تعتبر ظاهرة التحرش بمختلف أشكاله من اهم وأخطر الظواهر المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من الجهات والمنظمات الحقوقية خصوصا بعد تزايد عمليات التحرش والاعتداءات والفضائح التي طالت أيضا الكثير من الشخصيات والأسماء المهمة في هذا البلد، حيث تشير بعض التقارير السابقة، الى ان الولايات المتحدة الأمريكية تشهد وقوع اعتداء جنسي كل 98 ثانية، وقد تعرّضت واحدة من كل ست سيدات في أمريكا إلى اغتصاب أو محاولة اغتصاب.

وبحسب أرقام الشبكة الوطنية لمكافحة الاغتصاب في أمريكا، فإن 321.500 شخص في أمريكا، تتراوح أعمارهم من 12 سنة فأكثر، يقعون ضحايا للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي في المتوسط سنويًا، وبذلك تقع بحسب الشبكة حالة اعتداء جنسي كل 98 ثانية في المتوسط في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتراوح أعمار أغلبية ضحايا العنف الجنسي في أمريكا، من 18 عامًا حتى 34 عامًا، بنسبة 54% من الضحايا، وتبلغ نسبة الضحايا الذين تتراوح أعمارهم من 18 عامًا حتى 64 عامًا، 92% من إجمالي ضحايا العنف الجنسي.

وتتعرض نساء أمريكا وفتياتها لمعدلات عالية من الاعتداءات الجنسية، فسيدة من كل ست نساء في أمريكا قد تعرضت لمحاولة اغتصاب فاشلة لم تكتمل (بنسبة 2.8%)، أو واقعة اغتصاب كاملة في حياتها (بنسبة 14.8%)، واعتبارًا من عام 1998، فقد وقعت17.7 مليون امرأة ضحية لمحاولة اغتصاب، أو واقعة اغتصاب كاملة، وكان 90% من ضحايا الاغتصاب الكامل من الإناث، مقابل 10% للذكور.

ويعد طلاب الجامعة الذين تتراوح أعمارهم من 18 لـ24 عامًا، أكثر عرضة للاعتداءات الجنسية من نظرائهم من نفس العمر والذين لم يلتحقوا بالجامعة؛ إذ تعادل نسبة الضحايا الطلاب المعرضين للاعتداء الجنسي أو الاغتصاب، خمس مرات من نظرائهم الذين لم يلتحقوا بالجامعة. ووصل العنف الجنسي إلى قطاعات أكثر حساسية من الجامعات نفسها، لتصل إلى الجيش وباقي المؤسسات الحساسة الاخرى.

بلاغات جنسية

وفي هذا الشأن لم يتوقف رنين هواتف الخطوط الساخنة للإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية في الولايات المتحدة ووصلت بلاغات الضحايا إلى أعداد قياسية بفضل الزخم الذي حققته حركة (مي تو) الاجتماعية لزيادة الوعي بشأن التحرش والاعتداء. وارتفع عدد المكالمات عندما انطلقت الحركة في أكتوبر تشرين الأول حيث اضطر البعض للانتظار لما يصل إلى ثلاث ساعات في سبيل استقبال مكالماتهم لأكبر الخطوط الساخنة في البلاد لهذا الغرض وهو الخط الساخن الوطني للإبلاغ عن الاعتداء الجنسي.

وقالت الشبكة الوطنية لمكافحة الاغتصاب والاعتداءات الجنسية وزنا المحارم إن عدد المكالمات التي استقبلها الخط الساخن التابع لها زاد 25 بالمئة في نوفمبر تشرين الثاني مقارنة بما كان عليه قبل عام كما ارتفع 30 بالمئة أخرى في ديسمبر كانون الأول. وتلقت الشبكة 209480 اتصالا هاتفيا في المجمل عام 2017 وهو أكبر عدد تستقبله منذ تأسيسها في عام 1993. وكانت الممثلة أليسا ميلانو التي شاركت في مسلسل (تشارمد) التلفزيوني ناشدت النساء اللاتي وقعن ضحايا للاعتداء الجنسي أو التحرش استخدام وسم (مي تو)، وتعني ”أنا أيضا“، على وسائل التواصل الاجتماعي وذلك في أعقاب توجيه اتهامات بالتحرش للمنتج السينمائي الكبير في هوليوود هارفي واينستين.

ونفى واينستين الذي وجهت له عشرات النسوة اتهامات بالتحرش والاعتداء ممارسته الجنس مع أي إمرأة دون رضاها. وقال سكوت بيروكوفيتز الرئيس التنفيذي للشبكة الوطنية لمكافحة الاغتصاب والاعتداءات الجنسية وزنا المحارم إن الشبكة عينت 40 موظفا جديدا إلى جانب موظفيها البالغ عددهم 200 وإن هذا أدى إلى تقليص وقت الانتظار على الهاتف. بحسب رويترز.

ويستقبل مركز الأزمات لمكافحة الاغتصاب ومقره العاصمة الأمريكية 70 ضحية كل أسبوع في المتوسط يأتون لطلب مساعدة قانونية أو بدنية أو نفسية. وقالت الرئيسة التنفيذية للمركز إنديرا هينارد إن هذا العدد كان قبل انتشار وسم (مي تو) يتراوح بين 30 و40 ضحية فقط. وأضافت ”أقولها للتاريخ... لا أعتقد أننا تحدثنا يوما في تاريخنا عن العنف الجنسي وتداعياته بكل هذا الزخم“.

مدير حملة ترامب

الى جانب ذلك اتهمت إحدى المغنيات المؤيدات لدونالد ترامب المدير السابق لحملته خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية بملامستها مرات عدة خلال سهرات في فندق ترامب الدولي في واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حسبما ذكر الموقع الإلكتروني الإخباري "بوليتيكو". وقالت جوي فيلا التي عبرت عن دعمها لترامب بارتدائها ثوبا كتب عليه "لنعد إلى أمريكا عظمتها" خلال توزيع حفلة جوائز غرامي السنة الحالية في مقابلة إن كوري ليواندوسكي "ضربها على مؤخرتها" بعد التقاط صورة معها خلال أمسية بمناسبة الذكرى الأولى لانتخاب ترامب.

وأضافت للموقع الإخباري "كنت أرتدي سترة فضية وبنطالا ضيقا وبعد الصورة ضربني بقوة على مؤخرتي". وأضافت "كان أمرا مهينا وصدمني". وأضافت أنها عندما قالت لليواندوسكي الذي أقصي عن حملة ترامب في حزيران/يونيو 2016، إنها يمكن أن تتهمه بالتحرش الجنسي، رد "افعلي ذلك، أعمل حاليا في القطاع الخاص" قبل أن يوجه لها ضربة جديدة. بحسب فرانس برس.

وقالت جوي فيلا إنها ترددت في كشف ذلك بسبب "سلطة ونفوذ" ليواندوسكي وعلاقاته الوثيقة بترامب. وأوضحت أن الموجة الأخيرة من الاتهامات بالتحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية في الولايات المتحدة تورط فيها رجال في قطاعات الترفيه والأعمال والإعلام والسياسة شجعتها. وقال موقع "بوليتيكو" إن ليواندوسكي لم يرد على طلبه التعليق على الاتهامات.

الكونجرس الأمريكي

من جانب اخر تبنى أعضاء جمهوريون بارزون في مجلس الشيوخ الأمريكي محاولة لتعديل قواعد التعامل مع التحرش الجنسي داخل الكونجرس من خلال مشروع قانون يحمي الضحايا ويلزم المشرعين الذين تثبت إدانتهم بسوء السلوك بدفع أي تسويات مالية من مالهم الخاص. ويأتي التشريع استجابة لمطالب رفع السرية عن حالات التحرش الجنسي وسوء السلوك داخل أروقة الكونجرس واكتسب زخما في الشهور الأخيرة بعد سلسلة اتهامات لرجال أمريكيين يشغلون مواقع مرموقة في عالم السياسة والإعلام وقطاع الترفيه.

وتشير الجهود التي يتبناها الحزبان الجمهوري والديمقراطي إلى زخم يعتمل داخل الكونجرس، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، لتغيير أسلوب التعامل مع مزاعم سوء السلوك والذي يقول كثير من المشرعين إنه عفا عليه الزمن ومنحاز ضد الضحايا. ويلزم التشريع أي عضو في الكونجرس تثبت إدانته بالتحرش بأن يدفع التسويات المالية من ماله الخاص لا من أموال دافعي الضرائب كما هو الحال حاليا. بحسب رويترز.

وقال تيد كروز العضو الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ في بيان ”الكونجرس ليس فوق القانون، يجب عدم التهاون بعد الآن مع التسويات السرية من أموال دافعي الضرائب للتغطية على سوء السلوك“. وسيتم الإعلان عن التسويات المالية ما لم يفضل الضحايا إبقاءها طي الكتمان.

من جانب اخر أعلنت لجنة الاخلاق في مجلس النواب الجمعة انها فتحت تحقيقا بشأن نائب ديموقراطي متهم بالتحرش الجنسي بامرأتين، فيما اعلنت مرشحة الى الكونغرس متهمة بالتحرش انسحابها من السباق. وقالت اللجنة في بيان انها على علم "باتهامات" ضد روبن كيوين، النائب عن نيفادا البالغ من العمر 38 عاما، والذي انتخب العام الماضي.

والمرأة الاولى التي تقدمت بالاتهامات التي نشرها موقع بازفيد، قالت ان كيوين قام بإيحاءات جنسية متكررة ولامس فخذها مرتين دون موافقتها عندما كانت تعمل ضمن فريق حملته في 2016. وقالت امرأة اخرى -- ناشطة في مجموعة ضغط في نيفادا -- انها تعرضت لمحاولات متكررة من كيوين عندما كانت عضوا في المجلس المحلي. ونفى كيوين الاتهامات ورفض حتى الان الاستقالة -- رغم ان زعيمة الاقلية في مجلس النواب نانسي بيلوسي حضته على القيام بذلك. وتحقق لجنة الاخلاق في قضايا اخرى متعلقة بسياسيين جمهوريين هما: عضو الكونغرس عن تكساس بليك فيرنتهولد المتهم بالتحرش الجنسي وترنت فرانكس الذي سأل زميلة له إن كانت ترغب بعملية تأجير للرحم له ولزوجته. واستقال فرانكس الاسبوع الماضي.

دعم ضحايا التحرش

في السياق ذاته أطلقت مجموعة تضم أكثر من 300 ممثلة وكاتبة ومخرجة في هوليوود مشروعا للمساعدة على محاربة التحرش الجنسي في مجال صناعة الأفلام وغيرها من أماكن العمل. وأعلن عن هذه المبادرة التي تحمل اسم "انتهى ذاك الزمن" في صفحة كاملة من صحيفة نيويورك تايمز الورقية. وجاء في الإعلان أن هذا المشروع بمثابة "دعوة موحدة للتغيير من قبل نساء تعملن في مجال صناعة الترفيه إلى النساء في العاملات في كل مكان".

وتأتي المبادرة عقب اتهامات الاستغلال الجنسي التي وجهتها ممثلات معروفات ضد منتج الأفلام هارفي واينشتاين. وتدعم مئات الممثلات - من بينهم ناتالي بورتمان، وريز ويذرسبون، وكيت بلانشيت، وايفا لونغوريا، وإيما ستون - هذا المشروع الذي جمع حتى الآن أكثر من 13 مليون دولارا أمريكيا من بين الـ 15 ألف دولار التي يهدف إلى جمعها. وسيستخدم المال الذي تم جمعه لتوفير دعم قانوني لكل من الرجال والنساء الذين تعرضوا للتحرش في مكان العمل.

ويستهدف المشروع بشكل أساسي الأشخاص غير القادرين على تحمل نفقات الدفاع عن أنفسهم مثل عاملات المصانع والنادلات والعاملات في دور الرعاية. وفي "رسالة تضامن" نشرت على موقع الإنترنيت الخاص بالحملة، يقول منظمو "انتهى ذاك الزمن": "ليس على النساء أن يلجأن بعد الآن إلى النضال للمشاركة وبلوغ المناصب العليا. حانت نهاية هذا الاحتكار المنيع (من قبل الرجال)".

وتضيف هذه الرسالة - التي تستهدف "كل النساء... اللاتي كان عليهن صد محاولات التحرش الجنسي" - أنه يمكن لمثل هذه الاعتداءات أن تستمر في أغلب الأحيان لأن "الجناة وأصحاب العمل لا يواجهون أي عواقب". وتنادي الرسالة أيضا بمواجهة "عدم المساواة بين الجنسين وعدم التساوي في توزيع القوة"، مؤكدة على ضرورة وصول عدد أكبر من النساء إلى مواقع السلطة والحصول على مردود مالي مكافئ للرجال".

ومنحت مجلة التايم جائزة العام لـ "كاسري الصمت" - وهم نساء ورجال تحدثوا علنا ضد التحرش والاعتداء الجنسي. وكان قد انتشر استخدام هاشتاغ "أنا أيضا" العام الماضي الذي ألهم نساء ورجالا على مستوى العالم لمشاركة قصصهم عن حالات تحرش جنسي تعرضوا لها بعد دعوة الممثلة اليسا ميلانو ضحايا الاعتداء الجنسي عبر حسابها على تويتر للتضامن. واستخدم الهاشتاغ بين شهري أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول أكثر من 6 مليون مرة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0