من المهم ان تعرف المرأة كيف تطرح نفسها في الساحة الإعلامية وتعالج المشاكل التي تواجهها وتواجه المجتمع على نطاق عالمي واسع خصوصاً بعد التطور الجماهيري الذي حصل في المنطقة، وان تعزز من مكانتها في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية وتبين أهمية تواجدها جنبا بجنب الرجل لتكون له سنداً، لأن من تمثل نصف المجتمع يجب ان تشارك في عملية بناء الأمة، وتلعب دورا مهما في تعزيز مكانة الإسلام في العالم، ويحصل ذلك عندما تتوفر في المرأة التي تخرج الى فضاء الاعلام الصفات والمميزات التي ستساهم في عكس الصورة الواقعية والجليلة للإسلام، وترفع من شأن معتنقي هذه الديانة العظيمة، لتستطيع المرأة من منبرها الإعلامي إيصال الانجازات الحقيقية وصوت المرأة المسلمة الى العالم أجمع.

وتخلد انجازات عظيمة وتكون قدوة للنساء على خطى الزهراء (سلام الله عليها)، وتشجع الأخريات في السير على هذه الخطوات المباركة التي هدفها الأول والأخير هو اظهار الصورة الصحيحة للمرأة المسلمة الى كافة الناس في العالم.

فالموقف الإعلامي الكبير الذي شاهدناه للسيدة هي قضية فدك، اذ لم تكن المطالبة بالأرض تمثل هدفا مركزيا لدى الزهراء (عليها السلام) تسعى اليه كمغنم مادي يدرّ عليها من وارداته، ولم تشأ كسباً اقتصادياً يحقق لها مصدراً ضخماً او اعتياديا، ولكنها سيرت ذلك جزءا من الاحتجاج السياسي ضد السلطة واكمال المسيرة الاحتجاجية بفضح هواجسهم الدنيئة إعلاميا.

وكانت الزهراء بهذا أحصف رأيا، واقوى شكيمة وأمضى عزيمة في تفكيرها الإنساني بمصير الرسالة لا غير، وتطبيق احكامها كما رسمها رسول الله، واستمرارية أدائها نقياً خالصا على الوجه الاكمل.

فما اثارته السيدة الكريمة من المطالبة بحقوقها ليس الا دليل واعلام واضح في مطالبة المسلمين بحقوقهم حتى وان لم يكونوا في عازة منها، على سبيل ان فاطمة الزهراء كانت تعلم بأنها أسرع اللاحقين بالرسول الكريم ومع ذلك فأنها طالبت بحقها وفضحت المنافقين ممن أرادوا انتهاك حق اهل البيت واستغلال فدك لسياستهم الدنيئة.

وقد اعتبرت السيدة الزهراء بأن مسألة فدك هي قضية قيادية لا ارضا زراعية، فالسيدة الزهراء تصرح انها طريق للمطالبة بأحقية الامام علي (عليه السلام) بالخلافة من غيره وذلك بأمر من الله ورسوله.

وما كان للزهراء (عليها السلام) أن تتحدث بالمطالبة في هذا بإلحاف كما رأيت في خطبتها في المسجد النبوي وسواها، لو لم تكن واثقة تمام الثقة ومتيقنة عين اليقين بشرعية ما ادعت وموضوعية ما طرحت.

والزهراء (سلام الله عليها) لها وظيفتها القيادية فيما تقرر ولها تكليفها الإسلامي فيما تناظر وتحاور ولها ممارستها المتفوقة بسبر الاحكام الإلهية ومعرفة دلالتها في ضوء القران والسنة.

وقد كان أبو بكر اعلم الناس في عصره بموقع علي والزهراء (عليهما السلام) من الإسلام والكتاب والسنة، والسابقية الى الايمان.

ومراعاة لهذا العلم الذي يدركه إدراكا جيدا، كان عليه أدبيا ان تسمح له نفسه بإعطاء الزهراء ما طالبت به، ولكن أبا بكر كان اذكى من ان يسجل على نفسه الاستجابة لدعوى الزهراء، فلو تطامن واذعن لهذا الحق المشروع، لطالبته الزهراء بالحق المشروع الأعظم وهو التخلي عن الخلافة.

وقد ظلموا الزهراء (عليها السلام) واغتصبوا حقها وحق ذريتها وبعلها، وقال صاحب (بلاغات النساء): "فما رأينا يوماً كان أكثر باكياً، ولا باكية من ذلك اليوم".

وتبقى سياسة الزهراء في الرفض لقرارات السقيفة ومشروع القيادة البديلة بالإضافة الى الخطب التي القتها ومحاجاتها في الإرث، بالإضافة الى حزنها الشديد على والدها هو خير اعلام لتبيان مظلوميتها للناس اجمع، اذ اننا نشاهد ضمن وصيتها لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في دفنها ليلاً واخفاء قبرها هو اعلام الناس بمدى مظلوميتها، وهتك حقها وظلم بنت خير خلق الله.

ويمكن ملاحظة هذا الاعلام القوي المستمر تأثيره الى يومنا هذا، فلا مجال للتنازل عن تجلية واقع الحدث المرير الذي عاشته السيدة الزهراء وتجسيده إعلاميا على ارض الواقع، واخذ العبر وقوة البيان من مواقفها الجليلة.

وهكذا توجت جهادها بهذا الموقف العظيم، الذي ثبت نفوس المعارضين وكشف غوامض المدلسين، وبذلك سجلت فاطمة الزهراء (عليها السلام) الصفحة الثانية بعد أمها خديجة الكبرى في تاريخ جهاد المرأة المسلمة في سبيل الدفاع عن الحق في الحياة على أساس القيم والمبادئ العظيمة، من دون ان يمنعها دورها في الاسرة عن التعليم والتوجيه، وعن النضال في سبيل قضية عادلة، فمن أحق منها، وهي بنت الرسالة، ان تتمثل الرسالة في جميع حياتها.

ولأجل تعميق احتجاجها على جميع أناس ذلك الزمن واعلام مظلوميتها، لم تسمح لأحد من خصومها بالصلاة عليها والمشاركة في دفنها، وهو موقف ما بعد الموت، له دلالته الإعلامية الكبيرة وأثر عظيم في تخليد احتجاجها حياً ما تذكر الناس طريقة دفن بنت النبي، مضافاً إلى أنه عنف في المعارضة يمتد الى ما بعد الموت.

الاّ اننا نستطيع ان نجزم بأن موقف الرسول بأمر من الله في تحديد هذه المكانة العظيمة لفاطمة الزهراء (عليها السلام) كان له وقعاً جذرياً في تغيير النظرة المجتمعية للمرأة على مر العصور، وما تتمتع به المرأة اليوم من الحرية والانفتاح الصائب يعود الى موقف الرسول الاكرم في قلع جذور الجاهلية وتشخيص أرقى انموذج نسوي يكون قدوة لنساء العالم اجمع على مدى الزمن.

إذ كانت الزهراء (عليها السلام) عالمة بما للكلمة من معنى، فإنها كانت تتلقى العلم من مدينة علم الرسالة وهو النبي (صلى الله عـــليه واله وسلم) ومن بابها وهو علي (عليه السلام).

وفي هذا المنظور تبين لنا السيدة الزهراء (سلام الله عليها) بأن نهضة الأمة الإسلامية الرشيدة لن تتحقق إلا بتكاتف كل الايادي وتكامل كل طاقات المجتمع. ودور المرأة لا يقتصر على الزواج وتربية الاولاد فقط، بل يتعدى ذلك ليعبر ميادين التحريض والتشجيع والدعم، ليصل الى الخوض المباشر في العملية القيادية والتصدي للثغرات الإعلامية التي تحاول تشويه الصورة الإسلامية في العالم، لتمثل ذلك صرخة الحق في وجه الظلم وتقف صامدة امام كل تيار يحاول حراك الفتن والجور في المنظومة الإسلامية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0