عاش الاقتصاد العراقي فترات مهمة من التحول والتغيير طيلة نشوء الدولة العراقية، فمنذ ولادة الدولة العراقية عام 1921، لم تكن ملامح الاقتصاد العراقي واضحة سوى انه اقتصاد ريعي يعتمد بشكل كبير على الزراعة في سد حاجاته الأساسية، وأستمر الحال على ماهو عليه أبان فترة الحكم الملكي، وعلى الرغم من وجود النفط والذي كان يصدر للخارج الى إن أهميته لم تكن كبيرة ولأسباب عديدة منها على سبيل المثال أن المكتشف من الابار النفطية كان قليل بسبب تباطؤ التقدم التكنولوجي فضلاً عن هيمنة الشركات الاجنبية على الثروة النفطية.

الا ان الحال تعدل بعد الاربعينيات بعد اتفاقيات (تقاسم الارباح)، سيما في الخمسينيات، وهكذا الى وصول عبد الكريم قاسم وبدء عمليات التأميم ومن ثم نظام البعث في الستينيات، لتتشكل صورة الاقتصاد العراقي بشكل واضح خلال تلك حكم النظام السابق، اذ أن طبيعة النظام هي اشتراكية ذو نزعة مركزية شديدة، وبالتالي وكنتيجة لذلك فأن صورة الاقتصاد العراقي أصبحت هي الاخرى اشتراكية.

وبطبيعة الحال وكما هو معلوم فأن مصدر الثروات وفقاً للنظام الاشتراكي يكون حصراً بيد الدولة والذي يمثلها في ذلك القطاع العام، أي انحسار دور القطاع الخاص وفقاً للايدولوجية النظام الاشتراكي، وحتى يستطيع السيطرة على هذه الموارد وتوزيعها بالشكل الذي يراه مناسباً فأن كل المؤسسات الاقتصادية من وزارة المالية والبنك المركزي تكون خاضعة للنظام، فضلاً عن وزارة التخطيط التي تمثل فلسفة النظام في التصرف بالموارد الاقتصادية وادارتها لها.

وهنا يجب ان نركز على وزارة التخطيط، فهي تُعد انتاج اشتراكي بحت، يضمن لها حصر الموارد الاقتصادية بيدها، وهكذا تشكيل وزاري غير موجود في النظام الرأسمالي، فمثلاً في الولايات المتحدة الاميركية التي تمثل هرم الرأسمالية العالمية لايحتوي هيكلها الوزاري المتكون من 14 وزارة على ما يُعرف بوزارة التخطيط، وكذلك الحال في بريطانيا وفرنسا، وذلك لأن فلسفة النظام الرأسمالي القائمة على الحرية الاقتصادية بعكس النظام الاشتراكي، تدع التخطيط للقطاع الخاص من خلال ايمانهم بمبدأ (دعه يعمل دعه يمر)، أي أن الناس هم الذي يحددون احتياجاتهم واولوياتهم وبالتالي سيسعون الى تحقيقها وفق أفضل الطرق والاساليب، وبما أنهم يمثلون القطاع الخاص، بالتالي فأن القطاع الخاص قادر على تحقيق ذلك من دون تدخل الدولة ووضعها للخطط المركزية، بل يرون إن في تدخلها ضرر أكبر مما هو نفع للنشاط الاقتصادي.

إن تركيزنا على وزارة التخطيط بالذات، نابع من إن التغيير الذي شهده النظام السياسي العراقي بعد العام 2003، والذي بموجب هذا التغيير، تحول نظامه السياسي الى نظام برلماني تعددي واقتصاده الى اقتصاد رأسمالي أو ضمن مايُعرف بإقتصاد السوق الحر، ووفقاً لفلسفة السوق الحر، فلاوجود لشيء أسمه وزارة التخطيط، وبالتالي فأن وزارة التخطيط العراقية الحالية هي تركة من النظام السابق تعطي امكانية للدولة في التدخل الاقتصادي والتأثير على موارد البلد والتحكم فيها، وهذا ينافي فلسفة وايدولوجية اقتصاد السوق الحر.

اذن لماذا هذا التخبط؟! بصراحة ليست وزارة التخطيط التركه الوحيدة لذلك، فمثلاً لاتوجد في الانظمة الرأسمالية وزارة خاصة بالثقافة، بينما هكذا مؤسسات في الانظمة الاشتراكية، وذلك لضمان السيطرة الفكرية والثقافية للمجتمع، وهي كذلك موجودة حالياً في النظام الاداري العراقي!! إن اسباب ذلك كثيرة وفيما يتعلق بوزارة التخطيط وهو مايهمنا في ذلك، ومن هذه الاسباب ومن وجهة نظر اقتصادية هو بسبب عدم وجود قطاع خاص قوي ورصين قادر على ادارة الموارد الاقتصادية وتوجيهها نحو قنواتها الانتاجية والاستثمارية والتنموية، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه في قيادة الاقتصاد نحو بر الأمان، هذا من ناحية ومن ناحية انتشار الفساد في مفاصل القطاع العام أثر سلباً على ايجاد قطاع خاص انتاجي قادر على توليد فرص العمل الاستثمارية وايجاد مناخ مناسب لاحتضان وتقوية القطاع الخاص في المستقبل، فضلاً عن إن التوجه العام للدولة، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي لايزال يدور في فلك المركزية سواء بالنسبة لفكرها وتوجهاتها أو على مستوى القدرات الخاصة بها في ادارة وتمشية أمور الدولة.

إذن من الحل ؟! على الرغم وكما هو معلوم إن اصلاح الاقتصاد مرتبط باصلاح الوضع السياسي، الا انه من الممكن وضع حلول قادرة على ايجاد نوع من التوازن بين القطاع العام والخاص أو تكوين فلسفة ادارية متوزانة ذات طابع يستم بالمرونة في ادارة كلا القطاعين من خلال اعتماد مزيج مشترك من الادارة المركزية المرنة ذات الطابع السوقي الحر في تعزيز وتقوية دور القطاع الخاص وكذلك تغيير ذهنية المجتمع في أهمية القطاع الخاص ودور الفرد في الاعتماد على نفسه من دون الاتكال على الدولة وانتظارها في توفير فرص العمل له، من خلال الانخراط في السوق ومواجهة متطلباته عبر تقوية المهارات الفنية والكفاءات الشخصية بالشكل الذي يتلائم وطبيعة السوق الحالية والستقبلية، وبالتاالي التخلص من فكرة الخنوع والتبعية للدولة، وهذا سينعكس ايجاباً في التخفيف من على كاهل الدولة في توفير السلع والخدمات وكذلك التدخل في الحياة الاقتصادية الا فيما يلزم ذلك، مما سيقلل حجم نفقاتها العامة وزيادة ايراداتها وتقليل حجم الفساد كون ان القطاع الخاص هو الذي سيقود عملية التنمية الاقتصادية وعند وجود قطاع خاص كفوء ومهني فأن حجم الفساد بشكل طبيعي سيقل، فضلاً عن ايجاد مشاريع جديدة تعمل على تنويع موارد الاقتصاد العراقي عبر الاستثمارات المختلفة التي سيقوم بها القطاع الخاص وعلى كافة القطاعات الاقتصادية، أي بمعنى التخلص من لعنة الريعية التي لاحقت الاقتصاد العراقي لفترات طويلة من الزمن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4