يُـنظَر إلى هذا الصراع على نطاق واسع على أنه اختياري وليس حتميا. وإذا دام لفترة أطول أو أثبت كونه أشد إرباكا من المتوقع، فسوف تكون العواقب الاقتصادية العالمية وخيمة. ستنتقل الضربة التي تتلقاها إمدادات الطاقة إلى أسواق التأمين، وتكاليف الشحن، ودورات التخزين، وسلاسل التوريد الصناعية، وأسعار الوقود المنزلي في...

نيويورك ــ تتجه الحرب مع إيران إلى التوسع بوتيرة أسرع مما توقعه كثيرون. فقد تجاوزت ضربات الجمهورية الإسلامية الانتقامية ضد دول الخليج العربي الأهداف العسكرية لتشمل البنية الأساسية المدنية الحيوية، بما في ذلك المطارات، ومحطات تحلية المياه، ومنشآت الطاقة. وفَـتَـح حزب الله جبهة ثانية من لبنان. يقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن العمليات قد تستمر "من أربعة إلى خمسة أسابيع"، ولكن مع مقتل ما يقرب من خمسين مسؤولا إيرانيا رفيع المستوى، من غير الواضح من قد يكون في وضع يسمح له بالتفاوض على مـَخرَج من الأزمة.

ربما كان ترمب يريد مواجهة محلية، لكنه بدلا من ذلك أشعل فتيل أزمة في قلب نظام الطاقة العالمي. فالآن، يعمل مضيق هرمز، أهم ممر بحري عالمي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، بأقل طاقته.

في الرد على ذلك، اقترح ترمب ضمان التأمين ضد مخاطر الحرب لسفن شحن البضائع وتوفير مرافقة من البحرية الأميركية لإعادة فتح المضيق. لكن الضمانات المالية والقوافل العسكرية لا يمكنها إزالة حس انعدام الأمان الأساسي الذي تجلبه فكرة العبور في حين تظل الناقلات عُرضة للصواريخ، والطائرات الـمُسَيَّرة آليا، والهجمات غير المتكافئة. ما دامت السفن مستهدفة، فسوف تظل الثقة متدنية، وسوف تظل التدفقات عبر المضيق مقيدة، بما يجعل أسواق الطاقة العالمية عُرضة لمزيد من الارتباك.

إذا لم يكن من الممكن استئناف التحميل قريبا، فسوف تَـفرِض قيود التخزين تباطؤ الإنتاج في مختلف أنحاء الخليج، وسوف يؤدي هذا إلى تقلص المعروض العالمي وزيادة الضغوط التي تدفع أسعار النفط الخام إلى الارتفاع. على الرغم من انتشار استخدام الطاقة المتجددة في السنوات الأخيرة، لا تزال المواد الهيدروكربونية راسخة في الاقتصاد العالمي. تشكل السعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، والعراق، وإيران ركائز سلاسل التوريد التي تغذي كل شيء، من الصناعة الآسيوية إلى التصنيع الأوروبي والنقل العالمي. 

ما يزيد الطين بلة، أن الأفق لا يحمل أي نهاية واضحة. أحدث قتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي صدعا ذا أبعاد تاريخية، لكن قطع رأس القيادات لا يشكل تغييرا في النظام. بل إن التاريخ يشير إلى أن مثل هذا الحدث من المرجح أن يعزز السلطة المركزية بقدر ما قد يؤدي إلى انهيارها. فلا تزال المؤسسات الحاكمة في إيران والحرس الثوري الإسلامي سالمة؛ بل إنها مسلحة أيضا بمخزونات صاروخية كافية للحفاظ على وتيرة الهجمات الحالية لأسابيع. وقدرة النظام على الردود الانتقامية لم تستنفد بعد.

المدة هي المتغير الحاسم في أسواق الطاقة. ففي حين تتسبب الصراعات القصيرة في إحداث تقلبات، فإن انعدام الاستقرار المطول يعيد تشكيل التدفقات التجارية، وتقييمات مخاطر البنية الأساسية، وسلوك الاستثمار. السؤال الـحَرِج الآن ليس فقط ما إذا كان مضيق هرمز ليعاد فتحه، بل ما مقدار الضرر الإضافي الذي قد تلحقه إيران ببنية الطاقة الأساسية الـحَرِجة.

علاوة على ذلك، تعمل مخاطر الإمداد على مضاعفة مخاطر النقل. فقد خفض العراق بالفعل إنتاجه من النفط. كما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشآت رئيسية عقب هجمات بطائرات مسيرة. وتستعد السعودية لمزيد من الهجمات على بنيتها الأساسية بعد الضربات التي تعرض لها مجمع رأس تنورة، الذي يضم أكبر مصفاة في المملكة، والتي تعالج حوالي 550 ألف برميل يوميا وتعمل كمحطة رئيسية لتصدير النفط الخام. مع دخول بنية الطاقة الأساسية في الخليج الآن في "محيط التصعيد"، يوازن المنتجون على نحو متزايد بين الأمن والاستمرارية، وتؤدي تعديلاتهم الاحترازية إلى تقليل مرونة النظام بأكمله.

لهذا السبب سجلت أسعار النفط ارتفاعا حادا ــ بأكثر من 20% منذ بداية عام 2026. تستجيب الأسواق لكل من البراميل الغائبة والغموض المتزايد حول المدة التي ستظل فيها البنية الأساسية معرضة للخطر. وتواجه أسواق الغاز قيودا أكثر صرامة. فعلى عكس النفط، تعمل تجارة الغاز الطبيعي المسال بقدرة احتياطية ضئيلة. وإذا استمرت الانقطاعات في الخليج لأسابيع، فسوف يتنافس المشترون على شحنات محدودة.

وأوروبا معرضة للخطر بشكل خاص. فبعد شتاء أبرد من المتوقع، انخفضت مستويات التخزين فيها مع اقتراب موسم إعادة التعبئة. ورغم أن معظم الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز متجه إلى آسيا، فإن أسواق الغاز العالمية مترابطة. وعندما ينخفض العرض في الخليج، تشتد المنافسة. وسوف تصبح إعادة بناء المخزونات أكثر تكلفة وحساسية من الناحية السياسية. وإذا ظلت تدفقات الغاز الطبيعي المسال معطلة، فسوف تواجه أوروبا توازنا أشد خطورة عندما تقترب من الشتاء المقبل.

ولا تقتصر تداعيات النقص على أوروبا. فقد عملت الصين، أكبر مستورد للنفط الخام على مستوى العالم، على تكديس احتياطيات تبلغ نحو 1.2 مليار برميل في مخازن استراتيجية وتجارية برية، وهي تكفي لتغطية أكثر من 100 يوم من الواردات الصافية بالمستويات الحالية. هذه المخزونات من الممكن أن توفر احتياطيا مهما، لكن الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط تُكسِب من يحتفظ بها بعض الوقت فحسب. وإذا استمرت حالة انعدام الاستقرار، فسوف تصبح عمليات إعادة التزود أكثر تكلفة، وتتقلص هوامش التكرير، وترتفع تكاليف المدخلات الصناعية.

كما يزيد ارتفاع الأسعار العالمية من الجاذبية النسبية للمواد الهيدروكربونية الروسية المخفضة السعر. في سوق أكثر إحكاما، يصبح النفط الخام الخاضع للعقوبات أكثر قدرة على المنافسة، الأمر الذي قد يعزز عائدات الكرملين من الطاقة. وعلى هذا فإن استمرار انعدام الاستقرار في الخليج قد يعيد تشكيل ليس فقط سلاسل التوريد، بل أيضا النفوذ الجيوسياسي.

تواجه الاقتصادات الناشئة مخاطر أشد هولا. ذلك أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يعمل كضريبة عالمية، فينعكس على تكاليف الغذاء، والنقل، والكهرباء. وفي البلدان التي تعاني بالفعل من التضخم ومشاكل الديون، قد يُـفضي التقلب المستمر إلى زعزعة استقرار العملات والتوازنات المالية.

ما يميز حرب إيران ليس خطر انقطاع كارثي واحد، بل أن بنية الطاقة الأساسية أصبحت جزءا من حسابات التصعيد في زمن الحرب. لعقود من الزمن، كان يُنظر إلى أصول المواد الهيدروكربونية في الخليج على نطاق واسع على أنها حيوية من الناحية الاقتصادية إلى الحد الذي لا يسمح باستهدافها منهجيا. لكن هذا القيد الضمني آخذ في الضعف. إذ تشير الضربات الموجهة وعمليات الإغلاق الاحترازية إلى أن البنية الأساسية أصبحت الآن في مرمى النيران.

أخيرا، تتفاعل الأسواق أيضا مع تزايد حالة انعدام اليقين. فقد تراوحت رسائل ترمب السياسية بين الدبلوماسية، والردع، والتصعيد، على النحو الذي يعقد الجهود التي يبذلها المستثمرون في الطاقة لتقييم مسار الصراع المحتمل ومدته.

يُـنظَر إلى هذا الصراع على نطاق واسع على أنه اختياري وليس حتميا. وإذا دام لفترة أطول أو أثبت كونه أشد إرباكا من المتوقع، فسوف تكون العواقب الاقتصادية العالمية وخيمة. ستنتقل الضربة التي تتلقاها إمدادات الطاقة إلى أسواق التأمين، وتكاليف الشحن، ودورات التخزين، وسلاسل التوريد الصناعية، وأسعار الوقود المنزلي في مختلف أنحاء العالم. بعد أيام فقط من اندلاع المواجهة، بدأت أسوأ مخاوف أسواق الطاقة تتحقق بالفعل. سوف تتسبب الحرب المطولة في تحويل التقلبات إلى ضغوط بنيوية على أسواق النفط والغاز ــ وهي نتيجة أسوأ من حالة انعدام اليقين اليوم.

* بقلم: كارولين كيسان، العميدة المشاركة والأستاذة السريرية في مركز الشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات المهنية بجامعة نيويورك والمديرة المؤسسة لمختبر الطاقة والمناخ والاستدامة بجامعة نيويورك.

https://www.project-syndicate.org/

اضف تعليق