بقلم: جيف توليفسون

في عام 2012، شرعت حكومة النيجر في منح أموال دون مقابل لعدد من مواطنيها الأشد فقرًا. وفي غضون عدد قليل من السنوات، حصلت 100 ألف أسرة ضمها هذا البرنامج على 24 دفعة نقدية شهرية، قيمة كلّ منها 16 دولارًا أمريكيًّا تقريبًا، وهو ما أدى لزيادة القوة الشرائية لتلك الأسر بأكثر من الضعف.

استند البرنامج الذي طبّقته النيجر إلى أدلّة من تجارب مُحكَمة أُجريت على مدى عقود، تفيد بأن ضخ القليل من السيولة النقدية قد يغيّر حياة الأفراد. ولم تتبن النيجر وحدها هذه السياسة، بل أصبحت التحويلات النقدية أداة شائعة الاستخدام لدى سعي الحكومات للتخفيف من وطأة الفقر.

وبعد مرور عدة سنوات، أصبحت جهود النيجر بمثابة أرض حاسمة لاختبار فاعلية جيلٍ جديد من برامج المعونات الموسّعة، التي توفر للمستفيدين منها أشكالًا مختلفة من الدعم الشخصي والاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب الدعم النقدي. ففي تقرير صدر العام الماضي1، رصد البنك الدولي إطلاق أكثر من 200 من البرامج المماثلة في 75 دولة، شملت عددًا من المنتفعين بلغ إجمالًا حوالي 92 مليون شخص.

غير أن هذا العدد لا يعبر إلا عن نسبة ضئيلة من عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع؛ فأكثر من 650 مليون شخص حول العالم يعيشون على إنفاق أقل من 1.90 دولار يوميًّا، وهو ما تستتبعه آثار وخيمة على الصحّة العامة، والاستقرار السياسي والاجتماعي في العديد من المناطق. كما يُضاف إلى تفاقم انعدام المساواة في العديد من الدول منذ بداية جائحة «كوفيد-19».

وكما هو الحال في تجربة النيجر، يستند كثير من برامج مكافحة الفقر المطبقة مؤخرًا على أدلة علمية. فبدايةً من تسعينات القرن الماضي، بدأ الباحثون في إجراء تجارب عشوائية ذات مجموعات مقارنة، عن طريق إلحاق مشاركين بهذه التجارب إما للاستفادة أو لا من إجراءات تدخلية محددة، بهدف اختبار فاعلية أشكال دعم مختلفة، بدءًا من تقديم الإعانات لشراء الكتب الدراسية، وصولًا إلى التوزيع المباشر للإعانات المالية على المنتفعين. واليوم، يعمل عدد من الحكومات ومنظمات الإغاثة على التوسُّع في تطبيق الاستراتيجيات الواعدة، فضلًا عن طرق أسئلة جديدة حول كيفية التصدّي لانعدام المساواة، وضمان وصول تلك المساعدات لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.

أُجري بعض من أحدث تلك التجارب في منطقة الساحل الإفريقي، حيث يرزح نحو 80% من السكان تحت وطأة فقر مُدقع. إذ شهدت تلك المنطقة تعاوُن مجموعات من الباحثين من عدة منظمات بحثية غير حكومية رائدة مع البنك الدولي، للوقوف على السبل التي تضمن تحقيق أعلى مردود ممكن من المساعدات. وتشير النتائج الأولية لهذه التجارب، التي شملت أكثر من 50 ألف أسرة في النيجر والسنغال وموريتانيا وبوركينا فاسو، إلى فوائد تقديم مساعدات أخرى إلى جانب الدعم النقدي، مثل التدريب والتوجيه المهني، الذي يعزّز ثقة الأفراد بأنفسهم2. ففي ذلك الصدد، تشير أريانا ليجوفيني، وهي خبيرة اقتصادية ورئيسة برنامج تقييم الأثر الإنمائي لدى البنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن، إلى أن البنك الدولي يعمل حاليًّا مع ثماني حكومات في بلدان الجنوب العالمي لتوسيع نطاق هذا البرنامج ودراسة برامج أخرى مماثلة.

بيد أن الباحثين يعون أن التجارب التي تُنفَّذ بعناية وفق خطة دقيقة ومدروسة لا تعكس الواقع، فضلًا عن صعوبة محاكاتها في دول وثقافات أخرى. على سبيل المثال، يواجه الباحثون اليوم تحديًا كبيرًا، يتمثل في إيجاد طريقة لتنفيذ البرامج التجريبية على نطاق أوسع، كي تشمل أعدادًا أكبر من المنتفعين. رغم ذلك، بدأت تتكشف بعض الأنماط الناجعة. على سبيل المثال، يمكن أن تغدو المنح زهيدة التكلفة وفعالة في الوقت نفسه، وقد تؤتي الإجراءات التدخلية في مرحلة الطفولة المبكرة ثمارها، كما يمكن أن يحقق تمكين النساء أثرًا دائمًا. بيد أن ليجوفيني وكثيرون غيرها من الباحثين متفائلون بإمكانية نقل هذا التحدي من ساحة العلم إلى ساحة التطبيق على مستوى السياسات العامة. فحول ذلك، تقول: "لم نصل لهذه المرحلة بعد، لكننا نُحرز تقدمًا".

المساعدات النقدية

ليس مستغربًا أن يكون أحد أهم الدروس المستفادة من الأبحاث المحكمة في مسألة الحدّ من الفقر، هو أن تقديم الأموال للفقراء يجعلهم أقل فقرًا. ففي هذا السياق، يقول ديفيد إيفانز، وهو خبير اقتصادي في مركز التنمية العالمية في العاصمة الأمريكية واشنطن: "يكاد هذا يكون بديهيًا".

رغم ذلك، قضى باحثون سنوات من البحث قبل أن تتبدّد مخاوفهم من أن يرفض الفقراء ممارسة الأعمال المشروعة، ويبدّدون تلك الإعانات المالية الجديدة على المغريات مثل الكحول والتبغ3، إذا أُعطوها بلا مقابل. ولم تتجسّد تلك المخاوف على أرض الواقع قط. فما إن بدأ الباحثون الاقتصاديون إجراء تجاربهم حتى غلب حدوث العكس مرارًا وتكرارًا؛ إذ تُرجمت هذه النقود إلى مساحة من الوقت، يستغله الفقراء عادةً بما يعود بالنفع عليهم.

وفي تجربة4 أجريت بين عامي 2011 و2013، اختبر الباحثون فاعلية برنامج تحويلات نقدية بسيطًا في كينيا، تلقت في إطاره مجموعتان من نحو 250 مشاركًا ما يعادل 400 دولار تقريبًا، إما دفعة واحدة، أو على تسع دفعات متساوية. ومن بين هؤلاء، حصلت 137 أسرة على زيادة قيمتها 1100 دولار على مدار سبعة أشهر. وأسهمت هذه الدفعات الشهرية في تعزيز الأمن الغذائي للأسر المشاركة، في حين أن الدفعات الواحدة كانت تُنفق غالبًا على شراء السلع المعمّرة مثل الأثاث. وفي جميع الحالات، لوحظ نشاط اقتصادي، وتحسّن في مستوى الرفاه النفسي للمشاركين. وقد أُجريت تجارب لاحقة في كينيا5، تقضي بمنح نحو ألف دولار أمريكي على دفعات لأكثر من 10,500 أسرة فقيرة في 653 قرية اختيرت عشوائيًّا. وأظهرت نتائج هذه التجارب أن زيادة النشاط الاقتصادي الناتجة عن هذه المساعدات قد عادت بالنفع أيضًا على السكان الذين لم يتلقوا أيًّا منها.

تعقيبًا على ذلك، يقول دين كارلان، المدير المشارك للمختبر العالمي لأبحاث الفقر من جامعة نورث ويسترن في مدينة إيفانستون بولاية إلينوي، وأحد الباحثين الرئيسيين في تجارب منطقة الساحل الإفريقي: "ثمة أناس مُعوزون، ويعانون ضيق ذات اليد. وعند تلقيهم المزيد من الأموال، فهذا يمنحهم الحرية لأداء مزيد من العمل، لا العكس".

وتفرض بعض البرامج شروطًا هدفها الارتقاء بالتعليم أو الصحة العامة. غير أن أبسط هذه البرامج وأقلّها تكلفة هي التي تمنح تحويلات نقدية غير مشروطة. وهو ما توضحه ليجوفيني قائلة: "إنه المعيار الذي نستند إليه، فإذا لم نستطع تحقيق نتائج أفضل، فلِمَ العناء؟"

وبالفعل، وجد اقتصاديون أنهم يستطيعون في أغلب الأحوال تحقيق نتائج أفضل. على سبيل المثال، في عام 2015، شارك كارلان في فريق نَشر دراسةً6 مهمّة توثّق المكاسب المستمرة – فيما يخص الدخل والصحة والنفسية والجسدية - التي حققها برنامج يقوم على تقديم مساعدات أخرى بخلاف المال. وانطلقت نسخة تجريبية من البرنامج في ست دول في ثلاث قارات. وتضمنت المساعدات التي وفرها البرنامج، تقديم أصول منتِجة، مثل الماعز أو الدجاج، إضافةً إلى دعم نقدي مؤقت، ومواد تعليمية طويلة الأمد، مثل التدريب على ريادة الأعمال، واكتساب مهارات حياتية. وهذا النهج "التدريجي" متعدد المحاور أًصبح المعيار الذهبي، لكن الباحثين الاقتصاديين ما زالوا يعملون على تطوير هذا النموذج.

وفي أحدث نسخة من البرنامج في منطقة الساحل الإفريقي2، عمد كارلان وفريقه البحثي إلى تنويع الإجراءات التدخلية في أكثر من 300 قرية، حيث كان المشاركون في جميع مجموعات البرنامج يحصلون بالفعل على مساعدات نقدية بسيطة عبر برنامج مِنح حكومي. وبدايةً من العام 2016، تلقّى جميع المشاركين في البرنامج تدريبًا في مجال الأعمال التجارية، بما في ذلك دورة تدريبية في ريادة الأعمال، مصممة خصيصًا للأمّيين، فضلًا عن جلسات دورية يديرها مدربون محليون. كما أسّس الباحثون صندوق ادخار وإقراض لزيادة المدخرات النقدية وتقديم القروض عند الحاجة.

وعلاوةً على التدريب، تلقى المشاركون في إحدى المجموعات منحةً نقدية قيمتها حوالي 310 دولارات، في حين تلقت مجموعة أخرى تدريبات تستهدف التمكين المجتمعي وتعزيز مهارات التواصل الشخصي، ومهارات حياتية أخرى. وهي المجموعة نفسها التي شاهد أفرادها، وناقشوا مع غيرهم من السكان، أحد الأفلام عن زوجين يتغلبان بدعم من عائلتيهما ومجتمعهما على العديد من العقبات الشخصية والاقتصادية. وقد حصلت المجموعة الأخيرة على مساعدات نقدية إلى جانب دعم نفسي واجتماعي.

ورغم أن المجتمعات التي طُبقت فيها جميع الحلول العلاجية حققت نتائج أفضل من غيرها، تشير النتائج إلى أن المساعدات النفسية والاجتماعية، لا تقلّ أهمية عن المساعدات النقدية. وفي واقع الحال، عند أخذ الجدوى الاقتصادية وحدها بالاعتبار، نجد أن تلقي الدعم النفسي والاجتماعي دون الدعم النقدي الإضافي، قد حقق نتائج أفضل من الإجراءات التدخلية الأخرى. من هنا، يرى كارلان أن الرسالة واضحة، فيقول: "علينا أن نولي المزيد من الدراسة للجوانب الأخرى للفقر؛ فالمشكلة لا تتلخص في المال وحسب".

ضرورة التوسع في مكافحة الفقر

تعلّم العلماء هذا الدرس من تجارب سابقة. ففي تجربة7سبقت الموجة الحالية من التجارب، اختبرت طبيبة الأطفال سالي جرانثام-ماكجريجور فاعلية مجموعة من الإجراءات التدخلية المنزلية المصمّمة لرفع مستوى التغذية، وتعزيز التفاعل بين الأم والطفل، وزيادة التطوُّر المعرفي بين أكثر من 125 طفلًا يعانون سوء التغذية في جامايكا، تراوحت أعمارهم بين 9 إلى 24 شهرًا، عند بدء تلك الدراسة التي استمرت عامين في عام 1987. وبعد مرور عقدين، حقق المشاركون في التجربة دخولًا أعلى بنسبة 25% من أقرانهم الذين لم تشملهم تلك التدخلات. وبعد ثلاثة عقود8، زاد الفرق في الدخل بين المجموعتين إلى 37%.

حول ذلك، تقول جرانثام-ماكجريجور، التي أجرت التجربة في جامعة ويست إنديز في كينجستون قبل انتقالها إلى جامعة كوليدج لندن: "عندما بدأتُ هذه التجربة، قيل لي إنها محاولة عبثية، وإنه لا يمكنني التعاوُن مع هؤلاء الأمهات، لأنهن غير حاصلات على قسط كافي من التعليم. والآن، بات معروفًا أنه بالإمكان التعاوُن معهن وخلق تأثير".

بيد أن هذه التجربة تكشف أيضًا التحديات الأساسية التي تكتنف إجراء مثل هذه التجارب، وتفسير نتائجها، وتعميم هذه النتائج على نطاق أوسع. فرغم انبهار جرانثام-ماكجريجور بالآثار التي حققتها دراستها على المدى الطويل، فهي لا تتردد في الإقرار بأنه ما من سبيل لتحديد العامل المسبب لهذا التأثير، أي ما إذا كانت هذه التدخلات قد حققت نتائجها لأنها عزّزت النمو المعرفي للأطفال، أم لأنها غيّرت سلوك الأمهات، أم لكلا الأمرين معًا؟

وثمة تحد آخر يرتبط بالتوسّع في تطبيق تلك التجارب. فعندما حاول العلماء تكرار تجربة جامايكا مع ما يقرب من 700 طفل في كولومبيا، وحوالي 70 ألف طفل في بيرو، كانت الآثار الناتجة عن هذه الإجراءات التدخلية أقل كثيرًا من ذي قبل9. ويوضّح إيفانز أن العبرة المستقاة من ذلك بسيطٌة ومخيفة في الوقت نفسه؛ وهو أن التوسّع في تطبيق الإجراءات التدخلية التي تعتمد على التفاعل بين البشر لن يكون سهلًا".

تعقيبًا على ذلك، يقول إيفانز: "الآلية الأساسية التي تقوم عليها برامج الدعم النقدي بسيطة جدًّا، لكن عند الانتقال لتدريب الآباء، يتطلب هذا انخراطًا مجتمعيًا، وبناء علاقات، ومساعدة هؤلاء الآباء ليكونوا أفضل مما هم عليه، وهي مهمة أكثر تعقيدًا".

"ثمة أناس مُعوزون، ويعانون ضيق ذات اليد. وعند تلقيهم المزيد من الأموال، فهذا يمنحهم الحرية لأداء مزيد من العمل، لا العكس".

ويحذّر إيفانز من أن البرامج الأكثر تعقيدًا، التي تمتد إلى الاستعانة بإجراءات تدخلية شخصية واجتماعية، مثل برنامج النيجر، قد تواجه تحديات شبيهة، إذا سعت الحكومات مستقبلًا لتطبيقها على نطاق أوسع.

ورغم صعوبة تكرار تجربة جامايكا، ترى جرانثام-ماكجريجور أنه لا شك في أن التدخلات المبكّرة يمكن أن تغير حياة الأطفال الفقراء. وقد أعدّ زملاؤها السابقون من فريقها البحثي في جامعة ويست إنديز مواد نُشرت على الإنترنت للبرنامج، الذي أُطلق عليه اسم «ريتش أب» Reach Up، استخدمتها مؤسسات حكومية في العديد من الدول. بيد أن الباحثة تؤكد أهمية استهداف الأفراد الأشدّ احتياجًا بهذه التدخلات، فتقول: "إذا كنت تضع مبدأ الإنصاف نصب عينيك، وليس في استطاعتك مساعدة الجميع، فتأكّد أن تساعد الأطفال الأشد فقرًا".

أهداف مُغفلة

تشغل فكرة إتاحة الموارد للجميع بإنصاف بال الكثير من الباحثين. فمع تسليط الضوء في السنوات الأخيرة على المخاوف من ممارسات التمييز العرقي، واللا مساواة وعدم تمثيل الأطياف المختلفة، أعاد الكثير من العلماء النظر في التجارب العشوائية التي تركّز على قضايا الفقر والصحة العامة، لأنهم أدركوا أن هذه التجارب قد تُقصي باستمرار الفئات الأشدّ احتياجًا للمساعدة.

وقد واجه لورانس امبواجباو، وهو باحث في مجال الصحة من جامعة ماكماستر في هاملتون بكندا، هذه المشكلة للمرة الأولى في موطنه الكاميرون قبل عشر سنوات، عندما كان يدرس قدرة الرسائل النصية على ضمان حصول المصابين بمرض نقص المناعة البشرية (HIV) على أدويتهم المضادة لهذا المرض في الوقت المحدد. وقد ثبتت فاعلية نظام الرسائل ذاك، إلا أن الهواتف مالت إلى أن تكون بحوزة الأغنياء وإلى أن تكون في أيدي الرجال، في أوساط الأسَر التي تمتلك هاتفًا مشتركًا10. وعليه، أدرك امبواجباو أن نتائج تجارب أبحاث الصحة العامة عادةً ما تعكس مشكلة انعدام مساواة، تتمثل في صورة فوارق تكنولوجية دائمة، أو حواجز لغوية أو ثقافية وجغرافية، بدلًا من وضع حلول لهذه المشكلة.

ويضيف امبواجباو إلى أن أغلب الأبحاث في الكاميرون تُجرى باللغة الفرنسية، وهي لغة أقلية هناك، كما تُجرى في منطقة واحدة حول العاصمة، قائلًا: "تستند جميع سياساتنا الصحية إلى أبحاث أُجريت في إقليم واحد".

وحتى في الدول الغنية، مثل الولايات المتحدة، التي تُجرى فيها معظم الأبحاث الإكلينيكية، يُدار عديد من التجارب داخل مستشفيات في مراكز حضرية غنية، ومن ثمّ تُقصي هذه التجارب الفقراء ومجتمعات الأقلية. ويرى امبواجباو أن استهداف تحقيق المساواة في تلك الحالات قد يتطلب تقديم إعانات تتيح السفر لمن تقصيهم هذه التجارب، أو توزيع قسائم تمكنهم من شراء الطعام، من أجل الوصل إلى تمثيل أفضل للأطياف السكانية على اختلافها.

ويشارك باحثون آخرون امبواجباو هذه المخاوف. من ثم، أخذوا في العمل على صياغة مبادئ توجيهية لتحسين وضع البيانات، والإبلاغ عنها في التجارب العشوائية. تعقيبًا على ذلك، يقول شون تريويك، وهو باحث من جامعة أبردين بالمملكة المتحدة: "تستهدف التجارب الإكلينيكية بالدرجة الأولى أشخاصًا يشبهونني كثيرًا؛ فهم ذكور بيض، متوسطو العمر، وأثرياء، على درجة عالية من التعليم، ومغايرون جنسيًا "، ومن الأمثلة التي تتبادر إلى ذهنه على ذلك، التجارب الإكلينيكية للقاح «كوفيد-19» التي استبعدت النساء الحوامل، وتجارب العلاجات السلوكية المعرفية للاكتئاب، التي وصلت نسبة المشاركين البيض فيها إلى 93% من إجمالي عدد المشاركين، وغيرها من التجارب الأخرى التي تستبعد المسنّين أو التي تقتصر على المتحدثين باللغة الإنجليزية، دون سبب واضح.

وفي مبادرة أُطلق عليها اسم «تجربة فورج» Trial Forge، سعى تريويك وأفراد فريقه البحثي لوضع إطار ينظِّم تصميم التجارب الإكلينيكية، بهدف تعزيز المشاركة فيها، داخل أوساط الأفراد من الأقليات العرقية، وغيرهم من المجموعات السكانية التي لا تحظي بتمثيل كافي في هذه التجارب. وقد طُرح هذا الإطار في أكتوبر من عام 2020، وسرعان ما تبنّته رسميًّا معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH). وحول ذلك، يقول تريويك إن الرسالة واضحة: إن لم نتناول الإشكاليات المتعلقة باحتماليات وقوع تحيز وعدم تمثيل الأطياف المختلفة خلال فتح التقديم على طلب الإعانات، "فلن تحقق النتائج المرجوة على الأغلب".

ويقرّ امبواجباو بأن العلماء لن تتاح لهم دائمًا الإمكانات الإحصائية التي تجعلهم قادرين على تقييم تأثير إجراء تدخلي ما على مجموعات مختلفة من السكان، لكنه يرى أن بوسعهم على الأقل مساعدة غيرهم من الباحثين لتحقيق ذلك، من خلال جمع البيانات ذات الصلة بالعِرق، والجنس، والتعليم، والحالة الاجتماعية والاقتصادية بين المشاركين، ومشاركتها، ومن ثمّ، إتاحة الفرصة أمام باحثين آخرين لتجميع البيانات من العديد من الدراسات بطريقة منهجية.

وقد أُثيرت إشكاليات مماثلة فيما يخص جهود التنمية العالمية؛ فعادةً ما تغيب الأبحاث المعنية بتدخلات الحدّ من الفقر عن ساحات البلدان الأشدّ فقرًا، بسبب ما تشهده من نزاعات وانعدام للاستقرار السياسي. وحتى في الدول التي تُجرى فيها تلك الأبحاث، لا يمكن الجزم دائمًا بأن التدخلات موضع الاختبار تعود بالنفع حقًا على من هم في أمسّ الحاجة إليها.

وتشير آنيت براون، وهي خبيرة اقتصادية من شركة «إف إتش آي 360» FHI 360 التي يقع مقرها في مدنية دورهام بولاية نورث كارولينا الأمريكية، ومتخصصة في قضايا التنمية العالمية، إلى أنه في بعض الحالات يجني المشاركون الأيسر حالًا في المجموعة الاستفادة الأكبر من الإجراءات التدخلية. وتستشهد في هذا السياق بتجربة11 انطلقت في تنزانيا في عام 2010، حصل فيها المشاركون على المنح النقدية على أساس حضور فصول التعليم المدرسية، ووجد الباحثون أن احتمالات إنهاء مرحلة التعليم الابتدائي كانت أعلى بين الطلاب الأسر الأيسر حالًا، مقارنةً بأقرانهم الأكثر فقرًا.

في هذا السياق، يقول ماركوس جولدشتاين، وهو خبير اقتصادي لدى البنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن، إن التجارب العشوائية المعنية بتدخلات الحدّ من الفقر، لا تقدّم في كثير من الأحيان معلومات عن الثروة الحالية للمستفيدين منها، أو ما إذا كانت هذه التدخلات قد أسهمت بالفعل في الحدّ من الفقر. على سبيل المثال، قد تركز التجارب المعنية بالتدخلات الزراعية على تبني التقنيات التكنولوجية، بينما تتجاهل أحد أهم الأسئلة، ألا وهو: هل أدى تبني هذه التقنيات بالفعل إلى زيادة ثراء المستفيدين منها؟

ويوضح جولدشتاين هذا قائلًا: "يمكننا أن نؤدي المهمة على نحو أفضل، من خلال تبيان مستويات الفقر للمشاركين في الدراسات على أقل تقدير"، في حين يؤكد كارلان أنه ما من تجربة تخلو من أوجه النقص، وأن التجارب التي تركّز على الفئات الأشد فقرًا قد تُغفل أيضًا مجموعات أكبر من الفقراء، ويقول: "عليك أن تكون واضحًا بشأن البحث الذي تقوم به".

ويُتوقع أن تزداد التحديات التي تواجه الباحثين والحكومات في سعيهما إلى الحد من الفقر وانعدام المساواة. فتقول ليجوفيني إنه مع استمرار الجهود المبذولة لتوسيع نطاق الإجراءات التدخلية الواعدة، لا بد أن يحرص العلماء على فهم الآثار طويلة المدى على الفقراء، فضلاً عن التأثير الاقتصادي الأكبر على المجتمعات ككل. والنبأ السارّ هنا أن الأبحاث العلمية لم تعد ثانوية في مجال التنمية. فبعد إطلاق برنامج تقييم الأثر الإنمائي التابع للبنك الدولي، دون موظفين في عام 2009، تتعاون ليجوفيني حاليًا مع حوالي 250 شخصًا من بينهم عدد من الاستشاريين.

وتعقد ليجوفيني آمالًا على التوسع مستقبلًا في استخدام تلك الأدوات العلمية في برامج تنمية أخرى، بما في ذلك البرامج التي تستهدف علاج البنى التحتية والمناخ وإجراءات الحوكمة. وصحيحٌ أن الوضع لن يتغير بين ليلة وضحاها، لكن ليجوفيني ترى أن العلم قادر على مساعدة واضعي السياسات على اتخاذ قرارات أفضل بشكل عام، وتضيف: "التنمية مسألة معقدة، تتطلب التزامًا بالعمل في بيئات مختلفة، وبناء المعرفة، والفهم لوضع الأمور في نصابها الصحيح".

اضف تعليق