التعلّق كلمة مشتقّة من مفردة (العلاقة)، وفعلها علَقَ، أي تعلّق الشيء بآخر، وينطبق على العلاقات البشرية أيضا، حيث يرتبط الناس مع بعضهم في علاقات مختلفة، منها علاقة الزوج والزوجة، الأب وابنه، الأم وابنتها، الصديق بصديقه، ومجمل العلاقات الإنسانية، بما في ذلك العلاقات التي لا تدخل فيها المشاعر والعاطفة، ومنها علاقات العمل مثلا، وهي لا تحتاج إلى عاطفة بل تقوم على التفكير والمصالح.

ما نعنيه في موضوعنا هذا ونقصد البحث فيه، هو تعلّق الإنسان بآخر تعلقاً غير منطقي أو غير صحيح، بحيث يتحول هذا النوع من التعلّق إلى حالة سلبية تفرز نتائج قد تكون مزعجة إلى حد ما وربما تتدرَّج في سلبيتها لتصبح من نوع العلاقات الخطيرة التي تصيب الإنسان بما يسمى بـ (التعلّق المرضي)، وهذا النوع من العلاقات لا يكون مرغوبا به، كونه يجعل حياة بعض الناس متعلقة بوجود شخص آخر يصعب الابتعاد عنه، وقد تصل سلبية هذا النوع من العلاقة إلى مسخ الشخصية التي تتعلق بوجود شخصية أخرى في حياتها.

فمثلا من الأمور الواردة جدا أن يتعلق الابن بأبيه، وقد يصل هذا التعلق إلى درجة ذوبان شخصية الابن بشخصية الأب، فتغيب ملامح وصفات شخصية الابن بشكل شبه تام، فلم يعد له قدرة على اتخاذ قرار مستقل ولا التفكير المستقل ولا المبادرة بمشروع ما بشكل فردي، فينشأ الابن معتمدا اعتمادا سلبيا على أبيه لدرجة أنه لا يجد في نفسه القدرة على اتخاذ اي قرار مهما بلغ من البساطة واليسر إلا بوجود ومساعدة أبيه، وهذا النوع من التعلق أو العلاقة لا يمكن أن يصب في صالح الإنسان الابن، أو حتى الأب نفسه، فبعض الآباء ربما يعتمدون على أبنائهم بشكل تام.

خطورة الاتكال على الآخر

هذا النموذج من العلاقات لا ينطبق على العلاقات الأسرية فقط، فربما تكون هناك علاقة مماثلة بين صديقين، أحدهما يذوب في شخصية صديقه الآخر، فتُلغى شخصيته بشكل شبه تام، ويغدو (صفراً على الشمال) لا قدرة له على التفكير أو المبادرة إلا بمعاونة صديقه، وقد يتطور الأمر ليُصاب بمرض أكثر خطورة هو اتكاله واعتماده ليس على صديقه أو أبيه فحسب وإنما يعتمد على الجميع حتى الضعفاء منهم، وهنا يتم تصفير قدراته وإمكاناته بشكل شبه تام.

كيف يحدث مثل هذا الأمر أو هذا النوع من التعلّق السلبي المريض؟، يُعزى هذا الأمر بحسب المختصين إلى سببين أو طرفين، الطرف الأول المحيط المجتمعي الأصغر ويُقصد به (العائلة أو المحيط الأسري)، وهو الطرف أو السبب الأكثر تأثيرا في تشكيل وتصميم وتطوير وتغذية هذا النوع من العلاقات المريضة، أما الطرف الثاني فهو ما يرثهُ الإنسان عن أهله، أبيه وأمه وأجداده، وتكون نسبته أقل من التأثير الأسري والمجتمعي، فالأب هنا مسؤول بصورة مباشرة على صنع وغرس هذا النوع من التعلق عند أولاده من الجنسين، والأم تتحمل جانبا من المسؤولية، فهناك (تربية الدلال) التي يكون مصدرها خوف الأب والأم على أبنائهما، فيتعاملون معهم وكأنهم أطفال حتى عندما يشتد عودهم.

وهنا يكمن الخطر الأسري التربوي الخاطئ، فالأب قد يخشى على ابنه فيتخذ عنه القرارات المختلفة، حتى البسيطة والسهلة منها، وقد يكون رقيبا صارما على كلام ابنه وتفكيره وصداقاته وكلامه وحركاته وربما يحصي عليه حتى أنفاسه، وهذه الرقابة بحد ذاتها مرض يُصاب به بعض الآباء أو الأمهات، ولم نبحث في شخصيات هؤلاء الآباء والأمهات سوف نجد أنهم يعانون من نقص وتشويه في قدرات التفكير لديهم، لذلك ينعكس على المرض والنقص على أولادهم، لهذا ينبغي أن يكون مسؤول العائلة حذرا في تربية وتعليم أبنائه، وأن يحذر من ارتكاب الأخطاء المختلفة أمامهم، ذلك أن الأبناء يرون في الآباء والأمهات نماذج لهم يحتذون بها.

كيف يمكن أن يكون المحيط الأسري، عاملا مساعدا للأبناء كي يقيهم من هذا النوع من العلاقات المشوّهة؟، بدءاً على الأب أن يصنع شخصية متوازنة مستقرة لابنه عبر الاستقلال والتوازن، نعم عليه أن يراقب ابنه في قراراته وسلوكه لكن هذه المراقبة يجب أن لا تكون مباشرة، ويجب أن تتم من بعيد لبعيد، ولا يشعر بها الابن إلا في حالات معينة تبلغ درجة الخطر الذي يستوجب تدخل الأب المباشر والعلني، ولابد أن يكون الأب هو المعين والمساعد الأول لأولاده (ذكور وإناث) لصناعة الشخصية القوية والخالية من أمراض التعلّق السلبي.

عيوب التربية السرية الصارمة

من حق الأبناء إقامة العلاقات الاجتماعية والعملية المختلفة، ولكن ليس من حقهم أن يتمسكوا بآخرين لحد التعلق المرضي، فهذا النوع من العلاقات، يعني تبعية تامة للآخر، ومصادرة لحق التفكير والمبادرة، لاسيما أن هنالك شخصيات تنزع إلى قيادة الآخرين وتشل قدراتهم، وغالبا ما يجد هؤلاء ضالتهم في الشباب من ذوي الشخصيات الضعيفة، أما لماذا نصفها بالضعيفة، فلأنها نشأت وترعرت في ظل تربية قسرية صارمة جعلتها تابعة للأب أو الأم أو الأخ الأكبر وبالتالي قد يكون تابعا للصديق أو حتى العدو الخفي، أما مساوئ هذا التعلق، فهي كثيرة وأبرزها صنع إنسان مهزوز ضعيف الشخصية غير قادر على تحمل أية مسؤولية وهذا يعني خسارة كبيرة للمجتمع.

كيف يمكن أن نحمي أنفسنا وأبناءنا من هذا التعلق المرضي؟، الحلول ليست صعبة، فهي تكاد تكون معروف للآباء والأمهات والأبناء معا، لكن المعرفة وحدها لا تكفي لمعالجة الأضرار والأخطاء، فهناك شيء اسمه تطبيق المعرفة، فأن تعرف خطوات المعالجات شيء، وأن تتمكن من تطبيقها شيء آخر، هناك خطوات ينبغي التمسك بتطبيقها الفعلي بعد معرفتها ومنها:

- أن يفكر أوليا الأمور (آباء وأمهات) بأهمية صنع شخصية قوية لأبنائهم، فالتفكير بذلك جدّيا هي الخطوة الأهم.

- أن يسعى الأب/ الأم، إلى زرع الاستقلالية في شخصية الابن (من الجنسين).

- أن يسعى الأبوان إلى كل ما يسهم في دعم عنصر الثقة في الأبناء.

- أن لا يتدخل الأب في اتخاذ قرار عن الابن، وإذا استوجب ذلك، يجب أن يتم بالنقاش والمشورة بين الاثنين.

- أن يتم تعليم الابن (من الجنسين) الاستقلالية منذ الطفولة، فالتعلّم في الصغر كالنقش على الحجر.

- أن ينصح الأبوان أبناءهما بالعلاقات المتوازنة مع الآخرين، وعدم التبعية والسماح باتخاذ القرار من قبل البديل أو المتبوع.

- كل أنواع المراقبة الأبوية يجب أن تكون غير مباشرة كي لا تُثار حفيظة الأبناء.

- وأخيرا ينبغي مؤاخاة الابن والبنت من قبل الأب والأم، والانتقال الى مرحلة الصداقة بعد البلوغ، فهذا يمنح الأبناء شخصية قوية متوازنة واثقة ومستقلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5