إسلاميات - عقائد

مميزات برهان النظام

أبرز الادلة على وجود الله الخالق
بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

ان برهان النظام يمتاز على البراهين الأخرى بوجوه:

1 ـ ان برهان النظم ـ كما عرفت ـ يقوم على مقدمتين، احداهما حسية والاخرى عقلية محضة.

أما الاولى: فهى ان هناك نظامة بديعة يسود كل أرجاء الكون من الذرة الى المجرة، وهو أمر تتكفل بإثباته المشاهدة والملاحظة وما كشفت عنه العلوم الحديثة من السنن والنوامیس.

وأما الثانية: فهي أن العقل بعدما لاحظ النظام، وما يقوم عليه من المحاسبة والتقدير والهدفية والقصد، والتوازن والانسجام حكم ـ بحكم قطعي ـ بأن أمراً كهذا من شأنه أن يمتنع صدوره بمحض الصدفة والاتفاق، بل لا ينبع الا من فاعل قادر عليم ذي ارادة وحكمة وقصد. ولأجل هذا كان برهان النظام من اوضح البراهين وأكثرها بداهة، بحيث يذعن له كل واحد حتى من يتحفظ تجاه الاستدلال الفلسفي ويتحاشاه ويشكك فيه.

2 ـ ان «برهان النظام» لا يحتاج في دلالته الى اثبات وجود النظام في جميع أرجاء الكون، وجوانب الحياة، بل يكفي في دلالته أن نشير فيه الى مظهر واحد من مظاهر النظام الكوني، ومورد واحد من موارد التناسق، مثل النظام السائد على جهاز العين، أو جهاز الأذن، أو تركيب الوردة أو مملكة الحيوان مثلا، وأن جهلنا النظام السائدة في الموارد الأخرى من الطبيعة والكون.

فإننا اذا دخلنا في مكتبة عظيمة زاخرة بالمصنفات والكتب، وأخذنا كتاباً علمياً وتصفحناه فوجدنا فيه التبويب الجميل والبحث العميق، والاسلوب الأنيق، كفانا ذلك في حملنا على الاعتقاد اليقيني الذي لا يشوبه ريب بأن لهذا الكتاب مؤلفاً قديراً، وان هناك كاتباً عالماً دبج سطوره ورتب فصوله، وانه لم يكن وليد الصدفة والاتفاق، أو نتيجة لجرة قلم عابثة.

٣ ـ ان «برهان النظم» يتمشى مع تقدم العلوم وتكاملها، وانه يمكن الاستعانة به حتى مع تزايد الكشوف العلمية، وتطور الحقائق والمعلومات لأنها تقدم المزيد من المصادیق الحية لهذا البرهان.

فلبرهان النظام دلالة دائمة وخالدة على وجود الصانع الخبير، والخالق القدير للنظام الكوني وتجدد العلوم وتكاملها لايثير أية مشكلة في وجه هذا البرهان، ولا يبليه، بل يزيده قوة وجدة، وقد أشرنا الى هذا الامتياز في مطلع برهان النظام.

4 ـ ان «برهان النظم» سهل المأخذ بحيث يهتدي اليه العالم والجاهل اذ ما من انسان له أدنی ادراك الا ويميز بين الفوضى والنظام، ويدرك ان النظام يحتاج الى منظم، وكلما ازداد تنظیم الشيء دل على زيادة عقل منظمه وعلمه.

وبهذا لا يكون فهم هذا البرهان وتناوله مقصوراً على طبقة خاصة، بل هو برهان جماهيري، ودلیل يدركه العموم (1).

5 ـ أن «برهان النظام» بكشفه القناع عن المواهب الالهية الكريمة السخية في حياة الانسان والعالم المحيط به يزيد من علاقة المخارق بخالقه، وحبه له ويدفعه دون ارادة منه إلى التسبيح بحمد ذلك الخالق، والقيام بشكره.

6 ـ ان القرآن الكريم أعطى هذا البرهان ـ في مباحثه التوحيدية ـ اهتماماً أكبر، واعتمد عليه أكثر من اعتماده على أي دليل آخر، بل لم يكتف في الاستشهاد به على وجود الخالق، انما اعتمد عليه في اثبات التوحيد الخالقي والربوبي أيضاً.

فهو تارة يلفت نظر الانسان الى السير في الافاق والانفس بشكل مطلق ودون تحديد نقطة معينة اذ يقول تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سورة فصلت ـ 54).

ويقول: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يونس ـ 101).

وتارة يلفت النظر الى آیات آفاقية خاصة، اذ يقول سبحانه:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَـٰذَا خَلْقُ اللَّـهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (لقمان 11 ـ 12).

ويقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر ـ 6).

وتارة ثالثة يلفت نظر الانسان الى نفسه وما فيها من أعاجيب الصنع ودقائق النظام، وأسرار التركيب اذ يقول: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم﴾ (الروم ـ 8).

ثم يقول مفصلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون ـ 12 ـ 15).

ويقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين ـ 4).

وبالتالي فان القرآن يزخر بالآيات التي تلفت الأنظار إلى ما في الكون من أنظمة جملة وتفصيلا، وبذلك يولي هذا النوع من الاستدلال من الأهمية ما لا يوليه لأي دليل آخر.

7 ـ ان «برهان النظم» لوضوحه، وان النظم السائد في الكون لسريانه في جميع أجزائه وذراته قد يغفل الانسان عن التوجه اليه فيكون كالعائش في النهار، الغارق في بحبوحة الضوء فانه يغفل عن وجود الشمس وان توجه اليه البعض والتفتوا الى وجوده.

وقد أشار القرآن الكريم الى هذه الغفلة اذ يقول سبحانه:

﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (یوسف ـ 1۰5).

ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس ـ ۹2).

ولا عجب فكم منا من كان ينظر الى سقوط تفاحة من الشجرة الى الارض دون أن يتصدى لمعرفة سبب ذلك، بينما دفع أحد النوابغ والمفكرين وهو «اسحاق نیوتن» إلى التحقيق عن علة سقوطها حينما شاهدها تقع على الأرض ولفتت نظره، حتى أدى به تحقيقه إلى اكتشاف قانون عام هو «قانون الجاذبية العامة» الذي كان له مكانة كبرى في العلوم.

وخلاصة القول: انه لما كان هذا النظام سائداً في كل شيء فانه خفى على غير المحققين والمتنبهين أي أنه كاد لفرط ظهوره أن يخفى على كثيرين.

8 ـ ان برهان النظام كغيره من البراهين الدالة على وجود الله يتكفل بإثبات بعض الجوانب في قضايا العقيدة، وهو أن لهذا النظام البديع خالقاً عالماً قادراً على خلاف ما يدعيه الماديون من أن هذ النظام نابع من نفس المادة أو انه وليد الصدفة العمياء.

وأما أن هذا الخالق واجب الوجود، أو ممكن الوجود، حكیم عادل أم لا، وما شابه ذلك فهي أمور خارجة عن نطاق هذا البرهان ورسالته بل لابد من استفادته من أدلة أخرى مثل برهان الامكان والوجوب، أو ابطال الدور والتسلسل أو ما شابه ذلك وناسبه.

ولهذا يتعين على كل طالب أن يقف أولا على رسالة كل برهان ومداه فلا يطلب منه ما هو خارج عن رسالته، فكل برهان يثبت شيئا من الأشياء وناحية من النواحي لا جميعها كما هو الحال في براهین وجود الله، سبحانه. وسيوافيك لدى مناقشة ما زعمه الفيلسوف الانجليزي «ديفيد هيوم» ونقد ما طرحه من اعتراضات على برهان النظام، أن بعض اعتراضاته ناشئة من تصوره الخاطىء بأن برهان النظم بوحده يفي بإثبات كل ما يدعيه الالهيون في باب الخالق من اثبات وجوده وصفاته وأسمائه حتى عدالته وحكمته.

تلخص من هذا البحث امور:

1 ـ برهان النظام من أوضح البراهين الدالة على وجود الله الخالق بعد برهان الفطرة، وهو يتمشى مع القول بحدوث المادة وقدمها.

٢ ـ يتألف برهان النظم من صغری، وكبری ونتیجة والصغرى هي اثبات وجود النظام البديع في الكون، وتتكفل بإثباتها العلوم الطبيعية والنظر والمشاهدة والكبرى وهي حكم العقل بان لكل كائن نظماً كان أو غير ذلك علة موجدة، والنتيجة هي ان لهذا النظام البديع علة.

3 ـ النظم عبارة عن الترابط والتعاون بين أجزاء مجموعة واحدة لتحقيق هدف معين بحيث يكون كل جزء في هذه المجموعة مكملا لها، ويكون فقدانه موجبا لعدم تحقق الهدف المطلوب منها.

4 ـ النظام هو الفارق بين فعل التدبير وفعل الصدفة فما كان منظماً كالقصر المشید علی احسن هندسة كان من فعل الفاعل المدبر الحكيم وما كان فوضى كالتل المكرم بعشوائية من المواد الانشائية كان وليد الصدفة العمياء، وهذا هو الضابطة الثابتة للتمييز بين وليد التدبير ووليد الصدفة.

5 ـ الالهي يشارك المادي في الاعتراف بالعلل والأسباب الطبيعية كما تشهد بذلك مؤلفاتهم الفلسفية، ويصرح به القرآن الكريم. ويخالفه في ارجاع مجموعة الاسباب والمسببات الى علة عليا على العكس من موقف المادي الذي ينكر هذه العلة العليا.

6 ـ خلاصة ما يستفاد من مشاهدة الظواهر الكونية المختلفة، والعلاقات السائدة في عالم الفضاء، والنبات، والحيوان، والانسان والجماد، هو «النظام» بمعنى الترابط والتنسيق والمحاسبة والدقة والهدفية، وكل ذلك يدل على وجود خالق مدبر علیم وراء هذا النظام الكوني البديع.

7 ـ حساب الاحتمالات وهو صورة اخرى من برهان النظام يقتضي باستحالة توفر الحياة على الأرض، المشروطة باجتماع ملايين الشروط والعلل الطبيعية، وبنسب دقيقة متنوعة، عن طريق الصدفة، لان ذلك الاحتمال يكاد يصل إلى حد الصفر الرياضي.

8 ـ التوازن السائد بين اشياء الكون، والضبط الحاكم عليها وخضوعها لنسب ومقادیر خاصة متناسية، يعتبر صورة ثالثة لبرهان النظم، وهو يدل على وجود عقل جبار، وفاعل حكیم خبیر، وارادة عليا ارسی هذا التوازن اللازم للحياة وهذا الضبط الذي يكبح جماح الأشياء، ويحد من نموها المطرد المضر بما أقر من قوانین واقام فيها من اجهزة وسنن.

9 ـ اهتداء الحيوانات إلى اختيار ما يصلحها عند موارد غير متوقعة، وابتكار بعض المواقف من الأدلة الأخرى على وجود الله.

10 ـ اهتداء الحيوانات ان كان ناشئاً من نظام تركيبها العضوي فهو يعتبر صورة رابعة البرهان النظم، وان كان بالهام الله ووحيه كان دليلا مستقلا.

11 ـ يمتاز برهان النظم على غيره من البراهين بامور هي: انه برهان حسي عقلي، ولهذا فهو برهان بدیهی، وهو لا يحتاج الا الى اثبات جانب من النظام، كما ويتمشى مع تقدم العلوم، وهو برهان سهل المأخذ، ويتضمن بیان النعم الالهية، وقد اهتم به القرآن الكريم أكثر من البراهين الأخرى.

.................................
(1) هذا الامتياز غير الأول، فمصب الكلام الأول هو بداهة أركان البرهان، وانه بحيث لا يحتمل جدلا، ومصب الكلام هنا هو وبساطة وعمومية هذا البرهان.

اضف تعليق