بين طالبة تحفظ الدرس وطالبة تفكر فيه، قد تكون هناك مسافة صغيرة اسمها: طريقة التدريس. من هذه المسافة بدأت الباحثة رحلتها البحثية، وهي تحاول أن تعرف ماذا يمكن أن يحدث داخل الصف عندما تتغير طريقة تقديم المعرفة، من دون أن يتغير الكتاب أو المنهج...

بين طالبة تحفظ الدرس وطالبة تفكر فيه، قد تكون هناك مسافة صغيرة اسمها: طريقة التدريس.

من هذه المسافة بدأت الباحثة ضحى مازن الدهلكي رحلتها البحثية، وهي تحاول أن تعرف ماذا يمكن أن يحدث داخل الصف عندما تتغير طريقة تقديم المعرفة، من دون أن يتغير الكتاب أو المنهج.

في رسالتها للماجستير، من قسم التاريخ في كلية التربية الأساسية بجامعة ديالى، اختبرت أثر أنموذج التعلم الفائق في تحصيل مادة الاجتماعيات وتنمية التفكير التدبري لدى طالبات الصف الثاني المتوسط، بإشراف الأستاذة وجدان جاسم العبيدي.

لكن الأرقام التي ظهرت في نهاية التجربة فتحت سؤالًا أكبر من حدود الرسالة: هل المشكلة فيما نعلّمه لأبنائنا، أم في الطريقة التي نعلّمهم بها؟

مع الدهلكي، نعود إلى الصف، إلى لحظة التجربة، إلى الطالبات، وإلى تلك المسافة التي قد تغيّرها طريقة تدريس واحدة.

بدايةً، بحثكِ بدأ من ملاحظة تتعلق بتدريس مادة الاجتماعيات، لكن خلف هذه الملاحظة تبدو قضية أكبر تتصل بطريقة تعلّم الطالب نفسه. ما الذي رأيتِه في الواقع التعليمي ودفعكِ إلى اختيار هذا الموضوع؟

انطلقت في اختيار موضوع البحث من ملاحظة ميدانية تتعلق بواقع تدريس مادة الاجتماعيات، إذ تبيّن أن أغلب مدرّسات المادة ما زلن يعتمدن على أساليب الحفظ والتلقين التقليدية، الأمر الذي يجعل الطالبة متلقية سلبية للمعلومة دون أن تشارك فعلياً في بناء المعرفة، وينعكس ذلك سلباً على مستوى تحصيلها الدراسي وعلى تنمية قدراتها الفكرية. ولتوثيق هذه الملاحظة علمياً، وجّهت الباحثة استبانة استطلاعية لعينة من مدرّسات الصف الثاني المتوسط في (20) مدرسة، وأظهرت نتائجها أن نسبة كبيرة من المدرّسات يقررن وجود تدنٍ في مستوى التحصيل الدراسي لدى الطالبات، وأن (90%) منهن يعزين هذا التدني إلى عدم استعمال نماذج أو استراتيجيات تدريسية حديثة، فضلاً عن أن (85%) من الطالبات يعانين ضعفاً واضحاً في مهارات التفكير التدبري.

وقد تولّدت من هذه المعطيات قناعة علمية بأن جوهر المشكلة لا يتعلق بمحتوى المادة الدراسية بحد ذاته، بقدر ما يتصل بطريقة تفاعل الطالبة مع عملية التعلم ذاتها؛ أي أن القضية الأعمق تكمن في غياب بيئة تعليمية تُفعّل دور الطالبة وتمنحها فرصة المشاركة الإيجابية في بناء معرفتها. وعلى هذا الأساس، اتجهت الباحثة إلى تبني أنموذج التعلم الفائق بوصفه أنموذجاً تدريسياً حديثاً يسهم في تحويل الطالبة من متلقية سلبية إلى مشاركة فاعلة في العملية التعليمية

عندما يواجه الطالب مادة تعتمد على الأحداث والمعلومات والتواريخ، أين تبدأ المشكلة تحديدًا في طبيعة المادة، أم في طريقة تقديمها، أم في الطريقة التي اعتاد الطالب أن يتعلم بها؟

تشير معطيات البحث إلى أن جوهر المشكلة لا يكمن في طبيعة المادة الدراسية بحد ذاتها، فمادة التاريخ والاجتماعيات تُعد من أغنى المواد بالمضامين المعرفية والقيمية، وتتيح فرصاً واسعة لتنمية التفكير التحليلي والنقدي لدى المتعلم. وإنما تكمن المشكلة الأساسية في طريقة تقديم هذه المادة، إذ لا يزال أغلب المدرّسين يعتمدون على أسلوب الحفظ والتلقين المباشر للأحداث والتواريخ، دون ربطها بسياقاتها أو تحفيز الطالب على التفكير فيها وتحليلها.

وقد أفرزت هذه الطريقة في التقديم نمطاً تعليمياً اعتاد عليه الطالب مع الوقت، قائماً على التلقي السلبي وتدوين ما يُملى عليه دون مشاركة فعلية في بناء المعرفة، وهذا ما أكدته نتائج الاستبانة الاستطلاعية التي طُبّقت ضمن هذا البحث، إذ عزت غالبية المدرّسات ضعف التحصيل إلى غياب استعمال النماذج والاستراتيجيات التدريسية الحديثة.

اخترتِ في دراستكِ «نموذج التعلم الفائق». ما الذي وجدتهِ في هذا النموذج حتى رأيتِ أنه قادر على إحداث تغيير داخل الصف؟

ما وجدته في أنموذج التعلم الفائق هو ارتكازه على إطار تعليمي مستمَد من نظريات التعلم البنائية وأبحاث الدماغ، وهو ما يميّزه عن الطرائق التقليدية التي تقتصر على نقل المعلومة بشكل مباشر. فهذا الأنموذج يُعلي من شأن توظيف منظومة من الاستراتيجيات التي تُحفّز انخراط المتعلم الفعلي في عملية التعلم، مما يجعله قادراً على بناء معرفته بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية داخل البيئة الصفية.

كما لفت انتباهي اهتمام هذا الأنموذج بتفعيل الحواس المختلفة لدى المتعلم، واستثمار قدراته العقلية والجسمية والحسية أثناء عملية التعلم، من خلال ربط المعرفة بالخبرات والتجارب التعليمية المتنوعة، وهو ما يسهم في تعزيز فهم الطالبة للمادة الدراسية وتنظيم المعلومات في بنيتها المعرفية بدلاً من حفظها بشكل منفصل ومجزّأ.

وإضافة إلى ذلك، فإن الأنموذج يراعي تنويع طرائق عرض المحتوى والأنشطة الصفية بما ينسجم مع اختلاف أنماط تعلّم الطالبات وخصائصهن الفردية، ويشجعهن على المشاركة الفعلية، فضلاً عن اعتماده على بيئة تعليمية إيجابية قائمة على التفاعل والتعاون بين الطالبات، وهذا ما رأيت فيه قدرة حقيقية على تحويل الصف من فضاء لتلقي المعلومة إلى فضاء لبنائها بمشاركة الطالبات أنفسهن.

الرسالة تفرق بين مجرد تحصيل المادة وبين تنمية التفكير التدبري. ماذا يحدث للطالب عندما ينتقل من استقبال المعلومة إلى التأمل فيها وتحليلها وربطها بما حوله؟

عندما تنتقل الطالبة من مجرد استقبال المعلومة إلى التأمل فيها وتحليلها، فإنها تنتقل فعلياً من موقع "المتلقي السلبي" إلى موقع "المشارك الفاعل" في بناء المعرفة، وهذا التحول هو جوهر الفرق بين التحصيل بمفهومه التقليدي وبين تنمية التفكير التدبري كما تناولته الرسالة.

فالتفكير التدبري، وفق ما استندت إليه من الأدبيات النظرية، لا يقتصر على فهم المعلومة، بل يتضمن دافعية داخلية تحفّز الطالبة على التخطيط لتحقيق أهدافها، مقرونة بالمثابرة والإصرار عند مواجهة الصعوبات، وقدرة على توليد مسارات بديلة للتفكير بدلاً من الاستسلام أمام العقبة الأولى. وهذا ما يجعل الطالبة أكثر قدرة على ربط الحدث التاريخي أو الاجتماعي بسياقه، وبما حولها من واقع معاش، بدلاً من التعامل معه كمعلومة منفصلة تُحفظ ثم تُنسى.

وقد أكدت نتائج البحث هذا التحول عملياً، إذ أظهرت المجموعة التجريبية التي درست بأنموذج التعلم الفائق فرقاً دالاً إحصائياً لصالحها في اختبار التفكير التدبري البعدي مقارنة بالمجموعة الضابطة، وهو ما يعني أن تفعيل دور الطالبة في التعلم لا يرفع تحصيلها الدراسي فحسب، بل يُنمّي لديها أيضاً قدرة أعمق على التحليل والربط والتخطيط، وهي مهارات تتجاوز أثرها حدود المادة الدراسية لتمتد إلى تعاملها مع مواقف الحياة المختلفة.

هل يمكن أن يكون لدينا طالب يحفظ الإجابة الصحيحة في الامتحان، لكنه لا يمتلك القدرة على التفكير في السؤال الذي أنتج تلك الإجابة؟

نعم، وهذا بالضبط ما تشخّصه مشكلة البحث بوضوح. فالطالبة التي تعتمد أسلوب الحفظ والتلقين قد تصل إلى الإجابة الصحيحة في الامتحان عبر استرجاع معلومة محفوظة مسبقاً، دون أن تكون قد مرّت فعلياً بعملية تفكير تحلل من خلالها السؤال أو تربط عناصره ببعضها؛ أي أنها تمتلك "الناتج" دون أن تمتلك "المسار الذهني" الذي أوصلها إليه.

وهذا ما أشارت إليه الرسالة عند تناولها لواقع تدريس مادة الاجتماعيات، إذ بيّنت أن اعتماد المدرّسات على الحفظ والتلقين يجعل الطالبة تدوّن ما يُملى عليها دون تفاعل حقيقي مع المضمون، وهو ما أدى إلى ضعف واضح في مهارات التفكير التدبري لدى (85%) من الطالبات وفق نتائج الاستبانة الاستطلاعية، رغم أن هذا لا يمنع بعضهن من تحقيق تحصيل مقبول قائم على الحفظ فقط.

ومن هنا برزت أهمية التمييز بين التحصيل بوصفه ناتجاً معرفياً ظاهرياً، وبين التفكير التدبري بوصفه عملية ذهنية أعمق تتضمن المثابرة والتخطيط والقدرة على توليد مسارات بديلة للفهم. وهذا التمييز هو ما دفع الباحثة إلى قياس المتغيرين معاً (التحصيل والتفكير التدبري) بأداتين منفصلتين، لأن ارتفاع الدرجة في أحدهما لا يعني بالضرورة تحقق الآخر، وقد أثبتت نتائج البحث أن أنموذج التعلم الفائق يسهم في الاثنين معاً، أي في الوصول إلى الإجابة الصحيحة وفي فهم الطريق الذي أوصل إليها.

دراستكِ اعتمدت مجموعتين: تجريبية درست وفق نموذج التعلم الفائق، وضابطة درست بالطريقة الاعتيادية. ماذا كشفت المقارنة بين المجموعتين؟

كشفت المقارنة بين المجموعتين عن فروق دالة إحصائياً لصالح المجموعة التجريبية في كلا المتغيرين اللذين تناولهما البحث. ففي اختبار التحصيل الدراسي، أظهرت طالبات المجموعة التجريبية اللاتي درسن مادة الاجتماعيات وفق أنموذج التعلم الفائق مستوى تحصيل أعلى بدلالة إحصائية عند مستوى (0.05) مقارنة بطالبات المجموعة الضابطة اللاتي درسن بالطريقة الاعتيادية.

وكذلك الأمر بالنسبة لاختبار التفكير التدبري البعدي، إذ تفوقت المجموعة التجريبية بفارق دال إحصائياً على المجموعة الضابطة، وهو ما يؤكد أن الأثر لم يقتصر على الجانب المعرفي (التحصيل) فحسب، بل امتد إلى الجانب المهاري المتمثل بتنمية التفكير التدبري. كما أظهرت النتائج فرقاً دالاً إحصائياً لصالح التطبيق البعدي مقارنة بالقبلي داخل المجموعة التجريبية نفسها في اختبار التفكير التدبري، في حين لم يظهر هذا الفرق بذات المستوى لدى المجموعة الضابطة.

وتجدر الإشارة إلى أن لم أكتفِ بإثبات الدلالة الإحصائية للفروق، بل استعملت مؤشر حجم الأثر وفق تصنيف كوهين لتحديد قوة هذا التأثير، وليس فقط وجوده، وهذا ما يمنح النتائج قيمة علمية إضافية تتجاوز الاكتفاء بالدلالة الإحصائية إلى قياس حجم الفائدة الفعلية التي تحققت من استعمال الأنموذج.

نتائج الدراسة أظهرت تفوق المجموعة التجريبية في التحصيل وفي اختبار التفكير التدبري. عندما ظهرت هذه النتيجة أمامكِ، ما أول سؤال خطر في بالكِ كباحثة؟

عندما ظهرت هذه النتيجة، لم يكن السؤال الأول لي عن مجرد وجود فرق دال إحصائياً بين المجموعتين، بل عن مدى قوة هذا الأثر وحقيقته العلمية؛ أي هل الفرق كبير بما يكفي ليُعتد به تربوياً، أم أنه فرق طفيف لا يرتقي إلى مستوى التوصية باعتماد الأنموذج ميدانياً؟ ولذلك لم تكتفِ الباحثة بنتيجة الاختبار التائي (t-test) وحدها.

وللإجابة عن هذا التساؤل، استعملت معادلة كوهين (Cohen) لاستخراج حجم الأثر، فتبيّن أن حجم الأثر في متغير التحصيل بلغ (1.830)، وهي قيمة تُصنَّف ضمن الحجم الكبير جداً وفق تصنيف كوهين، كما بلغ حجم الأثر في اختبار التفكير التدبري البعدي (0.60)، وهي أيضاً قيمة ضمن الحجم الكبير. وهذا ما أكّد أن التفوق الذي حققته المجموعة التجريبية ليس فرقاً عابراً أو ناتجاً عن الصدفة الإحصائية، بل هو أثر فعلي وذو قيمة تربوية ملموسة.

وبعد الاطمئنان إلى قوة هذا الأثر إحصائياً، انتقل تساؤل إلى بُعد تطبيقي: كيف يمكن الإفادة من هذه النتيجة ميدانياً؟ وهذا ما انعكس لاحقاً في توصيات البحث التي دعت إلى تدريب المدرّسين والمدرّسات على استعمال النماذج التدريسية الحديثة، ومقترحاته بإجراء دراسات مماثلة على مراحل ومواد دراسية أخرى، توسيعاً للاستفادة من هذا الأنموذج.

حجم الأثر في اختبار التفكير التدبري ظهر مرتفعًا وفق المعيار المستخدم في الدراسة. ماذا يعني هذا الرقم عندما نترجمه من لغة الإحصاء إلى واقع الطالب داخل الصف؟

حجم الأثر يجيب عن سؤال بسيط، وهو: هل الفرق بين المجموعتين فرق حقيقي وملموس، أم أنه فرق بسيط لا يستحق الاهتمام؟ وبما أن قيمة حجم الأثر بلغت (0.60)، وقد صُنّفت وفق المعيار المعتمد في البحث ضمن حجم الأثر الكبير، فهذا يعني أن الفرق بين الطالبات اللواتي دُرّسن بأنموذج التعلم الفائق والطالبات اللواتي دُرّسن بالطريقة الاعتيادية كان فرقًا واضحًا وملموسًا، وليس فرقًا بسيطًا أو عابرًا.

وعلى أرض الواقع داخل الصف، ظهرت آثار هذا الفرق في سلوك الطالبات وطريقة تفكيرهن؛ فالطالبة التي درست وفق هذا الأنموذج أصبحت أكثر قدرة على الصبر ومواصلة التفكير في المشكلة حتى الوصول إلى الحل، بدلًا من التوقف عند أول عقبة. كما أصبحت أكثر قدرة على تحفيز نفسها والاستمرار في أداء المهمة بدلًا من الاستسلام سريعًا، وأصبحت قادرة على التفكير في أكثر من طريقة للوصول إلى الحل، بدلًا من الاعتماد على حفظ إجابة جاهزة وتكرارها.

وهذا يفسر أيضًا ظهور فرق واضح لدى المجموعة التجريبية بين نتائجها قبل تطبيق التجربة وبعدها في التفكير التدبري؛ فالتغير الذي حدث لم يكن عشوائيًا، وإنما كان نتيجة فعلية لتطبيق الأنموذج.

ومن هنا جاءت توصيتي باستخدام هذا الأنموذج في مواد دراسية وصفوف أخرى؛ لأنه لا يقتصر أثره على رفع درجات الطالبات، وإنما يسهم في تطوير طريقة تفكير الطالبة نفسها، وتعزيز قدرتها على المثابرة والتحليل والبحث عن حلول متعددة للمشكلات.

أثناء انتقالكِ من الجانب النظري إلى التطبيق داخل الصف، هل تغيرت نظرتكِ أنتِ إلى مفهوم «المدرس الجيد»؟

التطبيق العملي للتجربة داخل الصف عزّز لديه تصوراً أكثر دقة لمفهوم "المدرس الجيد"، إذ لم يعد هذا المفهوم في ضوء نتائج البحث مرتبطاً بمقدار المعلومات التي يلقّنها المدرّس للطالبة، بل بقدرته على تصميم بيئة تعليمية نشطة تُحوّل الطالبة من متلقية سلبية إلى مشاركة فاعلة في بناء المعرفة، وهذا ما أكدته استنتاجات البحث حين بيّنت أن خطوات أنموذج التعلم الفائق أسهمت في إضفاء الحيوية على دروس الاجتماعيات وتحويل دور الطالبة داخل الصف.

فالمدرس الجيد، وفق ما تكشّف من خلال التطبيق الميداني، هو من يوظّف نماذج واستراتيجيات تدريسية حديثة تراعي تفعيل حواس المتعلم وقدراته المختلفة، بدلاً من الاقتصار على أسلوب الحفظ والتلقين التقليدي الذي بيّنت نتائج الاستبانة الاستطلاعية أنه ما زال سائداً لدى أغلب مدرّسات المادة. وهذا ما انعكس أيضاً في توصيات البحث التي دعت إلى تنظيم دورات تدريبية متخصصة لمدرسي الاجتماعيات حول أنموذج التعلم الفائق وكيفية تطبيق خطواته داخل الفصل الدراسي، فضلاً عن التوصية بإدراج هذا الأنموذج ضمن مقررات طرائق التدريس في كليات التربية.

وبذلك، فإن الانتقال من الجانب النظري إلى التطبيق لم يُغيّر قناعتي بأهمية المدرّس بوصفه محوراً أساسياً في العملية التعليمية، لكنه أعاد تحديد طبيعة هذا الدور؛ من ناقل للمعلومة إلى موجّه ومُيسّر لبيئة تعلّم تفاعلية تمنح الطالبة فرصة اكتشاف المعرفة والتعبير عن أفكارها بحرية.

ما الموقف أو الملاحظة التي بقيت في ذاكرتكِ من الطالبات أثناء تنفيذ التجربة؟

من أبرز ما رصدته خلال فترة تطبيق التجربة هو التحوّل التدريجي في طريقة تفاعل طالبات المجموعة التجريبية مع الدرس؛ فبعد أن كنّ في بداية التطبيق معتادات على دور المتلقي الصامت لمادة الاجتماعيات، بدأن مع تقدّم الحصص يُظهرن انخراطاً أكبر في الأنشطة الصفية، وأصبحن أكثر إقبالاً على طرح الأسئلة والمشاركة في مناقشة الأحداث والمواقف بدلاً من الاكتفاء بتدوين ما يُملى عليهن.

كما لاحظت أن بعض الطالبات، ممن كنّ يترددن في البداية عن التعبير عن آرائهن، صرن مع استمرار تطبيق خطوات أنموذج التعلم الفائق أكثر ثقة بأنفسهن أثناء تحليل الأحداث وربطها بسياقاتها، وهو ما انعكس لاحقاً على نتائجهن في اختبار التفكير التدبري البعدي، إذ أظهرت المجموعة التجريبية فرقاً دالاً إحصائياً مقارنة بالاختبار القبلي.

وهذا التحول الملموس في سلوك الطالبات وتفاعلهن هو ما رسّخ لديه قناعة عملية بأن النتائج الإحصائية التي توصل إليها البحث لم تكن مجرد أرقام على الورق، بل انعكاساً حقيقياً لتغيّر فعلي حصل داخل بيئة الصف نفسها.

لو أعطينا مدرسًا المنهج نفسه والكتاب نفسه والوقت نفسه، ثم طلبنا منه تغيير طريقة التدريس فقط، إلى أي حد يمكن أن يتغير ناتج التعلم؟

تجيب رسالتي عن هذا التساؤل مباشرة من خلال تصميمها التجريبي ذاته، إذ درست المجموعتان (التجريبية والضابطة) المحتوى نفسه من مادة الاجتماعيات، وفي المدة الزمنية نفسها (من 19/2 إلى 23/4/2026)، وضمن الظروف الصفية ذاتها تقريباً، مع فارق واحد متعمَّد هو طريقة التدريس: أنموذج التعلم الفائق للمجموعة التجريبية، مقابل الطريقة الاعتيادية للمجموعة الضابطة. كما حرصت الباحثة على تحقيق التكافؤ الإحصائي بين المجموعتين قبل بدء التجربة في متغيرات قد تؤثر في النتائج، منها العمر الزمني، ودرجات اختبار الذكاء، وتحصيل الطالبات للعام السابق، وتحصيل الوالدين الدراسي، بما يضمن أن أي فرق يظهر لاحقاً بين المجموعتين يُعزى فعلياً لطريقة التدريس، لا لعوامل أخرى.

وقد بيّنت النتائج أن هذا الفارق الوحيد طريقة التدريس كان كافياً لإحداث فرق دال إحصائياً بين المجموعتين، بحجم أثر بلغ (1.830) في التحصيل الدراسي، وهي قيمة كبيرة جداً وفق تصنيف كوهين، وبحجم أثر بلغ (0.60) في اختبار التفكير التدبري، وهي قيمة كبيرة أيضاً بحسب المعيار المعتمد في الرسالة.

كثيرًا ما يُطرح تطوير المناهج باعتباره الطريق الأول لإصلاح التعليم. بعد تجربتكِ، هل أصبح لديكِ رأي مختلف في ترتيب الأولويات بين تطوير المنهج وتطوير طريقة التدريس؟

يمكنني القول إن نتائج التجربة عزّزت لي قناعة علمية تميل إلى إعادة ترتيب الأولويات لصالح تطوير طريقة التدريس، دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية تطوير المنهج، بل بمعنى تحديد أي المتغيرين أكثر قابلية لإحداث أثر مباشر وسريع على مخرجات التعلم.

فقد أثبتت التجربة أن المجموعتين درستا المنهج والمحتوى نفسه، وفي المدة الزمنية نفسها، ومع ذلك ظهر فرق دال إحصائياً وبحجم أثر كبير جداً (1.830) في التحصيل، وحجم أثر كبير (0.60) في التفكير التدبري، لمجرد تغيير طريقة التدريس. وهذا يعني، من منظور الباحثة، أن المحتوى الدراسي قد يكون سليماً وغنياً بالمعرفة، لكنه يبقى عاجزاً عن تحقيق أثره التربوي الكامل إذا قُدّم بطريقة تقليدية تعتمد الحفظ والتلقين، في حين أن الطريقة الحديثة قادرة على استخراج أقصى استفادة ممكنة من المحتوى نفسه دون الحاجة إلى تغييره.

ومن هنا، رأيت أن الأولوية العملية والأسرع أثراً في الإصلاح التربوي ينبغي أن تكون لتدريب المدرّسين وتأهيلهم على أنموذج وطرائق تدريس حديثة، وهذا ما انسجم مع توصيات البحث التي دعت إلى تنظيم دورات تدريبية متخصصة للمدرّسين حول أنموذج التعلم الفائق، وإدراجه ضمن مقررات طرائق التدريس في كليات التربية، باعتبار أن تطوير أداء المدرّس داخل الصف يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في التعلم دون انتظار دورة تطوير المنهج الأطول أمداً والأكثر تعقيداً من الناحية الإدارية والزمنية.

وبذلك، فإن تجربة البحث لم تُلغِ أهمية تطوير المنهج على المدى البعيد، لكنها أعادت التأكيد على أن طريقة التدريس هي المتغير الأكثر مباشرة وقابلية للتطبيق الفوري في تحسين واقع التعلم

نحن أمام طالب يعيش في بيئة مليئة بالمعلومات والصور والفيديو والمنصات الرقمية. هل ما زالت طريقة التعليم التقليدية قادرة على منافسة البيئة التي يتعلم فيها الطالب خارج المدرسة؟

في الحقيقة، المنافسة هنا ليست بين "طريقة تقليدية بلا وسائط" و"بيئة رقمية غنية بالصور والفيديو"، بل بين موقعين مختلفين للطالبة من عملية التعلم: موقع المتلقي الصامت الذي ترسّخه الطريقة التقليدية، وموقع المشارك الفاعل الذي تفرضه طبيعة أي بيئة تفاعلية سواء كانت رقمية أو صفية. وهذا بالضبط ما شخّصته الرسالة حين بيّنت أن (90%) من مدرّسات المادة يعزين ضعف التحصيل إلى غياب النماذج والاستراتيجيات الحديثة، وأن (85%) من الطالبات يعانين ضعفاً في التفكير التدبري نتيجة هذا النمط التلقيني.

ومن هذا المنطلق، فإن أنموذج التعلم الفائق الذي اعتمدته لم يواجه غياب الصورة والفيديو بوسائط مماثلة، بل واجهه بمبدأ أعمق هو تفعيل حواس المتعلم وقدراته العقلية والحسية والجسمية مجتمعة داخل بيئة صفية تفاعلية، وهو المبدأ ذاته الذي تقوم عليه جاذبية البيئات الرقمية للطالب. وقد أثبتت النتائج أن تفعيل هذا المبدأ حتى دون وسائط رقمية كافٍ لتحقيق فرق دال إحصائياً وبحجم أثر كبير جداً.

بعد إنجاز هذه الدراسة، ما الشيء الذي ترين أن المدرسة العراقية تحتاج إلى تغييره أولًا حتى يصبح التفكير جزءًا من التعليم اليومي، وليس هدفًا مكتوبًا في الأوراق الرسمية؟

استناداً إلى استنتاجات وتوصيات الرسالة، رأيت أن التغيير الأول والأكثر إلحاحاً الذي تحتاجه المدرسة العراقية هو الانتقال من تدريب المدرّس على "ماذا يُدرّس" إلى تأهيله على "كيف يُدرّس"؛ ذلك أن نتائج البحث بيّنت أن اعتماد أنموذج تدريسي حديث وحده مع ثبات المنهج والمحتوى ذاتهما كافٍ لإحداث فرق دال إحصائياً في التفكير التدبري، وهو ما يعني أن غياب التفكير عن الممارسة اليومية ليس مشكلة في المحتوى المقرر، بل في غياب الأداة المنهجية التي تُترجم هذا المحتوى إلى مواقف تفكير فعلية داخل الصف.

ولهذا، أوصيت تحديداً بتنظيم دورات تدريبية متخصصة لمدرّسي ومدرّسات مادة الاجتماعيات حول أنموذج التعلم الفائق وآلية تطبيق خطواته، وبإدراج هذا الأنموذج ضمن مقررات طرائق التدريس في كليات التربية، باعتبار أن تأهيل المدرّس لا فقط تحديث المنهج هو المدخل العملي الذي يجعل تنمية التفكير ممارسة يومية متكررة، لا نشاطاً استثنائياً أو هدفاً مصاغاً بالوثائق الرسمية دون أثر فعلي.

كما أن الرسالة اقترحت إجراء دراسات مماثلة على مراحل دراسية ومواد مختلفة، وهو ما يعكس قناعتي بأن تكريس التفكير كجزء من التعليم اليومي يتطلب تعميم هذا النهج أفقياً عبر المواد والمراحل، لا الاكتفاء بتطبيقه في تجربة أو مادة واحدة، حتى يتحول من إجراء بحثي محدود إلى ثقافة تدريسية راسخة داخل المنظومة التعليمية ذاتها.

وأخيرًا، بعيدًا عن لغة الرسائل الجامعية والأرقام والنتائج؛ ماذا تريدين أن يبقى في ذهن المدرس والطالب وولي الأمر بعد قراءة تجربتكِ؟

أتمنى أن يبقى في ذهن المدرّس أن دوره لا يقتصر على إيصال المعلومة، وإنما يتمثل دوره الأهم في فتح المجال أمام الطالبة للتفكير والمشاركة وطرح الأسئلة، وألا يقتصر دورها على الاستماع والحفظ. فالتغيير البسيط في طريقة التدريس يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في مستقبل الطالبة، حتى وإن بقي المنهج والكتاب على حالهما ولم يطرأ عليهما أي تغيير.

وأتمنى أن يبقى في ذهن الطالبة أنها ليست مجرد متلقية تحفظ المعلومة وتردد الإجابة في الامتحان، وإنما هي قادرة على التفكير والتحليل والربط بين الأفكار والمعلومات إذا أُتيحت لها الفرصة لذلك. وهذا ما يجعلها تحقق الفائدة الحقيقية من التعلم، بحيث ينعكس ما تتعلمه على حياتها، وليس على أدائها في المدرسة والامتحانات فقط.

أما ولي الأمر، فأملي أن يدرك أن نجاح ابنته أو ابنه لا يُقاس بالدرجات وحدها، وأن تنمية طريقة التفكير أكثر أهمية من مجرد حفظ المعلومات؛ لأن ذلك ينعكس على قدرته في اتخاذ القرارات والتعامل مع المواقف المختلفة التي يواجهها في حياته، وليس في المدرسة فقط.

وباختصار، كانت تجربتي محاولة لإثبات أن التغيير البسيط في طريقة التدريس، حتى مع بقاء المنهج والوقت نفسيهما، يمكن أن يُحدث تحولًا في شكل العملية التعليمية بأكملها؛ من تعليم يركّز على الحفظ وتلقّي المعلومات، إلى تعليم يسهم في بناء إنسان قادر على التفكير والتحليل والفهم.

خاتمة الحوار

هنا ينتهي الحوار، وتبقى الفكرة مفتوحة على صفوف دراسية كثيرة، وطالبات ينتظرن فرصة ليتعلمن بطريقة مختلفة. فما كشفته تجربة الباحثة الدهلكي يتجاوز حدود رسالة جامعية أو نتيجة إحصائية؛ إنه تذكير بأن طريقة تقديم المعرفة قد تغيّر علاقتنا بها، وأن الطالبة حين تُمنح مساحة للتفكير، يمكن أن تتحول من مستقبِلة للمعلومة إلى شريكة في صناعتها.

نشكر الباحثة ضحى مازن الدهلكي على هذا الحوار، وعلى ما قدمته من تجربة ورؤية تستحقان التوقف والتأمل، ونبارك لها إنجازها العلمي، متمنين لها مزيدًا من التألق والنجاح في مسيرتها الأكاديمية والبحثية.

كل الشكر والتقدير، وإلى حوار آخر يحمل سؤالًا جديدًا، وتجربة جديدة، وفكرة تستحق أن تُروى.

اضف تعليق