توقفت في منتصف الجادة، قرب بئر ماء صغير لأروي عطشي بشربة ماءٍ عذبة بعد طول رحلة امتدت لأيام، الليل كان قد خيم على المكان، والظلمة أكلت بقايا النور التي تركتها الشمس على حافة الأرض، فقد كانت القرية التي توقفت عندها شبه مهجورة.

حاولت جاهداً ان أتأكد بأن البئر يحتوي على الماء، ولكن دون جدوى... اتيت بشمعة صغيرة كنت قد احتفظت بها في صندوق سيارتي، وأشعلتها بكل هدوء وأدخلت نصف جسدي في البئر ووقفت على انامل قدمي، واذا بجملة "من أنت" تأتي على هيئة صوت عجوز من خلفي، وعلى اثرها فقدت توازني من شدة الخوف وسقطت في البئر.

ارتعبت حد الموت، لم اتأذَ من السقوط بقدر ما تأذيت من صوت العجوز، بعدما سقطت في الماء حاولت السباحة ورميت نفسي على صخرة عتيدة، التقطت أنفاسي وحاولت ان اسيطر على هدوئي، فمن حسن حظي لم يكن البئر بذلك العمق الذي كان من الممكن ان يتسبب في غرقي.

ركض العجوز نحو البئر، واطمئنَّ على سلامتي واعتذر عن موقفه، لكونه لم يقصد إخافتي ولكنه استغرب من وجود بَشَري في هذه القرية المهجورة.

قلت له بصوت خافت: لا عليك، فقط أخرجني من هذا البئر، قال لي العجوز: كما ترى يا ولدي انا عجوز مسكين، لا قوة لي على سحبك، ولكني سآتي بولدي الصغير، وارى ما استطيع فعله لإخراجك من هذا البئر.

بعدما رأيت وجه الولد الذي أتى به العجوز، يأست من خروجي تماماً، لان الولد كان لا يزال طفلاً!، فكيف سيتمكن طفل لم يتجاوز عقده الأول من إخراجي من هذا البئر وانا الذي ازن أضعاف وزنه؟!.

التزمت الصمت، بعدها قام العجوز بربط طرف الحبل بيد الطفل بينما قذف لي الطرف الآخر، وأصبح يصرخ بأعلى ترددات صوته: هيا تستطيعون، احسنتم، اسحبوا... اسحبوا... انتم الافضل، انتم الاقوى.. هيا!.

وبعد دقائق قليلة وجدت نفسي خارج البئر!، استغربت مما حدث، وكأن معجزة حدثت واخرجتني من البئر..

جثوت على الارض والتقطت أنفاسي، وبعدما شعرت بالسكون سألت العجوز: كيف استطعتما إخراجي من البئر؟، انت عجوز هرم، وابنك طفل لم يتعدَ عقده الاول... أظنك ساحراً!.

ضحك العجوز بأعلى ترددات صوته وقال لي: لا يا عزيزي انا لست بساحر، كل ما فعلته هي كلمات التشجيع الجماعية التي قلتها لولدي، ليشعر بانه عضو مهم في مجموعة وانه يساهم في عملية إنقاذ احدهم، لان ولدي اعمى!.

صعقت حينها ولم افهم قبلها بان العمل الجماعي من الممكن ان يؤثر على قدرة الانسان و يقدم من خلاله اشياء تعتبر في بعض الأحيان معجزة.

فنرى بأن القرآن الكريم يؤكد على ضرورة التعاون والتلاحم بين الناس، ويوضح مدى تأثير العمل الجماعي على كيان الأمة، اذ قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة/2).

اذ يعتبر الدين الإسلامي هو الرائد في تبني مبدأ العمل الجماعي، لأن العمل الجماعي يؤدي الى استغلال الجهود والطاقات، وتوحيد الهمم وبث روح المشاركة والوحدة بين صفوف الناس، فمن المعروف بأن اليد الواحدة لا تصفق!.

اذن تكاتف الجهود وروح المشاركة باتت من الامور المهمة التي يرتكز عليها اي مشروع ناجح، اذ ان العمل الجماعي يعتبر من العوامل الأساسية التي تساهم في سرعة انجاز العمل ودقته، ولتبيان أهمية روح الفريق قال الرسول محمد (صلى الله علية وآله وسلم): "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

فالإنسان بطبيعة الحال يشعر براحة وحماس عندما يعمل مع جماعة، ونسبة الإنجازات ترتفع اكثر من لو ان الإنسان عمل بمفرده، كما انه سيوفر جهد ووقت اكبر، لأن العمل الجماعي يختصر الطرق ويصل الى الغايات بصورة اسرع، كما انه سيساعد في تنمية المهارات وتطوير الذات، وكسب خبرات مختلفة، والتفاعل مع الناس بشكل اكثر، وقد نرى أهمية روح الجماعة بشكل واضح في القرآن الكريم، اذ ان اغلب الخطابات الموجهة الى الناس، وخصوصاً التكاليف، هي بصيغة الجماعة، مثل آمنوا، اعملوا، سيروا..الخ.

وحتى في اقامة الصلاة نرى بأن الله رفع ثواب من يقيم الصلاة مع اخوانه المسلمين بشكل جماعة اكثر من ذاك الذي يصلي بمفرده.

فالعمل بروح الفريق يمثل مبدأ التعاون، فأصبح نجاح اي مركز او مؤسسة مقترن بمقدار التعاون الشريف الذي يدور بينهم و لأن من خلال التعاون يشترك الجميع في ابداء الآراء وصنع القرارات وتحويلها الى قرارات فاعلة يتم تطبيقها على ارض الواقع، بلاشك سيحقق العمل الذي يكون خالصاً لله تعالى نجاحاً مهماً يثير تغيراً ملحوظاً للجهة نفسها وللمجتمع ايضاً، لأن يد الله مع الجماعة.

فالعمل الجماعي يمثل القوة للفرد وللمجتمع، ويسعى الى التغيير الايجابي للطرفين، نلاحظ بإن اقوى المجتمعات هي المجتمعات الموحدة والمجتمعة على رأي وقرار واحد، والمتعاونة فيما بينها، فالمجتمع الموحد هو مجتمع ذا هيبة على المتربصين والأعداء، فالعدو بطبعه يخاف ان يخطو نحو الأقوام المتعاونة والمتفقة على كلمة وفعل واحد، كما ان من الصعب جداً هزيمتهم.

ويقول اندرو كارنجي (صاحب مصنع ناجح) في هذا المنظور: "العمل الجماعي هو القدرة على العمل معاً برؤية مشتركة ويمنحنا القدرة على توجيه الإنجازات الفردية باتجاه الأهداف... ذلك هو الوقود الذي يسمح للناس العاديين تحقيق نتائج غير عادية".

وللوصول الى الاهداف وتحقيق نجاحات واسعة يتطلب من الفريق العمل بروح واحدة والتفاني في العمل والاخلاص فيه، وتجاوز العقبات والتفكير بصورة جماعية في عملية صنع القرار، والتدبر في الامور، والتي جميعها تسهل الطريق للوصول الى الأهداف المنشودة.

وهنالك بعض النقاط التي تلعب دورا مهما في نجاح العمل الجماعي منها:

1- الإدارة الحكيمة، عن طريق اختيار قائد يتميز بالإبداع ويعتمد على الابتكار والتفكير، ويركز في عمله على التطوير والتغيير، ويتحمل الأخطاء والمشاكل، ويطبق الأفكار ويعمل بنفسه، ويتعامل بحكمه ويقنع اتباعه، ويهتم بروح الفريق ورفع المعنويات واتمام المهام على اتم وجه، واختيار اعضاء يتمتعون بمهارات الإدارة الأساسية، كالتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، والتقييم، والتي تعدّ جميعها أساساً في الوصول الى الهدف المنشود.

2- العمل بروح الفريق الواحد الذي تجمعه مصلحةٌ مشتركةٌ، وعدم الاهتمام بالجانب الشخصي بصورةٍ تفوق الاهتمام بالمصلحة العامة للمنظمة، وذلك عن طريق وجود روح الاحترامٍ والتآخٍ ضمن أعضاء الفريق، واتباع أساليب المنافسة الشريفة، اذ يعتبر التعاون من الصفات المهمة التي يجب ان يتحلى به افراد الفريق، اذ ان الأُلفة والعمل المشترك وتوزيع الادوار بين الاعضاء تمثل العوامل الاساسية لإنجاح العمل الجماعي.

3- توظيف المهارات، والتشجيع المستمر، وتبادل المعلومات والخبرات بين اعضاء الفريق، واحترام جميع الآراء وتقبل وجهات النظر، والسعي في الوصول الى رأي موحد يحقق هدف الفريق المنشود.

4- تحديد الهدف الأساسي الذي يسعى الفريق الى تحقيقه، وطرح السلبيات والايجابيات التي من الممكن ان يتعرض اليه الفريق خلال العمل، وتوثيق الحلول المناسبة لتلافي المشاكل اضافة الى الشعور الدائم بالمسؤولية، لأن نجاح الفريق او فشله يمثل نجاح اوفشل كل فرد من افراد الفريق ويعود عليه سواء بالضرر او النفع.

ان الأزمات التي باتت تمر على البلدان العربية وبالأخص العراق، والتشتت الوطني الذي نعيشه يعد من اهم اسبابه التفرقة، وعدم الاتفاق على رأي واحد واختلاف الرؤية في منهجية القرار والعمل المحدد، فكثرة الأحزاب وتفرقة الشعب سببت ضعفاً كبيراً في كيان البلد، وبات الوطن يواجه صعوبات كبيرة في السيطرة على الأوضاع. فالشعب الموحد والمتفق على رأي واحد من المستحيل ان يُهزم، ومن الصعب جداً ان يخصع لقيادة جبرية، او نظام دكتاتوري، او يُستغل من قبل نفوذ سياسية التي لها مصالح شخصية.

اذ ان اي عملية اصلاح تتطلب في البداية بث روح الجماعة بين الناس والذي يتم عن طريق نشر ثقافة التعاون ين الشعوب، وتبيان اهمية العمل الجماعي ومدى تأثيره الايجابي على الأفراد والمجتمع، وغرس بذور التعاون في نفوس الأطفال منذ الصغر، وتعميم المشاركة وتوسعة افاق العمل الجماعي للإرتقاء بالوضع الحالي، ولتحقيق الأهداف التي ترفع من شأن الأمة وتصل بها نحو النجاح والإزدهار.

وتبقى القدرة على التخطيط والسيطرة على الفريق، المفتاح الاساسي والاداة الحتمية نحو تحقيق الأهداف المطلوبة والمرجوة التي تسعى اليه المنظمات، اضافة الى إدراك المفاهيم الرئيسية للإدارة الاستراتيجية، تعتبر من الأساليب الإدارية الضرورية لنجاح اي عمل في ظلّ التحديات التي تواجهها المنظمات، لضمان تحقيق النجاح والوصول الى الاهداف المنشودة، باقل جهد ووقت ممكن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1