إنسانيات - مجتمع

المجتمعات والتفاعل السلبي سياسياً

بطولة أمم آسيا مثالاً

حينما تؤدي الخلافات السياسية بين البلدان إلى نشوب حرب؛ فإن هذه النتيجة تعد أبشع أنواع النتائج المترتبة على تلك الخلافات؛ لما ستخلّفه من أضرار مادية ومعنوية على شعوب البلدان المتحاربة. وهناك نوع من الخلافات السياسية لا يؤدي إلى نشوب حرب، لكنَّها مع ذلك تلقي ظلالاً كثيفة السلبية على السلوك المجتمعي للدول التي تتخاصم سياسياً، وهذه الظلال تمتد لتشمل جوانب حياتية يمكن أن تكون ــ في حال تم فهمها بشكلها الواقعي ــ جسراً للتعايش الحضاري، والتسامح الإنساني. لكنَّ العكس هو الذي يحصل، فالخلافات السياسية في بلداننا تجعل شعوبنا في حالة من التدجين الغريب فنصبح ببغاوات تردد ما يردده السياسيون مع ملاحظة عدم فهمنا لما نردد من كلام!

ومن جوانب الحياة التي تسعى لتلاقي الشعوب، وتلاقح ثقافاتها تأتي الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص في صدارة هذه الجوانب، إلى جانب الثقافات والفنون الإبداعية والأدبية، ومع ذلك يغلب الانفعال والتعنصر على سلوكيات المجتمعات حتى عند إقامة هذه الفعاليات فنعطي رأياً جارحاً مثلاً في شاعر من بلد له خلاف سياسي مع بلدنا من دون أن نخوض في إبداع هذا الشاعر أو الموسيقي أو الرسام ...الخ، كل ما نعرفه هو من البلد الفلاني، وهذا سبب كاف لنرميه بأبشع أنواع الشتائم، أو قد يتطور الأمر إلى الاعتداء عليه بهدف التقليل من قيمته وكرامته الإنسانية.

قبل أيام أسدل الستار على فعاليات بطولة كأس الأمم الآسيوية بكرة القدم التي جرت في دولة الإمارات العربية المتحدة، بفوز منتخب قطر وظفره بالكأس للمرة الأولى في تاريخه، وكان الفوز ــ إنصافاً ــ مستحقاً لما قدمه الفريق من إمكانيات متطورة بشهادة المختصين.

ومن الواضح أن قطر كدولة لها خلافات سياسية مع الدولة المنظمة (الإمارات) وكذلك مع السعودية وأن الامارات والسعودية تفرضان على قطر حصاراً بسبب خلاف سياسي والسياسة ليست شأناً مهماً لمن يهتم بالرياضة والفنون وغيرها، فكيف انعكست مشاركة منتخب قطر في هذه البطولة على الأوساط الجماهيرية بعيداً عن رجالات السياسة؟

منتخب بدون جمهور

من الطبيعي حين يشترك أي منتخب في بطولة تنافسية أن ترافقه الجماهير لتشجيعه ورفع معنويات لاعبيه وهذا عرف معمول به في كل بلدان العالم، لكننا فوجئنا بقرار عدم السماح للمواطنين القطريين بدخول الإمارات. وهكذا لم ينل منتخب قطر تشجيعاً من جماهير بلاده عكس بقية المنتخبات المشاركة، رغم أن سلوكاً حضارياً من مشجعي عمان أعاد الأمل بقيم التسامح والمحبة حين شجعوا ــ فضلاً عن تشجيع منتخب بلادهم ــ منتخب قطر.

وقضية عدم السماح بدخول المشجعين يبدو رسمياً ، وحيث إننا نناقش التفاعل المجتمعي السلبي سندخل في صلب الموضوع، حيث شاءت أقدار البطولة أن يلتقي المنتخبان القطري والإماراتي المُضَيِّف في مباراة نصف نهائي البطولة. ومن الطبيعي أيضاً أن تشجع الجماهير الإماراتية منتخب بلادها، لكن الشيء المستغرب هو سلوك هذه الجماهير تجاه احتفال اللاعبين القطريين بكل هدف يسجلونه لدرجة رميهم بقناني الماء وأشياء أخرى حتى قبل نهاية المباراة.

وكانت الإمارات قد أعلنت أن عام 2019 هو عام التسامح، فأين هذا الشعار الجميل من سلوك جمهور البلد الذي أطلق الشعار؟ مالذي يجعل المجتمعات تتفاعل سلبياً بسبب خلافات سياسية قد تنتهي في أية لحظة؟

إشكالية الخضوع

إنَّ ما جرى في البطولة الآسيوية ــ على المستوى الجماهيري ــ يعيد مرة أخرى إشكالية كنا نعتقد بزوال آثارها، وهي إشكالية خضوع المحكوم للحاكم كيف كان وكيف يتصرف، وحتى نكون دقيقين أكثر لابد أن نحصر هذه الإشكالية حالياً في منطقة الخليج، فشعوب هذه المنطقة مازالت تنتمي لموروث فقهي/ مجتمعي يتمثل بالعاطفة المتوارثة لشعوب هذه المنطقة من منح هالات التبجيل والتقديس للحكام، فهم يحبون من يُحب الحاكم، ويبغضون من يبغض الحاكم؛ لأن الحاكم بمثابة إله عندهم، وصورته في أذهانهم هي صورة فرعونية تطبق عبارة (أنا ربكم الأعلى) حتى مع وصول العالم اليوم من تطور، فالصورة كما شاهدناها في البطولة الآسيوية تجعلنا نعتقد بتغيير تلك الأفكار النمطية، وهذا طبعاً ليس تشاؤماً بقدر ما هو اقتراب من واقع ملموس لازال يفرض رؤية مستلة من كتب الفقه الآمرة بوجوب الطاعة للحاكم، وهي ثقافة متجذرة، وتزداد لمعاناً كلما تفاءلنا قليلاً بزوال آثارها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0