حين يتم البحث عن العوامل التي تقف وراء النجاح في مشروع أو قضية ما، فإن هناك مئات الأصوات التي تظهر علنا كي تُنسب هذا النجاح لها، وتصرّ على أنها هي التي مهَّدت لإنجاز هذا النجاح، أما في حالة فشل المشروع فإننا لا نعثر له على أب أو مسبّب يعلن بأنه هو الذي يقف وراء هذا الفشل!، بالطبع شتان ما بين النجاح والفشل وما بين الامتيازات والخيبات، ولكن هذه الظاهرة رغم طابعها البشري العام، إلا أنها تزدهر أكثر في المجتمعات المتأخرة نوعا ما، والتي لا تحظى بقيم راسخة تمجّد العمل.

فطبيعة المجتمع إزاء العمل والنظر إليه على أنه قيمة عليا، تختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر أيضا، حيث تعد ظاهرة التقاعس والتهرب من العمل وازدرائه من المصاعب التي تعاني منها المجتمعات المتأخرة، نعم هناك ظواهر كثيرة ومتنوعة، تسهم في هدر طاقات الفرد والجماعة، ولكن التقاعس عن العمل، والتبجح بالنسب والانتماء، تعد من الأسباب التي تعود بالفشل الذريع للفرد، وإذا توسع إطارها فإنها ستشمل بأضرارها المجتمع برمته، وقد لاحظ الخبراء المعنيون أن الأشخاص او المجتمعات التي تتصف بالتهرب من العمل، وتميل الى الدعة والتكاسل والخمول، تحاول أن تبتكر التبريرات التي تقنع بها الآخرين، حتى تبقى حالة التقاعس والخمول قائمة!، فتذهب إلى ترجيح كفة الانتماء على كفة الإخلاص للعمل، فكثير من أبناء المسؤولين يرفضون العمل بطرق غير مباشرة لكونهم أبناء ذوات وأصحاب مناصب، ولديهم الكثير من الوسائل وربما (القرارات والقوانين) التي تعفو أبناء الذوات عن العمل!.

هذه العلّة الخطيرة يمكن أن نجدها في واقعنا الراهن، حيث التهرب من العمل وتحمل المسؤولية صفة متوارَثة من جيل إلى آخر، في حين هناك مجتمعات حققت قفزات هائلة نحو التقدم، لأنها آمنت بأن العمل والابتكار هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق التقدم والانتماء الى الركب العالمي المتقدم، كما نلاحظ ذلك في القفزة التي حققتها الصين والهند والكوريون وغيرهم، ولكن لماذا تحدث عملية التهرب من العمل ومصاعبه الجسدية أو سواها؟.

بالطبع هناك قواعد وقيم تحدد نوعية الرؤية إلى الأنشطة العملية للإنسان والمجتمع بشكل عام، فثمة مشاكل كبيرة غالبا ما ترافق كراهية العمل أو التنحّي عنه بعيدا، من بين تلك المشاكل هي اقتران التهرّب بظاهرة ملاصقة يمكن وصفها بالتبجح وإعلان التفوق على الآخر، ليس من خلال الإبداع او الابتكار او الإنتاج الذاتي الأفضل، بل هناك من يتقاعس بحجة أن أباه من الأثرياء المتميزين، أو أنا حسبه ونسبه عريقا وكبيرا، وهكذا توجد الكثير من أنواع التبجح التي تلاصق ظاهرة التقاعس، وأكثرها وضوحا وخطورة، ظاهرة النسب والتبجح به على حساب العمل والإنتاج الفعلي، أي أن هناك أناس يتحججون بنسبهم إلى العائلة الفلانية أو الجهة العلانية كي يكون هذا التبجح والإدّعاء وسيلة لترك العمل وإلقائه على الآخرين!.

مثل هذه الحجج والادعاءات لا يمكن أن يتم قبولها كأسباب منطقية لرفض العمل مهما كان النسب الذي ينتمي له الفرد، وهناك حكمة وردت في نهج البلاغة تتعلق بهذا الأمر، إذ قال الإمام علي عليه السلام في هذه الحكمة القيّمة: (مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ).

نلاحظ هنا أن الإبطاء في العمل، يعني الكسل والخمول والتنحي، وإيجاد التبريرات الكثيرة للتهرب من العمل، سواءً على مستوى الأفراد او الجماعات، وإذا حدث هذا الإبطاء فإن النتيجة ستكون عصيبة على الفرد ومن ثم على المجتمع، والأدهى من ذلك، أن حسن النسب للأسرة العريقة لا يمكن أن يكون بديلا عن الانجاز المميز، بمعنى أن الإنسان الفرد والجماعة مطالبان كلاهما بتحقيق الانجاز المطلوب عمليا، ولا يصح التهرب من هذه المسؤولية مهما كانت الحجج، لاسيما قضية الانتساب إلى عائلات وأسماء عريقة، كالقادة والعلماء والشخصيات التاريخية، بل على العكس، إذ ينبغي أن يكون حسن الانتماء وعراقته، دافعا إضافيا لتحقيق النجاح والعمل الأفضل، باعتبار أن من ينتمي إلى أسرة عريقة وتنحدر جذوره من رجالات وشخصيات وتواريخ متميزة، عليه أن يشكل امتدادا لهم، لا أن يتذرع بهم ويتحجج بانجازاتهم لكي يتهرب من دوره في الحياة!، فهل يمكن ملاحظة مثل هذا السلوك الطبقي في مجتمعنا؟، نعم إن بعض المتنفذين في السلطة والدولة يبعدون أبناءهم عن أي عمل فيه صعوبة أو خطورة كالقتال مثلا، وهذا واقع لا يمكن نكرانه في أي حال، على حين أن القادة العظماء والنماذج الخالدة تتفوق على الآخرين بالتضحية والإيثار.

ونحن كمجتمع يتطلع إلى التطور نحتاج إلى التمسك بقيم البناء والعمل، وأن لا نشجع التفرقة بين أبناء الذوات وعامة الناس، وننشر الرغبة في العمل كونه أساس التقدم للدول والمجتمعات، كما أن الإبطاء هنا تعني عدم الرغبة بالعمل، أو إضاعة وقت العمل، وهي ظاهرة تتصف بها المجتمعات المتأخرة، ومنها بل ربما في مقدمتها الشعوب العربية والإسلامية، إذ يمكننا أن نجد فيها من لا يحترم وقت العمل ويتم التحايل من اجل تضييع هذا الوقت بعيدا عن الإنتاج، ويتم ذلك بطرق تحايل عديدة، والنتيجة هي تأخر الفرد والمجتمع، وهناك مرافقة التبجح للتهرب من العمل، بحجة انه يتميز على الآخرين بنسبه وحسبه وانتمائه، أي أنه يحوّل الظاهرة السيئة إلى حالة للتفوق والتميّز على الآخرين، وهؤلاء هم من ينسب النجاحات لنفسه حتى لو أنه بعيد كل البعد عن ذلك فيعلن نفسه أب للنجاح، في حين يبقى الفشل يتيما بلا أب!.

لذلك حين نعود إلى الحكمة التي وردت في كتاب نهج البلاغة، سنلاحظ أنها تذهب الى وجوب معالجة ظاهرة الطبقية في المجتمع عبر ترك العمل بسبب النسب، فالعمل والإنتاج الفردي والجماعي، ليس له علاقة بطبيعة نسب الإنسان، او انتمائه الى عائلة عريقة، مهما كانت الخدمات التي قدمتها تلك الأسرة للمجتمع، وهذا لا يعني أن يتبجح الإنسان بتاريخيه الأسري، ويجعل من هذا التميز حجة او سببا للتهرب من العمل والابتكار، كذلك لابد أن تتنبّه الجهات المعنية كافة الى مثل هذه الظواهر الخطيرة من اجل الحد منها ومعالجة أسبابها، بمعنى تضع الخطوات الفعلية لمعالجة ظاهرة الإبطاء في العمل والتهرب منه، وتأشير الأسباب التي تقف وراء نمو وشيوع مثل هذه الظواهر التي تعيق تطور المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0