيه قوى الأسواق وتفضيلها ترك السباحة للرأسمالية الجديدة، إنه يبين كيف ازدهر اقتصاد السوق في الحقب الماضية، والعوامل التي كانت سببا في تعرض الرأسمالية للأزمة العالمية الراهنة ويحاول الكتاب الإجابة عن السؤال الأساسي الذي سيطرحه السياسيون والموادلنون وقادة المؤسسات الاقتصادية على أنفسهم في السنوات المقبلة ماذا يمكن عمله، وماذا يتعين فعله، وماذا ينبغي إنجازه لكي لا يدمر اقتصاد السوق نفسه بنفسه؟ ما السنة الجديدة التي لا مندوحة للرأسمالية عن تبنيها لكي تكون قادرة على مواصلة الحياة؟ وما المتطلبات الضرورية التحقيق اقتصاد سوق يتكفل، فعلا، بالرعاية الاجتماعية؟ وقبل كل هذا وذاك، أهناك مستقبل مضمون للرأسمالية أصلا؟.

..........................................................................................................
* * هذا المقال ملخص لاهم المفاهيم والأفكار الاقتصادية المعاصرة مقتبسة من كتاب انهيار الرأسمالية للمؤلف أولريش شيفر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1