مهما بلغنا من التجارب والحكمة للترفع عن سفاسف الامور وتجاوز كلام الاخرين، لابد من كلمات تخترق مشاعرنا كالسهم وتؤلمنا، واحيانا تؤثر على إطار تشكيل انطباعاتنا، متعلقة بمدى قسوتها او بقرب الشخص منا أو الاثنين معا.

ومهما كان تأثيره فمن المعلوم ستكون اشد وأوجع على نفوس الأعمار الصغيرة والإنسان البسيط، فهي تترك شعوراً سلبياً يؤثر بملكته الروحية والعقلية، واحباطاً قد يقوده الى الفشل في حياته كلها أو احد جوانبها كالعمل او الزواج.

العلوم الطبية تقول إن الجنين يسمع الأصوات وهو في رحم الأم بين الشهر الخامس والثامن للحمل، ثم يستطيع تمييز صوت أمه عن غيرها من الأصوات وعمره أقل من يومين، وخلال الشهر الثالث من العمر يبدأ دماغه وأذنيه بالتطور ويتجاوب مع الكلمات، ومن هنا تبدأ رحلته مع ما يسمع وتأثيرها على شخصيته وصورته الذاتية.

إنها رحلة شاقة تعلم وتهدم وتوجع، وأول مسيره مع الاسرة تعلمه من هو ومن بابها يعرف بعض تفاصيل الحياة، فينخرط بالمجتمع ويكوّن فلسفته الخاصة بالتعامل مع الاخرين بحسب ما هو مترسب في دماغه خلال سنواته التواصلية، من الحوار اللفظي أي الكلام وكذلك الافعال وهو الحوار غير اللفظي.

ولقوة مفعول الكلام في بناء الشخصية ولكي يحصن الأنسان نفسه من التفسيرات الخاطئة ويجنبها التأثيرات السلبية، من المهم إن يتعلم كيف يفسر ويتعامل مع الكلمة عند سماعها وكيف يختار ويتقن إلقاءها، من خلال القراءة والاطلاع على ما توصلت اليه العلوم الطبية والانسانية بهذا الشأن وما ذكره ديننا الحنيف.

ففهم وتفسير الكلام كما يشرحها علماء الأعصاب مرتبط بعبقرية الدماغ، فهو يعتمد على مجموعة احتمالات وتفسيرات خزنها له دماغه لفهم مشاعر الاخرين، فيمكنه أن يعمل لصالحه أو ضده، وذلك عن طريق ربط الموقف الذي مر به واستجماع واسترجاع كل المواقف المشابهة السابقة، ومن الممكن أن يكون التفسير خاطئا ولا يتناسب مع حقيقة ما يقوله ويقصده الغير، فيكبد نفسه أحزان غير مبررة.

وأنا أكتب هذه السطور وجدتني أستعيد حديث احدى صديقاتي حين ذهبت مع زوجها لزيارة أقربائهم، وتقول: وجدنا روح الضيافة وحسن الاستقبال عندهم وفي معرض الحديث قال صاحب الدار مازحا كلام اظنه لا يتقصده عن تجارة لزوجي في الماضي وقد خسر بها، فبانت على وجه زوجي الغيظ رغم تحفظه ورده الدبلوماسية، وبعد خروجنا احسست بحزن وتأثر زوجي العميق من كلامه مع اني ارى الكلام اعتيادي، ومن يومها اصبحنا نتجنبهم وقطعنا اتصالنا معهم تنفيذ لأوامر زوجي.

ولا يقتصر الامر على ما نسمعه وطريقة تفسيرنا له، فهناك ايضا حوار وكلام غاية في الاهمية لتطوير الحياة ومعالجة المشاكل إلا وهو الحوار الداخلية، فلكلمات تترسخ بالذهن ويعززه العقل الباطن، فما يردد من كلام سلبي للنفس يصبح واقع حقيقي بمرور الوقت، بينما تترك الكلمات الايجابية طاقة قوية للأقبال على الحياة بنشاط.

كما للكلمات المباشرة المدمرة والقاسية التي يقولها الأبوين الأطفالهم ردود افعال تأتي بنتائج عكسية، وهي على الأغلب غير مقصودة، وبينما هم يريدون إرشادهم وتعليمهم بكلامهم يلحقون الضرر النفسي بهم بما يؤثر على علاقاتهم وصداقاتهم الاجتماعية المستقبلية.

في النهاية، يقول نبينا المصطفى صلى الله عليه واله "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" فكم جميلا لو جعل كلا منا حارسا من نفسه على لسانه يختار وينتخب ألفاظه ليحفظ ود المحيطين به ويكسب ثقتهم واحترامهم، حتى وان لم تربطه بهم مصالح مشتركة، ويجتهد ليترك انطباع جيد لدى الجميع دون استثناء او انتقاء.

اضف تعليق