اقتصاد - تنمية

الإنفاق ادّخار لا يضيع

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال الله تعالى في كتابه الحكيم (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) [1] صدق الله العلي العظيم.

حينما يحتوي الشيء على نقيضه في داخله، تختلط الرؤية ولا يعود يتبيّن الطريق على الكثيرين إلا من وهبهم الله سبحانه وتعالى بصيرة نافذة تستكشف بواطن الأمور.

والشيء تارةً يكون ظاهره وباطنه على حد سواء، فظاهره يعكس باطنه وباطنه يوافق ظاهره، في هذه الحالة لا توجد هنالك مشكلة في الرؤية، ولكن عندما يكون للشيء ظاهر وباطن ويكون ظاهره مناقضاً لباطنه في هذه الحالة تصعب الرؤية وتختلط الأوراق.

علماء النفس أجروا تجارب مفصّلة ومختبرية على الكائنات الحية الأخرى، وفصّلوا هذه التجارب في كتبهم، يذكر هؤلاء العلماء بأن من أعقد التجارب التي استعصى حلها على الكائنات الحية والتي أُجريت عليها الإختبارات، هي مشكلة التناقض بين تبعيد وتقريب الهدف، فتارةً تقريب الهدف يكون عملية بسيطة، حيث يحاول الكائن أن يصل إلى طُعمته، وهنالك أداة معينة يستخدمها في تقريب تلك الطُعمة وهذا إمتحان يسير، ولكن في بعض الحالات يقف الكائن الحي أمام تناقض بين تقريب الهدف وتبعيده، -مثلاً- إذا وضعتم حواجز ذات أضلاع ثلاثة ووضعتم الطُعم في وسط هذه الحواجز الثلاثة وأعطيتم للكائن الحي الذي يعيش وراء القضبان أداة معينة كالعصا لكي يستخدم هذه العصا في تقريب ذلك الطُعم المستقر في وسط الأضلاع الثلاثة، فالكائن عادة هدفه يكون تقريب ذلك الطُعم ولكن عندما يقرّب الطعم بواسطة العصا يجد أن هذا الطُعم أو هذه الطُعمة تصطدم بذلك الحاجز، فلا يعود الحيوان يعلم ماذا يصنع، لماذا؟ لأن الوصول إلى هذا الطُعم أو تقريبه يتوقف على تبعيدها، يجب أن تُبعد هذه وثم تُقرب من الجانب الآخر، ولكن هذا الكائن الحي لا يستطيع أن يحل التناقض كيف يمكن تقريب الهدف عن طريق تبعيده، ولذلك أغلب الحيوانات سقطت في هذا الإختبار ولم تبق هنالك إلا بعض الحيوانات الذكية التي حلّت هذا التناقض واستطاعت أن تقرب الهدف عن طريق تبعيده.

مشكلة التناقض بين الظاهر والباطن، أو مشكلة إحتواء الشيء على نقيضه في داخله، تُعد من أهم المشاكل التي توجد أمام الإنفاق في سبيل الله، إن الأفراد الذين لا ينفقون في سبيل الله ولا يشاركون في المشاريع الخيرية ولا يساهمون في عملية البناء الاجتماعي والحضاري، لم يستطيعوا حلّ هذا التناقض بين ظاهر وباطن الإنفاق.

إن الإنفاق من الناحية الظاهرية يعني إتلاف المال الذي حصلت عليه بكد اليمين وعرق الجبين، فيجب أن تدفعه مرة واحدة، وهذا إتلاف لهذا المال وتضييع له من الناحية الظاهرية، وهذا أحد وجوه العملية، ولكن عندما نلاحظ الوجه الآخر من العملة تتجلى أمامنا عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: الادخار للمستقبل الصعب

وهذا لا يُعد إتلافاً، وإنما يُعد حفظاً وصيانة للمال، فإذا افترضنا أن هنالك موظفاً ما يحصل في كل شهر على راتب معين، ويمكنه أن يستفيد من هذا الراتب وينفقه في سبيل حاجاته الشخصية، وهذا طريق، ولكن ماذا يصنع هذا الموظف في سِنِ التقاعد حينما تدركه الشيخوخة ويزحف عليه الهرم ويخلف الضعفُ القوّةَ؟ (جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) [2]، فهل يضطر إلى الإستجداء أمام الآخرين؟ ولكن هذا الموظف إذا أخذ يدخر جزءاً من هذا المال ليوم فاقته وحاجته، أو ادّخر هذا المال في المصرف لذلك الوقت الصعب، فهل يعد هذا الموظف مضيّعاً لماله، طبعاً كلا، لأن هذا عين العقل، وهذا عين التفكير والتدبير، أن يفكر الإنسان في المستقبل، كما يكون في فكر الحاضر، ونحن نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى خلق دارين: دار قريبة تسمى بالدنيا، وهنالك دار أخرى تسمى بالآخرة، والإنسان كما يفكر في هذه الدار الدنيا، يجب عليه أن يدخر لتلك الدار الآخرة، وإذا إدخر الإنسان لتلك الدار لا يعني أنه ضيّع ماله وأتلفه، وإنما فكّر للمستقبل.

الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) عندما كان يرى سائلاً، طبعاً نحن عندما نرى السائل عادةً نعد أن هذا السائل جاء لابتزازنا، أو عندما يأتي هنالك شخص لطلب مال منّا لمشروع خيري نفكر في كيفية التخلص منه، ولكن الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) كان يفكر بمنطق آخر، وكان يقول عندما يرى السائل: مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة [3]، فأنت لا تتمكن أن تحمل هذه الأموال إلى دارك الأخرى، بل تضطر لأن تترك جميع ما في هذه الدار، ولكن هنالك شخص يحمل متاعك إلى الدار الأخرى، فهذا يجب أن تستقبله بل يجب أن تجري خلفه، لا أن تهرب منه ! وهذا شيء طبيعي.

يُنقل إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم ذبح شاةً وأخذ يقسم الشاة قطعة قطعة ويعطي قطعة لهذا وقطعة لذاك وقطعة لتلك الدار وقطعة لهذه الدار، كما هي عادة الأنبياء والأئمة والأولياء، وكانت إحدى زوجاته تنظر إلى الموضوع، فالنبي أعطى هذا الجزء وذلك الجزء واليد والرجل وما أشبه ذلك حتى لم يبق إلا الرقبة، هذه الزوجة خشيت أن الرسول الأكرم يعطي الرقبة أيضاً ويبقون بلا شيء، جاء في حديث عن إحدى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنا نُطعم الناس الأحمرين ونَطعم الأسودين) [4]، كانوا يطعمون الناس التمر واللحم ويأكلون الماء والخبز، فقالت يا رسول الله: لم يبق إلا الرقبة، وتقصد أن يبقي لها الرقبة، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لم يُفن إلا الرقبة [5]... كل تلك الأشياء بقيت لأننا أعطيناها في سيبل الله ولكن الرقبة التي نستخدمها نحن هذه هي التي فُنيت، (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) [6].

كان مجموعة من الأعيان والأمراء وأولاد الأمراء مجتمعين في مكان فأخذ كل منهم يتحدث عن رصيده، قال أحدهم: عندي (كذا...) من المال في هذا المصرف، وقال الثاني: عندي (كذا...) من المال في ذاك المصرف، وقال الثالث: عندي (كذا...) من المال، وهكذا أخذ كلٌ يفتخر بما عنده، (...الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) [7]، وكان أحد هؤلاء صامتاً لا يقول شيئاً، فتوجهوا إليه وقالوا له: لماذا لا تتكلم؟ أنت قل لنا ماذا عندك؟! وهذا الرجل كان قد أنفق ثروته في بناء مرقد الإمام موسى بن جعفر (صلوات الله وسلامه عليه) في الكاظمية، فقال: بعد أن ألحّوا عليه، أنا عندي (كذا...) من المال في (مصرف الإمام موسى بن جعفر)، فضحكوا جميعاً عليه وهزأوا من كلامه، ولكن أي المصارف تبيّن أنها المصرف الواقعي، كل تلك المصارف اندثرت، وكل تلك الأموال فُنيت، والذي بقي هو مصرف الإمام موسى بن جعفر (صلوات الله وسلامه عليه)، فهذه كتبت وبقيت له، فبناءً على ذلك، الادخار للمستقبل الصعب لا يعد تضييعاً وإنما هو حفظٌ وصيانة للمال.

الملاحظة الثانية: المال يبقى وينمو بالإنفاق

علماء الإجتماع لهم بحث مطول في أن هنالك نقمة متزايدة ضد طائفتين هما: أولاً طائفة الحكام وثانياً طائفة الأغنياء والتجار، فالطبقة الحاكمة تثير عادة نقمة المحكومين ضدها، فيما الطبقة الثرية تثير نقمة الفقراء ضدها، وهذا أمر طبيعي.

أولاً: الطبقة الحاكمة

عندما يكون هنالك شخص محروم من المشاركة في القرار السياسي ويجد أنه ليس سوى صامولة صغيرة في ماكنة كبيرة، أو يجد أنه مثل دابة مسيّرة في قطيع لا يعرف اين المسير وأين المصير، فمن الطبيعي أن يثور ضد الطبقة الحاكمة، حيث الضغط يجتمع ويتراكم تدريجياً حتى يولد الإنفجار.

ثانياً: الطبقة الثرية

عندما يرى الشخص نفسه محروماً من ضروريات العيش، وعندما لا يجد حتى لقمة المساء ويبيت على الطُوى هو وعائلته، أو عندما يذهب إلى البيت يجد أطفاله يتصارخون ويبكون جوعاً، فمن الطبيعي أن يثور ويحطم هذا المجتمع الذي ظلمه و حرمه من حقوقه الأولية.

يُنقل عن أبي ذر (رضوان الله تعالى عليه): (عجبت ممن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الأغنياء شاهراً سيفه) [8]، هنالك كاتب ساخر ومعروف، يُقال كان هذا الكاتب ذات يوم من الأيام ماشياً وهو رجل هزيل جداً وضامر، وإذا به يواجه بنائب في البرلمان وهو مكتنز الجسم وبدين جداً، فجاء ذلك النائب إلى هذا الكاتب والتقيا في الطريق، فقال النائب له: من يراك يظن أن في العالم مجاعة! من شدة هزالك وضعفك، فأجابه ذلك الكاتب: ومن يراك يظن أنك سبب هذه المجاعة! لاكتنازه المفرط.

يقولون في الشام مرّ شخص على رجل وإذا به يجده يتلّوى واضعاً يده على بطنه، ويتلوى من الألم، سُئل عما به؟ قال: كان عندنا طعام لذيذ فأكلت منه كثيراً، والآن أعاني من أوجاع في البطن، فمرّ حتى وصل إلى شخص ورآه جالساً على قارعة الطريق ويتلوّى، قال له: خيراً...! قال: مضت عليّ ثلاثة أيام ولم أجد طعاماً آكله، ففكر في نفسه لو أن ذلك الشخص الأول أعطى بعض طعامه لهذا الثاني، لما كان الأول يتلوى من الشبع، ولا الثاني يتلوى من الجوع، إذن، من الطبيعي ان تحدث نقمة بسبب هذه المفارقات، وهذه النقمة تنتهي إلى صدام إجتماعي عنيف... في الآية الكريمة (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [9]، فماذا يعني الربا؟ إنه ربا المال، ويعني زاد المال، والربا في ظاهره ربا، ولكنه في باطنه (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا)، هنا الربا يتضمن التناقض في داخله، ففي ظاهره ربا، ولكن في باطنه محق ونقيصة.

من جملة الأسباب التي ذكرها علماء الاقتصاد في هذا الخصوص، أن الربا يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة وتنتهي هذه الفجوة إلى صدام عنيف بين الطبقتين، فتنهار البنى الاجتماعية، طبعاً عندما يقع الصدام فان المال يُمحق، وفي علم الحضارة يقولون: إنَّ الحضارة تحتاج إلى ظروف مستقرة، و لا يمكن أن تُبنى على رمال متحركة، لذلك لا يمكن للبدو الرُحل أن يبنوا حضارة، وهل رأيتم حضارة بناها البدو الرحل؟ وهذا ما يذكره علماء الحضارة، فالثروة والغنى بحاجة إلى إستقرار إجتماعي، وإن لم يكن هنالك إستقرار إجتماعي، ولم يكن هنالك عطاء، فان المجتمع يضطرب ويكون مصير الثروة والأثرياء هو السقوط، فالثري الذي ينفق فهو بالحقيقة يدخر في جيبه وفي رصيده، وهي ليست بخسارة، وإنما هو تفكير.

عندما حدثت الثورة الشيوعية في روسيا [10] خاف العقلاء في بعض البلدان الأخرى، من إن تسري هذه الثورة إلى بلدانهم، فاجتمعوا وفكروا ماذا يصنعون؟ قالوا إن سبب هذه الثورات زيادة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، فالفقراء يضطرون إلى قلب النظام الاجتماعي، لكن إذا توفرت للفقير أوليات المعيشة، فانه لن يفكر في قلب النظام الاجتماعي، فأخذوا يحاولون تضييق الفجوة بقدر ما أمكنهم وبقدر ما توصلت إليه عقولهم المحدودة، فجعلوا هنالك بعض الرفاه للعمال وشكلوا هناك بعض النقابات للدفاع عن حقوق العمال والطبقات المستضعفة وأجازوا الأحزاب الشيوعية في بلادهم، ورغم أن الحزب الشيوعي مطلق، فهو يصدر صحيفة ومجلة وما أشبه ذلك، لكن هذه الأحزاب لم تنجح في قلب التركيبة الاجتماعية في تلك البلدان، لأنه لا مبرر لهذا العامل ومنذ ذلك الحين إلى هذا اليوم لم تستطع الشيوعية أن تدخل في تلك البلدان، هذا من جانب، ومن جانب آخر، عندما لا تكون هنالك مؤسسات دستورية ولا تكون هنالك مساجد، ولا تكون هنالك حسينيات، ولا يكون هنالك دور للنشر ولا تكون هنالك مطابع، ولا تكون هنالك مؤسسات لمساعدة الفقراء والعجزة، ولا تكون هنالك تكتلات صحيحة أو ما أشبه ذلك، فمن الذي يحفظ البلد أمام الطامعين؟ لا يوجد هنالك من يحفظ البلد، فيصبح مطمعاً للأعداء الداخليين والخارجيين، وهؤلاء الأعداء يأتون ويستولون على كل شيء، ولكم أن تلاحظوا اليوم بلادنا الإسلامية التي تعاني نقصاً في المؤسسات الخيرية وفي المؤسسات الدستورية، هذه البلاد ومنذ أمد طويل وهي عُرضة للإضطرابات والتقلبات والفتن والإنقلابات العسكرية، (نهزة الطامع وقُبسة العجلان وموطأ الأقدام...) [11]، وأرض خصبة لكل المؤامرات الإستعمارية، فكيف يمكن أن نقف أمام هذه المؤامرات إن لم يكن هنالك عطاء ولم يكن هنالك إنفاق، ولم تكن هنالك مؤسسات دستورية.

الملاحظة الثالثة: معادلات ما بعد الطبيعة

أننا نعتقد بأن هنالك إلى جانب معادلات الطبيعة، معادلات ما بعد الطبيعة أيضاً.

إن الله سبحانه وتعالى الذي جعل الكسب والتجارة والسعي سبباً لتحصيل الأموال، فهو تعالى جعل إلى جانب هذه العوامل عواملَ غيبية أيضاً، فالذي ينفق في سبيل الله، يأخذ الله بيده، و ينمي ما أنفق، (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)، فالصدقة تربو، لا في الآخرة فقط، وإنما في الدنيا أيضاً، من هذه المنطلقات وأمثالها نجد أن المسلمين الأوائل كانوا سبّاقين في هذه المجالات، فقد كان دأبهم الإنفاق والبذل في سبيل الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) الذين ضربوا الرقم القياسي في هذا المجال، فقد كان غلّة الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أربعين ألف دينار [12]، وهو مبلغ هائل، لأن الدينار في مصطلح الروايات يعني دينار الذهب، وكان يعادل مثقالاً شرعياً، والمثقال الشرعي هو ثلاثة أرباع الدينار الصيرفي، والمثقال الصيرفي المتداول حالياً، يعادل أربع وعشرين حمصة ذهب، وأربعة وعشرين حمصة ذهب متوسطة تعادل مثقالاً صيرفياً، والمثقال الشرعي أو الدينار الشرعي يعادل ثلاثة أرباع الدينار الصيرفي يعني يعادل ثمانية عشر حمصة ذهب، فأربعين ألف دينار يعني أربعين ألف مثقال ذهب، و أربعين ألف مضروب في ثمانية عشر حمصة... لاحظوا أي عدد هائل يكون؟! كان الإمام (صلوات الله عليه) ينفق كل هذه الأموال ثم يتحيّر - إذا صحّ التعبير- في لقمة العشاء، ولا تبقى له حتى لقمة عشاء.

ذات يوم - القصة ينقلها المحدث القمي [13] رحمة الله عليه- جاء الإمام إلى السوق وعرض سيفه للبيع، والسيف من المستلزمات الضرورية في ذلك الوقت، فهو شيء لا يُستغنى عنه، مع ذلك عرضه الإمام للبيع، وقال من يشتري مني سيفي هذا؟ ولو كنت أمتلك ثمن العشاء لما بعته [14] ! فبالرغم من تلك الثروات الهائلة التي كانت تدر عليه، لم يكن يملك ثمن العشاء، لماذا؟ لأنهم آمنوا حقاً بـ (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)، وفي الرواية (من أيقن بالخلف جاد بالعطية) [15]، فهذا المال لا يذهب هباءً إنما يعود لك أضعافاً مضاعفة.

مخيريق... ذلك الرجل اليهودي من بني النظير - وهم جماعة من اليهود الأثرياء كانوا في أطراف المدينة - جاء وأسلم على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما هو الإسلام يا رسول الله؟ علمه تلاوة شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله، و... غير ذلك، فإلتزم بجميع ذلك، ثم ماذا؟! ثم الإنفاق في سبيل الله، كانت له سبعة بساتين أوصى بجميعها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكرت أسماء البساتين في كتب الروايات والتاريخ، ثم ماذا يا رسول الله؟! ثم الجهاد في سبيل الله، عندما حانت غزوة أحد، جاء مخيريق اليهودي والتحق بتلك الغزوة وقُتل [16]، فمن الإسلام وفرائض الدين والى الإنفاق في سبيل الله ثم قتلاً في سبيل الله، فهذا يدل على أنه رجل آمن بالآخرة حقاً، ومستعد لأن يبذل كل شيء في سبيل الله.

إذاً يجب علينا أن لا نلاحظ الوجه الأول للعملة فقط، إنما نلاحظ الوجه الثاني أيضاً، ونتقدم بكل شجاعة للإنفاق في سبيل الله وفي بناء المؤسسات الخيرية والحضارية، عسى أن تنفعنا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* من محاضرات الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (اعلى الله درجاته)

.......................................
[1] - سورة سبأ: 39.
[2] - سورة الروم: 54.
[3] - بحار الانوار: العلامة المجلسي: ج 46، ص 98.
[4] - راجع: سير اعلام النبلاء: الذهبي: ج 2، ص 188، تلخيص الحبير: ابن حج: ج 1، ص 481.
[5] - راجع: مسند احمد: احمد بن حنبل: ج 6، ص 360.
[6] - سورة النحل: 96.
[7] - سورة الهمزة: 2.
[8] - لقد شيعني الحسين: ادريس الحسيني المغربي: ص 195.
[9] - سورة البقرة: 176.
[10] - المعروفة بثورة اكتوبر عام 1917 م.
[11] - من خطبة السيد فاطمة الزهراء (ع). راجع: الاحتجاج: الشيخ الطبرسي: ج1، ص 136.
[12] - مناقب آل ابي طالب: ابن شهراشوب: ج 1، ص 306.
[13] - الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (1294 ـ 1359 هـ).
[14] - مناقب آل ابي طالب: ابن شهراشوب: ج 1، ص 306.
[15] - نهج البلاغة: ج 4، ص 34 باب المختار من حكم امير المؤمنين (ع).
[16] - بحار الانوار: العلامة المجلسي: ج 22، ص 298.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0